22
بيروت، 10 أكتوبر 2015
كان ستيوارت مندمجًا في محاضرته، يتحرك بحرفية ورشاقة، فتتحول كلماته من جُمل إلى مشاهد تحفظها ذاكرة الحضور، في المقابل كنت أتعمد من حين لآخر أن أميل على هاشم، افتعلت من الأسباب قدر استطاعتي، وشممت من عطره المخلوط بعرق الذكورة ما وسعني، وكم ارتفع مستوى سعادتي إلى ما بعد عنان السماء كلما لامست خُصَلْ شعري وجهه أو نامت على كتفيه، كنت في عالم مواز لجو المحاضرة حتى ظننت أن صوت ستيوارت يأتيني أقرب للصدى البعيد منه إلى الواقع القريب.
وبينما أنا على هذه الحال، أفقت على صمت رهيب، صمت كسا القاعة، فلا تسمع إلا همسا، تجمد كل شيء، حتى ستيوارت بقي جامدًا لبرهة على حاله لا يتحرك، يظن كل من يراه أنه تمثال من رخام أو شمع أبيض، وقد باعد بين ساقيه قليلاً وعقد ذراعيه، فانتقل سكونه وتركيزه إلى الحضور، وران صمت عميق شامل، وتعلقت به العيون، إلى أن علا صوته فجأة بنبرة نُحاسية فانتبه الحضور كأنما بُعِثوا من رُقاد طويل قائلاً،
"والآن أيها السادة أستأذنكم في الوقوف.. نعم الوقوف إذا سمحتم.. الجميع وقوف.. نحتاج لبعض الهدوء.. هذه لحظة فاصلة في المحاضرة.. أرجو التزام الصمت".
انصاع الجميع لأمره ووقفوا وقد ولوا وجوههم شطره مترقبين توجيهاته، حتى إذا ما اطمأن إلى انتباههم، طلب أن يقف كل اثنين متجاورين وجهًا لوجه، فعادت الهمهمة مرة أخرى وسرت حركة مصحوبة بشيء من صخب، فعاود رفع صوته يطلب الهدوء والنظام.
لم أفهم في اللحظة الأولى لماذا طلب منا ذلك، ولا ماذا يريد من هذه الطقوس التي بدت أقرب إلى تمرين مسرحي منها إلى محاضرة. لكن شيئًا في داخلي كان قد فهم قبل عقلي، كأنني كنت أنتظر هذه اللحظة دون أن أعرف أنني أنتظرها، إنها الغريزة. التفتُّ إلى هاشم، فوجدته يتهيأ للوقوف مثلي، ولمحت في عينيه سؤالًا لم ينطق به. للحظة شعرت أن القاعة بكل ما فيها من وجوه وأصوات قد تراجعت إلى الخلف، ولم يعد أمامي سوى الرجل الذي جلست إلى جواره منذ بداية المحاضرة، وكأن وجودنا جنبًا إلى جنب لم يكن مصادفة.
وقفت أمام هاشم وتعمدت أن أُثبت عينيّ في عينيه، فقال بصوت من لم يُطق صبرًا وسأل متهكمًا،
- ما كل هذه الطلبات؟
أجبته بعفوية بين السخرية والمداعبة
- من شان نتغير؟
عقب بصوت وتعبيرات وجهه لا تقل هزلاً وسخرية
عشم إبليس في الجنة!!
- طمنتني
- ......
قلتها بعفوية وتهكم، لكنني لم ألبث أن ضحكت رغم عني بصوت مسموع لفت انتباه ستيوارت فنظر نحوي مُعاتبًا، فخبأت وجهي خلف هاشم ونظرت نحوه بغيظ مصطنع وقلت له بصوت هامس، وقد تملكني الخجل واصطبغ خداي كالعادة بلون التفاح، (أنت السبب!!)، فانقبضت خلايا وجهه علامة على امتعاض غير حقيقي.
لم أعرف أكنت أعاتبه حقًا أم كنت أبحث عن ذريعة أخرى لأبقى قريبة منه. كان يكفيني أن أرى تلك الابتسامة الصغيرة التي حاول إخفاءها، فأشعر أن بيننا سرًا لا يراه أحد. وربما لهذا السبب أطلت النظر إليه أكثر مما ينبغي، ثم تذكرت فجأة أننا لسنا وحدنا، فخفضت عينيّ، وجلست كطفلة ضُبطت متلبسة بشيء لا تريد الاعتراف به.
