في مصر أصبحت ظاهرة عادية، أن تجلس مرة في مقهى، تمر بجوار مطعم، أو تدخل متجرًا، فترى صاحب الوجه الذي عبر أمامك ربما قطع مئات الكيلومترات هربًا من حرب لم يخترها، والمعادي واحدة من المناطق الشاهدة على وجود اللاجئين في القاهرة منذ سنين، حتى إنه تواجد مراكز مجتمعية في المنطقة تقدم خدمات للاجئين، لا توجد أرقام منشورة تحدد عدد اللاجئين في المعادي تحديدًا؟ لكن الصورة الأكبر، أكثر وضوحًا.
مصر تستضيف أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء مسجل، والسودانيون يمثلون العدد الأكبر بينهم، بعد أن دفعت الحرب منذ أبريل 2023 أعدادًا ضخمة إلى البحث عن الأمان خارج بلادهم، قبل أن نسأل: لماذا لا يعودون؟ هناك سؤال آخر يجب أن نعرف إجابته: ما الوضع القانوني لهؤلاء أصلًا؟
مصر طرف في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، كما انضمت إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية الخاصة باللاجئين، وفي ديسمبر 2024 صدر قانون لجوء الأجانب، ليضع إطارًا وطنيًا لتنظيم شؤون اللجوء وحقوق اللاجئين، مع العمل على الانتقال إلى النظام الوطني الجديد، يحمل اللاجئ أو طالب اللجوء بطاقة المفوضية، كجزء من منظومة التسجيل والتوثيق وتحديد وضع اللاجئ، لتنظيم الإقامة والوصول إلى الحماية والخدمات، هنا تبدأ الحكاية تأخذ وجهًا آخر.
فوجود هذا العدد الكبير لا يمر بلا تأثير على المجتمع المصري، هناك إيجابيات لا يمكن تجاهلها؛ فهم يسكنون ويشترون ويعملون، وبعضهم أصحاب مهن ومشروعات وخبرات يمكن أن تضيف إلى الاقتصاد، لكن في بلد يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة وضغط على المدارس والمستشفيات والخدمات، يصبح من الطبيعي أن يسأل المواطن: إلى متى تستمر الأعباء؟ ومن يتحمل تكلفتها؟
وهذا السؤال يفسر جزءًا من المطالبات بعودة اللاجئين، الأزمة متعددة الأبعاد، فاللاجئ نفسه قد يكون عاطلًا أو فقيرًا أو عاجزًا عن توفير احتياجات أسرته، لنجد أنفسنا أمام معادلة صعبة..
المصري يريد أن يعرف: إلى متى تستمر الأعباء؟
واللاجئ يريد أن يعرف: متى يصبح الطريق إلى بيته آمنًا؟
والمفوضية تؤكد أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة ومبنية على معلومات حقيقية عن مكان العودة، ولا تسهّل حاليًا العودة المنظمة إلى السودان مثلا، بسبب استمرار عدم الاستقرار، فالسوداني الذي ترك بيته بسبب الحرب، ثم وجد في القاهرة غرفة يستأجرها، وعملًا، ومدرسة لأطفاله، وجيرانًا، وربما حياة لم يكن يتخيلها، كلمة "العودة" بالنسبة له ليست نفسها التي نراها نحن على الورق.
والمعادي هنا ليست مجرد عنوان؛ إنها صورة صغيرة لقضية حدود وبيت، مدرسة ومستشفى، رزق ومستقبل، لذلك، قبل أن نسأل اللاجئ: "إمتى هترجع؟"، علينا أن نسأل أيضًا:
كيف نحمي حق من اضطر إلى الهرب، وفي الوقت نفسه نحمي موارد المصريين ومصالحهم؟
-------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






