في خطوة ثقافية بارزة لاستعادة ملامح مطوية من الذاكرة الأدبية والوطنية المصرية خلال القرن العشرين، تم مؤخرًا طباعة "ديوان الحكمة" للشاعر والتربوي الراحل عبد العزيز مصلوح بمطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب وذلك بعد عقود طويلة على اندثار أصل مخطوطاته وتفرّق نتاجه الشعري في أطواء الصحف الإقليمية والمجلات القديمة.
وقد اضطلع بجمع المادة الشعرية وتحقيقها والتقديم لها نجله الأكاديمي واللغوي الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح؛ ليزيح الستار عن تجربة أدبية ونضالية فريدة عاشها الشاعر في صعيد مصر، وموثقًا لمحطات مفصلية شهدت التحام الكلمة بالموقف الوطني.
ويستعرض الديوان، عبر مقدمته التحقيقية الموسعة، السيرة النضالية للشاعر عبد العزيز مصلوح (المولود عام 1900م بقرية منسفيس بمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا)، إذ كان من طليعة رجال الحركة الوطنية في ثورة 1919 تحت مظلة حزب الوفد، ومؤسسًا لجمعية "أنصار الحق" التي ذادت عن حقوق الفلاحين وسطوة المستعمر. ولم تتوقف مقاومته عند الخطاب السياسي، بل امتدت للفعل الميداني الذي أدى لملاحقته وصدرت بحقه أحكام غيابية بالسجن لقطعه خطوط السكك الحديدية أمام قطارات الاحتلال الإنجليزي.
وحمل الشاعر مشعل التنوير عبر الصحافة الإقليمية والوطنية؛ فكان كاتبًا وشاعرًا بارزًا في صحيفة "الإنذار" بالمنيا، إلى جانب منشورات أخرى مثل "كوكب الوادي" و"الكفاح الجديد"، مسخرًا قلمه لنقد الفساد ومناصرة البسطاء.
عبقرية العصامية وترجمة عيون الشعر العالمي
وتظهر القيمة الاستثنائية لصاحب "ديوان الحكمة" في عصاميته الثقافية الباهرة؛ فعلى الرغم من عدم التحاقه بمؤسسات تعليمية نظامية، إلا أنه امتلك بياناً عربيًا قرآنيًا وفصاحة لغوية عالية، ولم يكتفِ بنظم الشعر العربي بل انكبّ على إتقان الإنجليزية والفرنسية، ليترجم لعمالقة الأدب العالمي أمثال: شيكسبير، وبيرون، وتينيسون، ووالتر سكوت، وفيكتور هوجو، ولا فونتين. وقد جُمعت قطافٌ من تلك الترجمات والقصائد الخالدة لتضمها صفحات هذا الإصدار التوثيقي.
جهد استثنائي لاستعادة الذاكرة الثقافية
وتأتي طباعة هذا العمل بمطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب تتويجًا لجهود بحثية وتوثيقية مضنية استمرت سنوات، أُستطيع خلالها إنقاذ المخطوطات وتجميع وتصوير القصائد والمقالات المنشورة في الدوريات القديمة، وذلك بالتعاون مع عدد من الكوادر والباحثين الأكاديميين، من بينهم الدكتور محمد جلال الغندور والدكتور عباس يوسف الحداد.
يُشكل "ديوان الحكمة" إضافة نوعية للمكتبة العربية، وإعادة اعتبار لرمز من رموز الكلمة الحرة والفكر التنويري في أقاليم مصر، مستعيدًا بين دفتيه القيم الإنسانية والحكمة والنضال التي شكلت جوهر تجربة الشاعر الراحل.