كرر الدكتور ستيوارت سيناريو الصمت المتعمد جلبًا للتشويق والتركيز، فعاد للقاعة سكونها وصمتها للحظات رحت خلالها أنظر في وجه هاشم، تطلعت إلى جبهته العريضة وشعره الكثيف وفوديه الطويلين وقد وخطهما بعض الشيب، ولم ألبث أن توقفت عند تفاحة آدم البارزة في رقبته، تعلو تهبط مع كلامه، أطلت النظر نحوه وشعرت بشيء من الخجل يعتريه.
لم تكن نظرته هذه المرة عابرة كما اعتدت أن أراها منه. كان فيها شيء من الحذر، وربما شيء من الخوف أيضًا. لم أكن متأكدة مما إذا كان يخشى أن أقرأ ما في داخله، أم يخشى هو نفسه أن يقرأ ما في داخلي. شعرت للحظة أننا نقف على حافة شيء لا نعرف اسمه، وأن خطوة واحدة فقط يمكن أن تنقلنا من منطقة آمنة اعتدنا الوقوف فيها إلى مكان آخر لا نملك خرائطه ولا نعرف طريقًا نعود منه.
كنت أعرف أنه – باستثناء مجموعة الكورنيش - قليل الاختلاط بالآخرين، وأن تجربته مع المرأة لم تتعد زواجًا لم يُكتب له الاستمرار، وقف بعدها على الشاطئ الآخر وحيدًا، ربما كانت هناك بذور حب قابلها على طريق حياته بعد انفصاله عن زوجته، لكنه كان يؤثر أن يتجاوزها سريعًا، مكتفيًا بعلاقة زمالة واحترام.
اعتاد دفن نفسه في العمل قدر استطاعته، ويوما يجر يوما، كان يهرب من آلامه وهزائمه، وكان أكثر ما يؤلمه حزن أبويه عليه، كان إذا تذكر دموعهما اختلج صوته، وتذكر انكساراته في عالم الحب، وكانت أصعب آلامه يقينه أن كل تجربة حب جديدة، سوف يعقبها رحيل.
رحل عن قريته بعد فشله في حب ريم، ورحل عن الإسكندرية بعد جيهان، وعن القاهرة بعد ارتباطه بغادة، عاش بعدها يخشى الحب، ويخشى الرحيل، فآثر السلامة ونأى بقلبه عن الوقوع في حب جديد.
كان يحكي معي في جلساتنا عن هذه التجارب بوجه محايد أحيانًا، وحزين في أحيانٍ كثيرة، يحكي من دون مواربة ولا تجميل، يقر بأخطائه دون خجل، ويلوم الأحداث والأقدار من دون خجل أيَضًا.
في المقابل، كنت أُصغي إليه، وأشعر أن هناك ثمة تماثل بين أحداث حياتنا، كلانا ذاق وقاسى آلام خسارة الحبيب، وكلانا كان الطرف الذي يقهر قلبه بيديه ويتسامح مع الآخرين.
أفقت من شرودي على صوت ستيوارت وهو يشق حاجز الصمت، وقد وقف محتضنًا صدره بذراعيه، وقال (فليضم كل منكم جاره ..)، ثم أردف، (احضنوا بعضكم بقوة!.)
نظرت إلى هاشم، ولم يتحرك. بقي واقفًا أمامي، ساكنًا، كأن الكلمات التي قالها ستيوارت لم تكن موجهة إليه. كان بيننا أقل من خطوة، لكنها بدت لي في تلك اللحظة مسافة عمر كامل. انتظرت أن يبادر، أو أن يقول شيئًا، أو حتى أن يبتسم، لكنه ظل ينظر إليّ في صمت. أدركت فجأة أنني إن انتظرت أكثر فسوف تنتهي اللحظة، وسيعود كل منا إلى مكانه، وتعود المسافة بيننا كما كانت، وربما أبعد وأبعد. لم أعرف إن كان ما سأفعله شجاعة أم تهورًا، لكنني عرفت شيئًا واحدًا: أنني لا أريد لهذه اللحظة أن تمر دون أن أجعل منها بداية لتاريخنا معًا.
