كلما قرأت عملا جديدا للكاتبة المصرية سعاد سليمان شدتني لغتها المحملة بطاقة من الحرارة وتاريخ طويل من الاحتكاك بالطبقات الشعبية المصرية في قرى الصعيد وفي حواري المدن الكبيرة، خاصة الإسكندرية والقاهرة، والذي يمكن تلخيصه بلغة أهل الشارع كتابة حرشة أي حريفة مغمورة بتوابل وبهارات تشم رائحتها عن بعد (المعنى اللغوي لحرش: خشن). بالطبع ليس اللغة وحدها ولكن الصورة المختارة للتعبير عن الموقف داخل العمل الروائي أو القصصي الذي يحمل دلالات صارخه على صدق المعنى المراد إيصاله للقارئ، لكني رغم إدراكي لموهبتها الكبيرة كنت أقف كثيرا عند الاستعجال وأتهمها بأنها التقطت فكرة شديدة الخصوصية والذكاء وكتبتها بعفوية تزيد عن الحد حتى أنني من فرط إعجابي بروايتها "هبات ساخنة" اتهمتها بأنها كتبتها وهي تهبط فوق السلم. كنت أرى أنها أهدرت الفكرة التي أمسكت بتلابيبها والمرحلة العمرية التي نعبرها كنساء دون أن نتوقف نحن أو غيرنا من الرجال عند تحليلها أو التعبير عنها بعمق، بسرعة كتابتها كأنها تتخلص منها وهي في طريقها إلى حياة أخرى أو عمل أو الانشغال بأي شيء. عنفتها بشده وبحب حقيقي لإدراكي لموهبتها، ثم فاجأتني وأنا أقرأ حكايات منسية سيرة ناس عاشوا خارج الزمن بأن الكاتبة التي أكملت الآن الستين من عمرها في ذروة نضج الكتابة وحكمة الحياة ومعرفة البشر والاقتراب من النفس بأعلى درجات الشفافية.

نعم يا سعاد، أنت الآن في مكانك الصحيح تكتبين كتابة حرشة مثل قطعة جبن قريش غمست في المش في زلعة عتيقة نشعت مسامها كل ما زاد عن احتياج الجبن الذهبي من ماء على مهل، وتبلورت الكلمات وتخلصت مما يعلق بها من زوائد فجاءت مصقولة تحمل خبرات سنوات طويلة عاشتها شخصيات روايتك على هذه الأرض السمراء التي ينبت فيها البشر حاملين في أجسادهم طمي النيل وعرق الحضارة ووجع قسوة السلطة ومرارة الاحتلال وغنى الأحلام وشهوة الأرواح للانعتاق.
الآن أقول لك أنك أخلصت في كتابة هذه الرواية وأدركت أن المعرفة والمشاعر والذكاء في اختيار زاوية الرؤية ليس وحدة قلب الإبداع، ولكن الصبر على ما تمتلكين وإعادة تدويره مرات وسنفرته حتى يظهر جوهره هو ما جعل هذه الرواية قابلة أن تكون سيرة لناس لم يعودوا خارج الزمن لأنك أمسكت بأرواحهم وقدمتيها حيه في عمل جميل يجعلهم أحياء إلى الأبد.
صحبتنا الراوية في البداية إلى حكايات قرية الصومعة غرب مركز طحطا في مدينة سوهاج ثم إلى مدينة الإسكندرية حيث ينزح أهل الجنوب في مصر إلى أحيائها الشعبية، ومنها حوش آدم الذي تدور فيه معظم أحداث الرواية بالتناوب مع قرية الصومعة مستخدمة بناء يتعدد فيه الرواة، فالراوية الأصلية التي تخبرنا أنها ستكتب سيرة هؤلاء تستنطق الأب والأم وغيرهم ما لم تعشه من أحداث بعيدة وتنقل اراءهم الدفينة فيما مر بهم في حياتهم الخاصة التي تأثرت بالأحداث العامة لمصر بل والعالم كله، مثل دخول الفرنسيين إلى البلاد والحرب العالمية الأولى والثانية وثورة يوليو وتأثيرها على البسطاء من الناس. وقد أدى تعدد الرواة واستخدام العامية الصعيدية والإسكندرانية إلى تنوع التعبير بشكل أوضح وأصدق، اختصر الكثير من الشرح ونبض بصوت المنسيين من البشر. وقد نجحت أيضا في استنطاق ما خفي داخل الأعماق المقهورة من مقهورين آخرين فرسمت صورة بالكوميديا السوداء لفرط غرابة التناقضات التي أظهرتها الصورة الكلية، فماضي الشخصيات مختلف تماما عن الحاضر الذي لم يستبق إلا ذكريات باهتة نفوذ وسلطة اندثرت مع الأيام، وتمسكت بها الشخصيات كدرع وقاية يحميهم من زمن سبق وأن غدر بهم مثل شخصية الأب محمد يونس أو شخصية الأم روضة التي تدافع باستماتة عن الأب الذي ضربها، وحتى شخصية العم عتمان الذي يستغل أخيه ويسلبه قطع الأراضي التي ورثاها قطعة وراء أخرى بدعوى الحفاظ على الأصول في الوقت الذي يتقرب فيه من ابنته فيما يشبه زنا المحارم لولا ستر الله.
