ثمة تحوّلٌ هادئ يُعيد تشكيل علاقتنا بما نحب ونختار ونراه جديرًا بالإعجاب. فالذَّائقة التي كانت تَتكوَّن عبر الأسرة والتَّعليم والبيئة الثَّقافية والتَّجربة الشَّخصية، دخلت اليوم فضاء رقميًا تَتزاحَم فيه الصُّور والرَّسائل والوجوه والاتجاهات. وفي هذا التَّدفق تَتسلَّل معايير جديدة إلى الوعي، فتُؤثِّر في الأذواق والرَّغبات والتَّصوُّرات قبل أن يشعر المتلقي بحجم ما يحدث. وهنا تكمن المعضلة: فالشَّاشة أصبحت وسيطًا يوميًا بين الإنسان ووعيه، وصار الانتباه ميدانًا مفتوحًا للتَّوجيه. والسُّؤال الجوهري هو: أين تنتهي جاذبية المحتوى، وأين تبدأ مسؤولية الاختيار؟
الألفة الرَّقمية وصناعة سلطة التَّأثير
تبدأ قوة المؤثر من القرب؛ فهو يدخل حياة المتابع عبر هاتفه، يُحدِّثه بلغته، ويُشارِكه تفاصيل يومه وتجربته، حتى تَتكوَّن ألفة نفسية تمنح كلماته أثرًا يَتجاوَز الإعلان التَّقليدي. وقد أَظهَرَت دراسات في التَّسويق الرَّقمي أن مصداقية المؤثر والإحساس بالتَّشابه معه يُعزِّزان الثِّقة، وأن العلاقة شبه الاجتماعية معه تَرتبِط بزيادة قابلية التَّأثر بتوصياته الشِّرائية (Lou & Yuan, 2019; Sokolova & Kefi, 2020).
ومن هذه الألفة يَتكوَّن ما يمكن تسميته «رأس المال الرَّمزي الرَّقمي»؛ رصيد من الحضور والثِّقة والقدرة على تحريك الانتباه، قد يَتَّسِع حتى يمنح صاحبه نفوذًا يَتجاوَز مجال خبرته. ويبدأ الخلل عندما تَتحوَّل الشَّعبية إلى بديل عن الكفاءة، والمشاهدة إلى قرينة على القيمة، فيَختلِط معيار الانتشار بمعيار الاستحقاق.
ثم يَمتدُّ التَّأثير من التَّوصية بمنتج إلى تقديم صورة ضمنية للحياة النَّاجحة؛ فالبيت، والملابس، والسَّفر، وطريقة الحديث، والعلاقات، وأنماط الاستهلاك، قد تَتحوَّل إلى علامات للجمال والنَّجاح والقبول الاجتماعي. وهنا لا تُباع السِّلعة وحدها، بل تُعرَض معها رؤية للحياة ومعيار للرِّضا.
وقد كَشَفَت دراسة مصرية منشورة في المجلة العلمية لبحوث الإذاعة والتلفزيون، وأُجرِيَت على 275 شابًا من جيلZ، ارتباط متابعة صفحات المشاهير لدى نسبة معتبرة من العينة بالتَّفكير في تغيير الحياة وبدرجات من عدم الرِّضا عن الواقع المعيشي والمادي، إلى جانب أثر في بعض الاختيارات الاستهلاكية (شبايك، 2024).
ويُعيد الميزان الشَّرعي ترتيب الصُّورة من أصلها؛ ففي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.» (مسلم، رقم 2564). كما يُوجِّه القرآن النَّظر بعيدًا عن الاستغراق في المقارنة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 131). ففي البيئة الرَّقمية قد يقارن المتابع حياته الكاملة بلقطة منتقاة، وواقعه المركب بصورة مصقولة، فيَنشأ اضطراب بين حقيقة الحياة والصُّورة المعروضة لها.
الشُّهرة ومنظومة صناعة الانتباه
تَزداد حساسية التَّأثير عندما ينتقل المؤثر من الذَّوق والاستهلاك إلى الخبر والمعرفة؛ فالمعلومة قد تَستمدُّ قُوَّتها من شُهرة قائلها أكثر مما تستمدُّها من دليلها. وفي تقرير عالمي لليونسكو شمل 500 صانع محتوى في 45 دولة، أَفاد 62% من المشاركين بأنهم لا يُمارِسون تحققًا منهجيًا صارمًا قبل مشاركة المعلومات، بينما اعتَمَد 42% منهم على مؤشرات الشَّعبية، كالإعجابات والمشاهدات، في تقدير مصداقية بعض المصادر (UNESCO, 2024).
وهنا تَظهَر خطورة أن يَستعير الرَّواج هيئة الحقيقة، وأن يَتحوَّل التَّكرار إلى بديل عن البرهان. ولذلك يأتي أصل التَّثبت القرآني شديد الصِّلة بالعصر الرَّقمي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6). فالمعيار ليس عدد من تداول المعلومة، بل مقدار صدقها وثبوتها.