شعرت بالارتباك لوهلة لا أعرف مداها، أظنها بمقدار طرفة عين أو أقل، لكنها بدت طويلة، ففي مثل هذه المواقف تتعطل ساعة الزمن التي نعرف، تتحول إلى قطعة ديكور تنتمي إلى زمن غير الزمن، وعالم غير العالم، بل يصبح الوقت نفسه بلا معنى ولا وجود، لا ساعة رقمية تسعفك بمعرفة الوقت، ولا حتى مزولة شمسية. تعطل الزمن!
لم يكن الزمن هو الذي توقف وحده؛ توقفت معه كل الحسابات التي اعتدت أن أعيش بها. لم أفكر في الغد، ولا في البيت، ولا في إيلي، ولا في ساندرا، ولا في نظرات الآخرين. لم أفكر حتى في نفسي كما أعرفها. كان هناك شيء واحد فقط يملأ اللحظة: هاشم أمامي، وأنا أعرف أن ما سيحدث في الثواني التالية قد يبقى معي سنوات طويلة، وربما إلى آخر العمر.
كنت قد درست فيما درست خلال المرحلة الثانوية أفكار زينون عن الوجود والصيرورة وثبات الزمن، وشروح أرسطو عن ارتباط حركة الزمن بإدراكنا للتغير، فالذين ناموا دون وعي منهم بمرور الوقت، سوف يظنون حين يستيقظون أن لحظة استيقاظهم هي نفس لحظة نومهم، وكان القديس أوجسطين يرى أن الماضي لم يعد موجودًا، والمستقبل لم يوجد بعد، والحاضر لحظة عابرة بلا امتداد، ومن ثم فإن الزمن الحقيقي لا وجود له إلا عند الإحساس بالتغير.
كنت أتناول كل هذه الأفكار وغيرها كطلاسم لا أفهم معناها، ولا إلى ماذا تشير، وكثيرًا ما تذمرت وتساءلت بيني وبين نفسي، لمَ كل هذا العناء؟ أهذه هي الفلسفة التي يتحدثون عنها؟ أشخاص غرباء يتحدثون لغة غريبة، فجعلوا منها مادة دراسية نتناقش ونتجادل حول أفكارها.
بلغ بي كُره هذه السفسطة (كما أطلقت عليها أنا) مبلغًا عظيمًا، تحول معها ساعاتها الدراسية وامتحاناتها إلى أوقات بغيضة أكرهها، وأقارنها بغيرها من أوقات دراسة الآداب الإنجليزية والفرنسية، فإذا بي أقارن بين نار وجنة.
لكنني – وبكل إرادتي - أجد نفسي يا دفتري العزيز أُقر أن هذه الأفكار جميعها مرت على ذهني كلمح البصر أو هو أقصر، حينما انطلقتُ كسهم - غادر قوسه وصار من المحال إيقافه أو تغيير اتجاهه- نحو هاشم، تلك لحظة لن أنساها طوال عمري، ولن ألتمس لنفسي أي عذر حين وجدتني أُمسك بزمام المبادرة وارتمي في حضنه من دون تفكير في بروتوكول أو عواقب، هذه لحظة لا تتكرر في الزمان، فإما أن أقتنصها وأحيا بها ما حييت من عمري، وإما أُهدرها لتصبح خنجرًا يخترق خاصرتي ويحني ظهري بقية حياتي.
كان من الممكن أن تتماسك كفوفنا ونقف على مقربة من بعضنا البعض كما فعل بعض الحضور، ممن وجدوا أنفسهم وجهًا لوجه، ولا يوجد بينهم من العواطف ما يسمح بالإقدام على هذه الخطوة، أو أن نقترب أكثر مع مراعاة ألا يتماس جسدينا، وكنت أعرف أيضًا أن هاشمًا بتركيبته النفسية والفكرية وسابق تجاربه لن يُقدم على هذه الخطوة، وسوف يؤثر أن يحترق داخليًا كشمعة، على أن يتوهج داخليًا وخارجيًا بنور الحب.
