22 - 09 - 2026

سبعة عقود من السؤال الخطأ: حديث عن سؤال «اليوم التالي»

سبعة عقود من السؤال الخطأ: حديث عن سؤال «اليوم التالي»

لماذا الآن؟، هذا هو السؤال الذي لفت نظري وأنا أتابع ما يسمى ب «المؤتمر الوطني الأول» في لاهاي. ولا أقصد به الدخول في جدل حول وطنية المؤتمرين أو مكونات المؤتمر السياسية، ولا حول التمثيل الذي يتحدث باسمه المشاركون، ولا في تفاصيل التحفظات والاختلافات التي أحاطت به. هذه كلها قضايا يمكن مناقشتها، لكن ما يعنيني أكثر هو الفرضية التي انطلق منها المؤتمر نفسه.

فالمؤتمر لا يسأل فقط: ماذا نريد لمصر؟ بل ينطلق من تصور أوسع: أن سبعة عقود من تاريخ مصر قامت على السؤال الخطأ، وأننا أمام لحظة أصبح فيها السؤال الصحيح هو سؤال «اليوم التالي» لسقوط النظام.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة. 

التفكير في المستقبل، والاستعداد لكل الاحتمالات، عمل سياسي مشروع وضروري. لكن هناك فارق بين أن تستعد لاحتمال، وبين أن تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره قريبًا ووشيكًا إلى الحد الذي يجعل «اليوم التالي» موضوع مؤتمر وطني كامل.

المؤتمرون يتحدثون ـ بثقة زائدة وربما غير مبررة ـ عن اللحظة «المرتقبة والوشيكة لسقوط هذا النظام»، وعن إعداد ما يوضع على طاولة الكفاءات الوطنية التي ستتولى الحكم بعد سقوطه.

السؤال البديهي الذي لم يطرحوه على أنفسهم هو ما الذي يجعلهم يعتقدون أن هذه اللحظة وشيكة إلى هذا الحد؟ 

ما التحول الذي طرأ على بنية النظام أو تماسكه أو قدرته على الاستمرار، وما المؤشرات التي تجعل الانتقال من الحديث عن أزمة ممتدة لسبعة عقود إلى وضع خطط «اليوم التالي» انتقالًا له أساس تحليلي واضح؟

هذه ليست مسألة شكلية. 

فبين وجود أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وبين اقتراب لحظة انهيار نظام سياسي، مسافة كبيرة لا يختصرها الغضب الشعبي أو صعوبة الأوضاع أو الرغبة في التغيير. يحتاج الانتقال من الأولى إلى الثانية إلى قراءة في موازين القوى، وفي قدرة النظام على إدارة أزماته، وفي تماسك مؤسساته ومراكز القوة داخله، وفي وجود قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تحويل لحظة الأزمة إلى انتقال سياسي. 

أن تُبنى صورة «اليوم التالي» قبل تقديم تفسير مقنع لـ«لماذا الآن؟»، فذلك يقلب ترتيب الأسئلة بدل أن يجيب عنها.

ومن هنا تأتي دلالة عنوان المؤتمر وفكرته الأوسع: «سبعة عقود من السؤال الخطأ» 

المسألة لم تعد فقط في تقدير موعد التغيير، وإنما في الطريقة التي يُقرأ بها التاريخ الذي أوصل مصر إلى هذه اللحظة. إذ إن جمع عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي في مسار واحد، باعتبارهم أربعة أسماء لعقيدة واحدة، كما ذهب أحد المشاركين والمتحدثين إعلاميًا باسم إحدى الجهات المنظمة، ليس مجرد توصيف للتاريخ، وإنما مقدمة ضرورية لفهم طبيعة النظام الذي يُقال إنه يقترب من نهايته.

وهنا يصبح النقاش أعمق من سؤال «اليوم التالي»: هل كانت العقود السبعة الماضية حقًا زمنًا سياسيًا واحدًا لم يتغير فيه شيء جوهري سوى أسماء الرؤساء، أم أن بينها تحولات وقطائع في طبيعة السلطة، وعلاقاتها بالمؤسسات والمجتمع، وفي مصادر شرعيتها وطريقة ممارستها؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفًا تاريخيًا؛ إنها جزء من الإجابة عن سؤال المستقبل نفسه.

عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي لا يمثلون، تاريخيًا وسياسيًا، المرحلة ذاتها من تجربة يوليو، حتى لو أمكن العثور على عناصر استمرارية بين أنظمة الحكم المتعاقبة. هناك فرق بين نظام الثورة في سنواته الأولى، وبين الدولة التي أعاد السادات تشكيلها بعد 1970، وبين نظام مبارك الذي استقر على مدى ثلاثة عقود، وبين الصيغة التي نشأت بعد 2013. والقول بالاستمرارية لا يلغي التغير، كما أن اكتشاف التغير لا يعني إنكار عناصر الاستمرار. 

