18 - 09 - 2026

ملامح | تطوير الإعلام لا يكون بتاريخ الميلاد

ملامح | تطوير الإعلام لا يكون بتاريخ الميلاد

يبدو أن القائمين على الإعلام المصري يفهمون رسائل الرئيس السيسي بالخطأ.

الرئيس السيسي طالب بإصلاح الإعلام، وحرية الرأي والتعبير بفتح نافذة للرأي الآخر، والنهوض بالإعلام المصري ليستعيد ريادته المفقودة، ولم يطلب قطع أرزاق الإعلاميين الذين يعيشون أوضاعا يندى لها الجبين، لإصلاح الإعلام.

وتطوير الإعلام المصري لا يكون بقطع أرزاق الإعلاميين لتجاوزهم سن الستين، فهم ليسوا "خيل الحكومة"، وليسوا موظفين في ديوان عام المحافظة الذي يقوم بمد الخدمة لمن تجاوز سن التقاعد للاستفادة من خبراته، وكذلك الوزارات.

الإعلامي سواء كان صحفياً يكتب أو يقدم برنامجاً أو يعده، أو "تليفزيونيا" بمعنى يعمل في مجال التليفزيون فقط، أو إذاعيا، ليس بموظف. هذه موهبة من الله كالشاعر والأديب كما قالها لي الأستاذ الكبير مصطفى أمين وأنا في مقتبل عمري المهني، والمزيد من القراءة والكتابة تمنح الخبرة التي تأتي من تراكمات سنوات العمل.

ومنح الشباب فرصة ـ وفقاً لدعوة الرئيس السيسي ـ لا يعني القضاء على الخبرات التي من المفترض أن تنقل خبراتها لصغار المهنة، ولا يعني تولي الشباب قيادة الإعلام إقصاء كبار السن. فمثلاً عندما تولى الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين رئاسة تحرير مجلة "صباح الخير" في عام 1957، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وكان أصغر رئيس تحرير في مصر، لم يعن ذلك الإطاحة بمن تجاوز الستين عاماً.

ثم إن مشكلة الإعلام المصري (المقروء، والمسموع والمرئي) ليست في السن، بل فيمن يقوده. هناك فرق بين الإعلان، والدراما، والسينما، والتسويق الرياضي، والإعلام. فليس من المعقول أن يكون مجلس إدارة الإعلام المحتكر للمنظومة يتكون من فئات لا علاقة لها بالإعلام من قريب أو بعيد.

وإذا كانت المشكلة في السن، فما الذي قدمه شباب الإعلام للمهنة والريادة الإعلامية المصرية؟

قنوات لا تحظى بالمشاهدة إذا ما قورنت بأضعف نظيراتها العربية غير المعروفة، وبرامج مكررة على كافة القنوات، ولا توجد شخصية لكل قناة، ولا تنفرد أي قناة ببرنامج أو نشرة إخبارية عن الأخرى. فضلاً عن قنوات ربما لا يعرفها غير من يعمل بها.

وإذا قارنّا حجم الإنفاق على قنوات الأخبار التابعة للمتحدة مع ما يقدم على قناة النيل للأخبار فقيرة الإمكانيات لوجدنا أن الأخيرة أكثر مشاهدة فهي تتمتع بنضج مهني. نتيجة لتراكم الخبرات، واختلاط الأجيال وتعاقبها.

ولا يفوتنا أيضاً أن القنوات العربية التي أصبحت رائدة قد أسسها مصريون، ولا يزال أغلبهم يعمل بها رغم تجاوزهم سن الستين حفاظًا على خبراتهم. كما أن غرف أخبار القنوات الناطقة بالعربية تضم مصريين يمثلون زهاء 60% من قوامها الأساسي، إن لم يكن أكثر.

ما دفعني لكتابة تلك الكلمات أننا فوجئنا في سابقة حديثة بقرار استغناء عن خدمات 325 ممن يعملون بقنوات ومواقع ومطبوعات الشركة المتحدة للخدمات للإعلامية لتجاوزهم سن الستين، كدفعة أولى، بينهم صحفيون وإعلاميون يتمتعون بخبرات لا يمتلكها الجالسون على مقاعد القيادة.