غير أن المؤثر نفسه يعمل داخل منظومة أوسع تتشابك فيها المنصَّة والخوارزميَّة والمعلن والجمهور وثقافة السُّرعة. فكل إعجاب وتعليق ومشاركة يمنح المحتوى وزنًا إضافيًا، وما يمنحه الجمهور انتباهه يُطيل عمره ويُوسِّع حضوره. وهكذا يُصبح الجمهور شريكًا في صناعة المشهد، كما تُصبِح الخوارزميات وسيطًا قويًا في ترتيب ما نراه وما يتكرَّر أمامنا.
ومن منظور مقاصدي، تَتَّصِل هذه القضية بحفظ العقل من التَّضليل، وحفظ المال من الاستهلاك المُستدرَج، وصيانة الكرامة من الاستلاب. كما تَستدعي الفصل بوضوح بين سلطة الانتشار وسلطة الاختصاص؛ فالأولى تمنح الوصول، أما الثَّانية فتُعطي المعرفة وزنها وحجيتها.
أخلاق التَّأثير ومسؤولية الاختيار
التَّأثير طاقة، وتُحدِّد قيمته الوجهة التي يَسلُكها والأثر الذي يتركه. وقد وَضَع الشَّرع أصلًا جامعًا لهذه المسؤولية في قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (مسلم، رقم 2674). فكلما اتَّسَعَت دائرة الوصول، اتَّسَعَت معها دائرة الأمانة.
ومن هنا تَبرُز الحاجة إلى الانتقال من «اقتصاد الانتباه» إلى «أخلاق التَّأثير». فالمؤثر المسؤول يُبيِّن الإعلان، ويَتثبَّت من المعلومة، ويَحترِم أهل الاختصاص، ويزن أثر ما ينشره في القيم والمال والصِّحة والسُّلوك. كما أن التَّرويج المُستتِر والخداع يُناقِضان أصل الصِّدق الذي يُؤكِّده الحديث النَّبوي: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (مسلم، رقم 102).
وفي المقابل، يمتلك التَّأثير الرَّقمي إمكانات واسعة للخير؛ فهو قادر على نشر العلم، ودعم المبادرات الإنسانية، وتعزيز السُّلوك النَّافع، وتقريب المعرفة إلى جمهور واسع. ولذلك لا يُقاس نجاح المؤثر بعدد المشاهدات وحده، بل بنوعية الأثر الذي يبقى بعد انقضائها.
كما أن المسؤولية لا تقع على المؤثر وحده؛ فالمتلقي مسؤول عن اختياره، والمنصة عن بيئة التَّرويج، والمؤسسات التَّعليمية والإعلامية عن بناء الوعي، وأصحاب العلم والفكر عن تقديم المعرفة بلغة تصل إلى النَّاس. فالقيمة تحتاج إلى جمال يحملها، والفكرة العميقة تحتاج إلى خطاب يُحسِن مخاطبة العصر دون أن يفقد جوهرها.
بناء الذَّائقة واستعادة الاختيار
في مواجهة هذا التَّدفق يحتاج المتلقي إلى ما يمكن تسميته «مصفاة الذَّائقة الواعية»؛ منظومة من المعايير تجعله يسأل: من المتكلم؟ وما مجال خبرته؟ وما الدَّليل الذي يسند قوله؟ وهل تقف وراء الرِّسالة مصلحة تجارية؟ وما أثر هذا المحتوى في عقلي وخلقي وسلوكي؟
وهذا المعنى يَنسجِم مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). فمسؤولية الإنسان تَمتدُّ إلى ما يستقبله، وكيف يفهمه، وما يبني عليه من موقف.
ويبدأ بناء هذه المصفاة من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، عبر تعليم فحص المصادر، وفهم أساليب الإقناع، والتَّمييز بين الخبر والرَّأي والإعلان، وإدارة الانتباه، ومقاومة المقارنة الرَّقمية. فالحماية الحقيقية تَنشأ عندما يَتحوَّل الوعي إلى عادة، والمعيار إلى جزء من الشَّخصية، فلا يبقى الإنسان أسيرًا لما يَتكرَّر أمامه.
واستعادة الاختيار لا تعني الانسحاب من العالم الرَّقمي، بل دخوله بوعي ومعيار. فالمؤثر صوت بين أصوات، و«التِّرند» موجة متغيرة، والشَّاشة أداة تُحدِّد قيمتها طريقة استعمالها.
وهنا يعود السُّؤال الذي يختصر القضية كلها: من يملك مفتاح اختياراتنا؟
في زمن تَتنافَس فيه آلاف الأصوات على ثوان من الانتباه، تُصبِح المحافظة على هذا المفتاح مسؤولية أخلاقية وشرعية وحضارية. فالذَّائقة مرآة لما يقدره الإنسان، وما يراه جديرًا بالإعجاب والاتباع، وحُسن الاختيار يحفظ العقل، ويُرشِد الرَّغبة، ويجعل التِّقنية أداة للمعرفة والبناء. وعندها يَرتقي الوعي إلى منزلة من أرقى صور الحرية، ويغدو حسن الاختيار أول شروط السِّيادة على الذات.
----------------------------
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية، ورئيس منبر أعلام الأمة (UST).






