قبل ثلاثة عشر عاما، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتجع أننبرغ بالولايات المتحدة إلى أن المحيط الهادئ الواسع يتسع بما يكفي للصين والولايات المتحدة باعتبارهما دولتين كبيرتين. وبعد ثلاثة عشر عاما، شهد المشهد الدولي وموازين القوة بين البلدين تغيرات عميقة، كما مرت العلاقات الصينية الأمريكية بكثير من التقلبات. واليوم، تطرح هذه العبارة سؤالا أكثر واقعية: مع تصاعد المنافسة وازدياد الخلافات تعقيدا، لماذا لا يزال المحيط الهادئ قادرا على استيعاب هاتين الدولتين الكبيرتين؟ لا تكمن الإجابة في المساحة الجغرافية ذاتها، بل في حقيقة أن المصالح المتشابكة بين الصين والولايات المتحدة لم تختف بفعل المنافسة. وكلما تعمق انخراط البلدين في الاقتصاد العالمي والحوكمة العالمية، ازداد عدد القضايا التي يتعين عليهما التعامل معها بصورة مشتركة.
وقد تأكدت صحة هذا الحكم مرارا خلال أكثر من عقد تلا ذلك. ففي لقاء بالي عام 2022، أكد الرئيس شي أن المصالح المشتركة بين الصين والولايات المتحدة "لم تتراجع، بل ازدادت". وفي لقاء سان فرانسيسكو عام 2023، امتدت مجالات المصالح المشتركة من الاقتصاد والتجارة والزراعة إلى مجالات ناشئة مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي. أما لقاء ليما عام 2024، فأضاف إليها مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون والصحة العامة والقضايا الدولية الساخنة. وفي مايو من هذا العام، اتفق رئيسا البلدين خلال محادثاتهما في بكين على اعتماد "علاقة استقرار استراتيجي بناءة" تموضعا جديدا للعلاقات الثنائية، يقوم على أن يكون التعاون هو الاتجاه الرئيسي، والمنافسة منضبطة، والخلافات قابلة للإدارة، والسلام أمرا يمكن التطلع إليه. وقد تغيرت الصياغات مع مرور الوقت، لكن المنطق ظل واضحا: لا يمكن للعلاقات الصينية الأمريكية أن تتجنب المنافسة، غير أن المنافسة لا ينبغي أن تطغى على مجمل هذه العلاقات.
ولا تزال المصالح الاقتصادية المشتركة، التي تشكلت بفعل الروابط العميقة والمتراكمة بين اقتصادي البلدين، تمثل الأساس الأوضح لهذه المصالح المشتركة. ووفقا للبيانات الرسمية الأمريكية، بلغت صادرات الولايات المتحدة من السلع إلى الصين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 65.17 مليار دولار، بينما بلغت وارداتها من الصين نحو 156.39 مليار دولار، ليصل إجمالي تجارة السلع الثنائية إلى نحو 221.56 مليار دولار. صحيح أن الخلافات بشأن الرسوم الجمركية والسياسات الصناعية زادت من حالة عدم اليقين، لكن السوقين لم تفقدا حاجة كل منهما إلى الأخرى. وأظهر استطلاع أجراه مجلس الأعمال الأمريكي الصيني هذا العام وشمل 175 شركة أمريكية أن 95 بالمئة من الشركات المستطلعة ترى أن أعمالها في الصين تؤدي دورا مهما في الحفاظ على قدرتها التنافسية العالمية، مع إعراب عدد غير قليل منها في الوقت نفسه عن مخاوف إزاء الرسوم الجمركية والقيود السوقية. ووجود المصالح والخلافات في آن واحد هو ما يمنح هذه الأرقام دلالتها الحقيقية: فالشركات لا تتجاهل المخاطر، لكنها تجد، بعد موازنتها، أن سوق الطرف الآخر لا يمكن استبدالها ببساطة.