يأتي ذلك في الوقت الذي يحتفي فيه فريق " طرابزون سبور" التركي باللاعب المصري محمد صلاح البالغ من العمر 34 عاماً وتم التعاقد معه لموسمين، وهو ذات الوقت الذي يقترب فيه لاعب فريق النصر السعودي البرتغالي "كريستيانو رونالدو" ابن الـ 41 عاماً، من تسجيل هدفه رقم ألف بعد بلوغه 978 هدفاً.

في التسويق الرياضي يتم الاستعانة باللاعبين كبار السن لنقل خبراتهم للاعبين الشبان، والاستثمار بأسمائهم للدعاية لجذب الإعلانات، وذلك يعد أحد أنجح الاستراتيجيات في التسويق الرياضي وبناء هوية الأندية الحديثة، وركيزة أساسية تعتمدت عليها الأندية العريقة (القديمة) منذ عقود طويلة لبناء شخصيتها الكروية والحفاظ على استقرارها الفني. حيث يقوم أمثال صلاح ورونالدو، وميسي وغيرهم كُثر بنقل خبراتهم من حيث المهارة والالتزام لصغار اللاعبين.  

وكذلك حال الإعلاميين نستعين بكبارهم للاستفادة من خبراتهم سواء كانوا خلف أو أمام الشاشة والميكرفون الإذاعي، وهو ما ينطبق أيضاً على الصحف والمواقع الصحفية.

ولماذا نذهب بعيداً، وزارة الدولة للإعلام قامت مؤخراً بتعيين 9 مستشارين أو مساعدين للوزير غالبيتهم فوق سن الستين، علماً بأن غالبيتهم من ذوي القدرات المحدودة مهنياً. فيما ذوي الخبرات والذين حققوا إنجازات إعلامية يجلسون في منازلهم، بسبب أنهم ليسوا من أهل الشلة.

الإعلام يا سادة لا يُقاد بصناع الإعلانات والدراما والسينما والتسويق الرياضي. فالإعلاميون من صحفيين ومقدمي برامج ومعدين لا يخضعون عادةً لسن تقاعد إجباري، إذ تعتمد القنوات والصحف والمواقع الإخبارية على الخبرة والجماهيرية والقيمة المهنية، ولو تابعنا الفضائيات العربية والعالمية والصحف الكبرى، لوجدنا الكثير من الإعلاميين والكتّاب البارزين مستمرين في تقديم برامجهم وإعدادها بعد سن الستين. فهم ليسوا موظفين خاضعين لقوانين العمل والتأمينات الاجتماعية التي تنظم سن التقاعد الطبيعي (60 عاماً)، بل هم أقرب للمبدعين لو فتحت لهم أبواب الإبداع.

صحيح أن القنوات تشهد تنقلات أو تغييرات في خريطة البرامج وإعادة هيكلة للميزانيات من وقت لآخر، إلا أن ذلك يرتبط بخطط التطوير أو نسب المشاهدة، وليس بشرط عُمر يمنع من تجاوز الستين من العمل، لأنهم ليسوا "خيل الحكومة"، ولا يعملون بديوان عام وزارة أو محافظة، تقوم بالتجديد لمعظمهم للاستفادة من خبراتهم. حتى الأجهزة الأمنية تحتفظ بكبار ضباطها لنقل خبراتهم ومعلوماتهم لصغار الضباط الذين هم مستقبل تلك الأجهزة.

الخلاصة، إن المؤسسات الإعلامية الناجحة عادة ما تُخضع الوظائف الإدارية والفنية والتنفيذية للسن القانونية بشكل منظم، بينما تُبقي على "صُنّاع الرأي والرصيد المعرفي" عبر عقود خاصة تقوم على حجم العطاء ونسب المشاهدة ـ التي تتوقف على السياسة التحريرية للمؤسسة وهامش الحرية الذي تسمح به الأنظمة ـ وليس على تاريخ الميلاد.
----------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | تطوير الإعلام لا يكون بتاريخ الميلاد