لهذه الرواية مسارات عديدة يمكن أن تصبح طبقات من المعاني والأهداف لتبلور في النهاية لوحة من الفسيفساء لتاريخ قطعة من أرض مصر بما تحمل من بشر في طبقاتها الدنيا، لكنها في ذات الوقت مصفوفة بعناية كاتبة ووعي أنثي ووجع النساء كلهن، ولم يكن من الغريب لمثل هذه البنية أن تبدأ بمشهد حلم يلخص هذه العلاقة الغريبة المخلوطة بالحب والدموع بين عالية الراوية الأصلية للرواية وأبيها الراوي الثاني للأحداث تلك العلاقة التي يطالب فيها الأب الملهوف على الولد ابنته أن تكون هذا السند حتى يرزقه الله بابن أو في مرحلة لاحقة حتى ينضج هذا الابن ويلعب دور الرجل؛ علاقة يُحملها فيها المسئولية ويعاقبها فيها على كونها فتاة تحمل في جنسها كل الخوف من الضعف والعار، لهذا حين انقذت له الولد الرضيع أثناء انهيار البيت وأكملت جلب احتياجاتهم الأساسية مما يملكونه من متاع الدنيا وحين لمست قدماها الأرض بعيدا عن البيت المنهار تاقت نفسها الرهيفة لطفلة في الثامنة لحضن يشكرها ويطمئنها تختبئ فيه ويعلو بكائها فنزعها من حضنه قائلا بصرامة الجملة الوحيدة الممكنة: إنتي راجل يا بت الكلب. فكتمت دموعها وانضمت إلى القطيع المنتظر فرج الله.
من هذا الباب دخلت المؤلفة تاريخ مصر منذ حكاية عدلي لملوم الإقطاعي الذي يحرك القرية كما يشاء إلى حرب 56 إلى هزيمة 67 والصراع العربي الصهيوني وجدلتها مع السيرة الهلالية التي يغنيها جابر أبو حسين مع تعليق الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، جاعلة منهما رحى يقع تحتها البشر في أزمنة متعددة وتمكنت ببراعة من رسم شخصيات حية نقلت لنا السلاسة التي تمر بها بين الأزمنة. في معمار بسيط يسمح بتعدد الرواة ويسمح بمساحات تنمو أو تصغر، حسب دور كل منها فوق خشبة مسرح الحياة التي تبدو مهترئة تكاد تسقط ويدهشنا صمودهم فوقها تذكرنا بعرامتها وقدرتها على منح كل منا لحسة عسل تمحو قسوة الأيام.
هنيئا لنا ولها.
***

سعاد سليمان، كاتبة مصرية، حاصلة على جائزة اتحاد كتاب مصر عن رواية «غير المباح»، وجائزة متحف الكلمة العالمية عن قصة «تشابه»، معدة ومقدمة برامج في التليفزيون المصري. نشرت عدة روايات منها آخر المحظيات هبات ساخنة شال أحمر يحمل خطيئة ومجموعة الراقص.
على غلاف الرواية كتبت هذه الجملة المعبرة عن روح الكتابة
"تلك هي الروح التي أبقتني على قيد الحياة، نعم.. أنا بنت اللين والأسى كما يقول أبي، أملك مرونة أخطبوط مجبر على تسلق الجبال، ظهري مرتع للأحمال، الأسى مكتوب على جبيني، قدر حتمي الصيرورة، أهادن الحياة حتى لو بغت، قادرة على التجاوز، أمحو أمس بكل أوجاعه، أستقبل يومي بحلم جديد، بطاقةٍ تملك لمس أهداب السماء، هذه أنا".
-------------------------------------
بقلم: هالة البدري