لذلك لم يعد السؤال عندي: هل سيبادر هاشم؟ كنت أعرف أنه لن يفعل. صار السؤال: هل أملك أنا شجاعة أن أفعل؟ رأيته أمامي بكل هدوئه الذي أعرفه، بكل ما يخفيه خلف صمته، وفهمت أنني لو تركت القرار له فسوف ينتصر خوفه على رغبته، كما انتصر من قبل في تجاربه كلها. لأول مرة شعرت أنني لا أريد أن أترك له وحده مسؤولية إنقاذ اللحظة؛ ربما كان عليّ أن أنقذها أنا.
كنت مسكونة بالرغبة والاشتهاء والحب، فأغرقت نفسي في شلالات عطره الشرقي وعرق صنعته إنزيمات تشكلت طوال سنين ضوئية، تركت لجسمي العنان فاقترب أكثر وأكثر، ثم انضغط فيه، فجأة تلاشى كذرات نور في رحاب فضاءاته، وما عاد بإمكاني أن أجمعها مرة ثانية.
لم أعد أعرف أين انتهى جسدي وبدأ جسده. لم يكن العناق طويلًا، وربما لم يزد على لحظات قليلة، لكنه كان كافيًا لأن أشعر أن شيئًا ما ظل مغلقًا داخلي سنوات طويلة قد انفتح دفعة واحدة. لم أسمع صوتًا، ولم أرَ وجهًا، ولم أعرف إن كان أحد يراقبنا. كل ما شعرت به أنني وجدت أخيرًا المكان الذي ظل قلبي يبحث عنه دون أن يعرف اسمه.
أفلتُّ منه، أو أفلتني هو، لم أعد أميّز مَن ترك مَن، فقط وجدتني أعود إلى جسدي كمن يهبط من سلّم طويل، ركبتاي ترتجفان، وقلبي يخبط في صدري خبط طبّال لا يعرف الإيقاع. نظرتُ حولي خُلسة، وكأن القاعة كلها شهدت ما لم يشهده أحد، فلم أجد سوى الدكتور ستيوارت يواصل حديثه بنبرته النحاسية، غافلاً عمّا فعلته لحظة صمته بي.
عدت إلى مقعدي، ويدي ما زالت تحمل رائحته، فقربتها من أنفي خلسة كأنني أسرق ما تبقى من العطر قبل أن يتبخر. وهناك، وسط دفء لم يبرد بعد، تسللت إليّ نظرة إيلي من الصورة التي أرسلها منذ أسابيع، وهو يحمل ساندرا على كتفيه، فأحسست بيد باردة تُطفئ بعض جمر فرحتي. سألت نفسي: كيف لقلب واحد أن يتسع لكل هذا الفرح، وكل هذا الذنب، في آن؟
ففي وسط هذه الفرحة الغامرة شعرت للحظة أن إيلي يجلس في مكان ما قريب مني ويراقبني. تذكرت وجهه، وطريقته في حمل ساندرا، والسنوات التي عشناها معًا، بكل ما فيها من دفء وما فيها من فراغ. لم أشعر أنني توقفت عن حبه، وهذه هي المشكلة. لو كنت قد كرهته، أو فقدت أي صلة به، لكان الأمر أسهل. لكن القلب لا يعمل بهذه العدالة؛ يستطيع أن يحتفظ بحب قديم، ويفتح في اللحظة نفسها نافذة لحب جديد، ثم يترك صاحبه واقفًا بين الاثنين تائهًا زائغًا لا يعرف إلى أين يمضي.
رنّ في أذني صوت دكتور صبره، من غير استئذان كعادته: "الفرح يا مايا مش جريمة، بس لازم تعرفي وين بتوقفي فيه"، فابتسمت ابتسامة مرتبكة، لا أدري أهي ابتسامة امرأة عثرت أخيرًا على قلبها، أم امرأة أوشكت أن تُضيّع ما تبقى من توازنها. دوّنتُ هذا يا دفتري العزيز، لا لأنني نادمة، بل لأنني -وللمرة الأولى منذ زمن طويل- لا أعرف بأي الشعورين أُصدَّق.
-------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