ولا تقتصر هذه الروابط على القوائم المالية للشركات المتعددة الجنسيات. فمنذ مطلع سبتمبر، أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية تباعا عن عدة صفقات لبيع فول الصويا إلى الصين، وبلغت الكمية المؤكدة في أربع صفقات معلنة خلال الفترة من الأول إلى العاشر من سبتمبر وحدها 802 ألف طن. وقد يبدو فول الصويا بعيدا عن سياسات القوى الكبرى، لكنه يربط في الواقع بين الإنتاج في الولايات الزراعية الأمريكية، واحتياجات السوق الصينية، وشبكات الخدمات اللوجستية العابرة للمحيط الهادئ. وتكمن صعوبة فصل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة بوسائل مصطنعة تحديدا في أنها تجاوزت منذ زمن طويل نطاق التفاعل السياسي بين الحكومتين، وأصبحت جزءا من المنطق اليومي لعمل سلاسل الصناعة والأسواق.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مجالات جديدة للمصالح المشتركة تظهر باستمرار، ويعد الذكاء الاصطناعي مثالا نموذجيا على ذلك. فعندما كانت الصين والولايات المتحدة تناقشان مجالات التعاون قبل أكثر من عقد، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد بلغ المرحلة التي وصل إليها اليوم. أما الآن، فقد أصبح أمن الخوارزميات، وإساءة استخدام التكنولوجيا، وتأثيرها في سوق العمل، والحوكمة العالمية قضايا جديدة يتعين على مختلف الدول مواجهتها. وينطبق الأمر نفسه على تغير المناخ والصحة العامة ومكافحة المخدرات العابرة للحدود. فهذه المخاطر قادرة على تجاوز الحدود الوطنية، وقد ينتج عن خيار سياسي تتخذه دولة واحدة تأثير خارجي سريع على دول أخرى. ويمكن للصين والولايات المتحدة أن تتنافسا في مجالي التكنولوجيا والصناعة، لكن عزل أحدهما عن الآخر، وهما من أكبر اقتصادات العالم، لا يمكن أن يقضي على هذه المخاطر. وكلما تعمق التقدم في المجالات التكنولوجية المتقدمة، ازدادت الحاجة إلى حد أدنى من التواصل وتنسيق القواعد وإدارة المخاطر. ومن هنا تتسع حدود المصالح المشتركة مع تغير العالم.
وتظهر بعض التفاعلات الملموسة منذ بداية هذا العام أن التعاون ليس مفهوما مجردا. ففي محادثات بكين بين رئيسي الصين والولايات المتحدة في مايو، اتفق الجانبان بوضوح على توسيع التبادلات والتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والصحة والزراعة والسياحة والتبادل الإنساني والثقافي وإنفاذ القانون. وفي 17 سبتمبر، ناقش وزيرا خارجية البلدين خلال اتصال هاتفي بصورة مركزة التبادلات رفيعة المستوى، وأكدا أهمية تعزيز التواصل ودفع التعاون وإدارة الخلافات. وفي يومي 16 و17 سبتمبر، أعادت الجهات الأمريكية المعنية إلى الصين دفعتين تضمان ما مجموعه 64 قطعة ومجموعة من الآثار والأعمال الفنية والحفريات القديمة. ومنذ توقيع البلدين مذكرة تفاهم حكومية لمنع دخول الآثار الثقافية الصينية إلى الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة، أعيد إلى الصين أكثر من 700 قطعة ومجموعة من الآثار والأعمال الفنية التي كانت قد خرجت إلى الولايات المتحدة، وذلك عبر أكثر من عشرين دفعة. وقد لا تكون هذه القضايا أكثر الملفات الاستراتيجية جذبا للاهتمام، لكنها تثبت أنه متى كان الجانبان مستعدين للبحث عن نقاط التقاء في القضايا الملموسة، فإن التعاون قادر على إنتاج نتائج يمكن رؤيتها وقياسها.
أما الأكثر امتدادا من الروابط الاقتصادية، فهو التواصل والتبادل الإنساني والثقافي. ففي نوفمبر 2023، طرح الرئيس شي مبادرة لدعوة 50 ألف شاب أمريكي إلى الصين للتبادل والدراسة خلال خمس سنوات، وقد تحقق هذا الهدف بالفعل بصورة مبكرة بحلول مايو من هذا العام. وبالنسبة لدولتين تختلفان اختلافا كبيرا في النظام الاجتماعي والخلفية التاريخية والثقافية والبيئة الإعلامية، فإن التواصل المباشر يمثل في حد ذاته وسيلة لخفض كلفة سوء التقدير. فالمدن والمدارس وحياة الناس العاديين التي يراها الشباب بأعينهم تكون غالبا أكثر واقعية ووضوحا من الصور المجردة التي تتشكل عبر الشاشات. وفي نهاية المطاف، لا بد أن تنعكس العلاقات بين الدول على العلاقات بين الناس. وإذا لم يبق على ضفتي المحيط الهادئ سوى التقديرات الاستراتيجية المتبادلة، وغابت الصلات الإنسانية الحقيقية، فسيكون من الصعب حتى على أكثر الترتيبات الدبلوماسية دقة أن تجد دعما اجتماعيا مستداما.