أما اختزال المسار كله في «سبعة عقود من الحكم العسكري» فيجعل التاريخ أكثر بساطة مما كان عليه، وقد يؤدي إلى قراءة الحاضر من خلال تعريف مسبق له بدل أن يكون التعريف نتيجة لتحليل الحاضر.

وهذا مهم لأن أي تصور للمستقبل يتأسس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على تصورنا للماضي. فإذا اعتبرنا أن المشكلة كانت دائمًا نظامًا واحدًا ثابتًا، يصبح الحل المنطقي هو إسقاط النظام وبناء نظام آخر مكانه. 

أما إذا كانت التجربة قد مرت بتحولات عميقة، فإن المطلوب لا يكون مجرد تغيير رأس السلطة أو استبدال مجموعة بأخرى، وإنما فهم البنية التي أعادت إنتاج السلطة في صور مختلفة، ومعرفة ما الذي ينبغي تغييره فيها حتى لا تعيد إنتاج نفسها.

وهنا تحديدًا يصبح الحديث عن «اليوم التالي» أكثر جدية: ليس باعتباره لحظة احتفال بانتهاء عهد، وإنما باعتباره اختبارًا لما إذا كان الذين يفكرون في المستقبل قد فهموا أصل المشكلة التي يريدون تجاوزها. فالدولة لا تبدأ من الصفر بعد سقوط نظام، والمجتمع لا يتحول فجأة إلى كتلة سياسية متجانسة، ومؤسسات الدولة لا تختفي باختفاء رأس السلطة. 

وما بين انتهاء صيغة من صيغ الحكم وقيام صيغة جديدة توجد منطقة كاملة من الصراع والتفاوض وإعادة ترتيب المؤسسات والقوى والمصالح.

ومن ثم فإن قيمة أي تصور لليوم التالي لا تُقاس بعدد الأوراق التي أُعدت ولا باتساع الموضوعات التي تناولتها، وإنما بقدرته على الإجابة عن هذه المنطقة الانتقالية: كيف تتحول الرغبة في التغيير إلى عملية سياسية؟ وكيف تُدار الدولة خلال الانتقال؟ ومن يملك القدرة التنظيمية والاجتماعية على حمل المشروع؟ وكيف تتحول الأفكار التي يصوغها الخبراء إلى قوة سياسية لها وجود حقيقي داخل المجتمع؟

وهنا نصل إلى المسألة التي لا يستطيع أي مؤتمر أن يتجاوزها عن الفارق بين أن تمتلك تصورًا لمصر، وأن تمتلك القوة السياسية والاجتماعية اللازمة لتحقيق هذا التصور

المعارضة تستطيع أن تنتج أفضل البرامج، والخبراء يستطيعون أن يقدموا أكثر الخطط إحكامًا، لكن الدولة لا تُدار بالأوراق وحدها، والتغيير السياسي لا يحدث بمجرد أن يصبح لدى مجموعة ما تصور واضح لما ينبغي أن يأتي بعده.

وهذا هو السبب في أن السؤال عن المستقبل لا يمكن فصله عن السؤال عن المجتمع نفسه: أين القوى التي ستمنح هذا المستقبل أساسه الاجتماعي والسياسي؟ وكيف تُبنى الشرعية السياسية لأي صيغة جديدة، لا باعتبارها شرعية يعلنها أصحاب المشروع لأنفسهم، وإنما باعتبارها شرعية تنشأ من علاقة حقيقية بالمجتمع ومن قدرة على تمثيل مصالحه والتعبير عنها؟

هنا فقط يصبح «اليوم التالي» سؤالًا سياسيًا حقيقيًا، لا مجرد عنوان جذاب لمؤتمر. لأن مصر التي ستأتي بعد أي تحول كبير لن تكون فراغًا ينتظر من يملؤه، وإنما مجتمعًا ودولة ومؤسسات وقوى ومصالح وتاريخًا طويلًا من التجارب. ومن يريد أن يخطط لذلك اليوم يحتاج أولًا إلى أن يقرأ كل هذه العناصر كما هي، لا كما يرغب في أن تكون.

المسألة إذن ليست في أن نفكر اليوم التالي في مصر؛ فهذا أمر لا غنى عنه لأي قوة سياسية جادة. لكن التفكير في اليوم التالي لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن فهم اليوم الراهن، ولا أن يتحول اليقين السياسي إلى يقين تاريخي، ولا أن يحل الإعلان عن قرب التغيير محل تفسير الشروط التي يمكن أن تصنعه. 

قبل أي اختلاف حول شكل مصر في اليوم التالي، على القوى الوطنية أن تعرف بأي صورة يمكن أن يصل ذلك اليوم أصلًا، ومن هم الذين سيكونون قادرين على تحويله من لحظة فراغ إلى لحظة تأسيس، لا أن يتولّى الواهمون في لاهاي رسم ملامحه من الخارج.
------------------------------------
بقلم: 
محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

سبعة عقود من السؤال الخطأ: حديث عن سؤال «اليوم التالي»