ومن ثم، فإن القول إن "المحيط الهادئ يتسع بما يكفي" لم يكن يعني في أي وقت أن الصين والولايات المتحدة لا توجد بينهما خلافات مبدئية، كما أنه لا يعني مطالبة أي طرف بقبول طريق الطرف الآخر وخياراته. فالدولتان تختلفان في التاريخ والثقافة والنظام الاجتماعي ومرحلة التنمية، ومصالحهما لا تتطابق في كل المجالات، كما أن الخلافات لن تختفي لمجرد عقد لقاء واحد. وما يحتاج إلى التغيير حقا هو التفكير الذي يفسر كل قضية بمنطق المنافسة الصفرية. فإذا اعتبر تطور طرف ما بالضرورة خسارة للطرف الآخر، فستتحول القضايا الاقتصادية والتجارية إلى قضايا أمنية، وستدخل التكنولوجيا في منطق التكتلات، وقد تتعرض التبادلات الطبيعية هي الأخرى لضغوط الاعتبارات السياسية. أما الاعتراف بحق كل طرف في التنمية، وخوض المنافسة ضمن حدود واضحة، والتعاون في القضايا المشتركة، فيمنح العلاقات مساحة لامتصاص الصدمات وإصلاح ما قد يلحق بها من أضرار. ولا تقاس درجة نضج العلاقات بين الدول الكبرى بغياب التناقضات، بل بقدرتها على منع هذه التناقضات من تعريف العلاقة بأكملها.
وهذا أيضا ما يجعل العلاقات الصينية الأمريكية تتجاوز نطاق العلاقات الثنائية. فأي تغير في سياسات اثنين من أكبر اقتصادات العالم يمكن أن تنتقل آثاره إلى الخارج عبر سلاسل الصناعة والأسواق المالية وأسعار الطاقة وقواعد التكنولوجيا والأمن الإقليمي. وبالنسبة إلى كثير من الدول العربية والأفريقية، وإلى الدول النامية على نطاق أوسع، فإن ما تحتاج إليه حقا ليس أن تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بل إلى بيئة دولية تتسم بدرجة معقولة من الاستقرار والانفتاح، وتتيح استمرار التجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي. فعندما تستمر المنافسة بين القوى الكبرى في نقل تكاليفها إلى أطراف ثالثة، تضيق مساحة التنمية أمام هذه الدول؛ أما عندما تستطيع القوى الكبرى الحفاظ على قدر من التنسيق في القضايا المشتركة، فإن آثار الاستقرار الناتجة عن ذلك تتجاوز بدورها المحيط الهادئ، وتعود بالنفع على المجتمع الدولي بصورة أوسع.
واليوم، فإن إعادة فهم عبارة "المحيط الهادئ يتسع بما يكفي" تتجاوز في قيمتها مجرد استعارة عن المساحة الجغرافية. فقبل ثلاثة عشر عاما، كان السؤال هو ما إذا كان بإمكان دولتين كبيرتين أن تتعايشا سلميا على ضفتي المحيط نفسه؛ أما اليوم، فالسؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كان الجانبان قادرين، في ظل استمرار المنافسة على المدى الطويل، على إيجاد نمط للتعايش لا يقوم على محاولة أحدهما التغلب على الآخر. فالتبادلات الاقتصادية والتجارية لم تختف، والتكنولوجيات الجديدة أوجدت تحديات مشتركة جديدة، وعشرات الآلاف من الشباب ما زالوا يعبرون المحيط الهادئ، كما أن عددا متزايدا من القضايا العالمية لم يعد من الممكن التعامل معه من دون مشاركة مشتركة من القوتين الكبيرتين. وتوضح هذه الحقائق أن ما ينقص العلاقات الصينية الأمريكية حقا ليس مجالات التعاون، بل القدرة على تحويل المصالح المشتركة بصورة مستمرة إلى أعمال تعاونية ملموسة. فالمحيط الهادئ يتسع بما يكفي، والمصالح المشتركة بين الصين والولايات المتحدة واسعة بالقدر نفسه. وما إذا كان الجانبان قادرين على جعل هذه المصالح المشتركة نقطة ارتكاز لاستقرار العلاقة، لن يحدد فقط المسار المقبل للعلاقات الصينية الأمريكية، بل سيؤثر أيضا في قدرة العالم على الحصول على مساحة أكبر من السلام والتنمية القابلين للتوقع.
…………………………….
بقلم / نور يانغ إعلامي صيني






