لاشك أن مباحثات الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارة سريعة يوم الثلاثاء 15 سبتمبر الجاري، مؤشر مهم على أهمية الدور المحوري لمصر في المنطقة ليس فيما يتعلق فقط من تطورات متسارعة، خصوصاً ما يجري في اليمن، ولكن في كافة التطورات الإقليمية.
والزيارة تؤكد أن مصر دون غيرها هي محور مناقشة أي رؤي لأي تطورات تؤثر على استقرار الدول العربية وكافة دول المنطقة، ورغم شح المعلومات حول تفاصيل لقاء (السيسي – بن سلمان)، إلا أن اللقاء يؤكد أن البحث عن أي مخرج لقضايا المنطقة يبدأ من مصر، وليس في أيدي طرف ثالث، ومن هنا جاء تأكيد بيان الرئاسة على أن الجانبين توافقا على أن أمن السعودية ودول الخليج "جزء من الأمن القومي المصري"، و"تحفظ مصر ورفضها وإدانتها الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات" تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
ومصر ستبقى دائماً محور أي نقاش، ولا يمكن استبدالها بأي طرف آخر، مهما كان حجمه في أي ملف إقليمي، ولا يمكن تهميشه من أي تحالفات أو تكتلات، أو محاور تعاون، دون أن يتم اقحامها في أي حروب أو صراعات، يسعى البعض إلى اشعالها، ولهذا أدركت الدبلوماسية المصرية مخاطر وتحديات كل ذلك مبكراً.
وفي تزامن مع هذه القمة المصرية السعودية، كان لمصر وجهة نظر محددة في أحدث التطورات في اليمن والتي كانت حتماً جزءً من مباحثات لقاء "السيسي بن سلمان"، كان لمصر موقف محدد من السياسة التي تتبعها جماعة الحوثي في اليمن، حيث تسربت معلومات عن رفض مصري لمقترح حوثي بتنسيق مشترك حول تنظيم الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر.
وهذا يعني رؤية مصرية دبلوماسية بأهمية التوافق الإقليمي الجماعي، حول ما يحدث في اليمن والإقليم، ولا يمكن تمرير حل فردي لصالح طرف ضد أخر، فالموقف المصري يقوم على أساس حل كل المشاكل لا حلا جزئيا بل لمختلف قضايا المنطقة، وليس مجرد انهاء مشكلة هنا أو هناك، بل إطار اشمل لضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، مع دعم كل دولة في حماية أمنها واستقرارها، وللتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية، وللصراع الدائر في الخليج العربي، ومضيق هرمز بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات دفع أطراف أخرى فيه.
وموقف مصر لا يتوقف عند دعم السعودية فقط، بل يمتد لكافة الدول العربية في مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة ليمتد إلى حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وهذا الموقف ممتد لأبعد من ذلك اتساقاً مع أهمية التنسيق العربي، وفي هذا المرحلة (تنسيق مصري سعودي خليجي أشمل)، يفرض نفسه مع التطورات الخطيرة الناجمة عن مخاطر لا تتوقف لأمن دول الخليج مجتمعة، ووصلت إلى الأردن، بخلاف ما يجري من عدوان إسرائيلي مستمر على لبنان والأراضي المحتلة (غزة والضفة الغربية)، إلى جانب عدوان إسرائيلي على سوريا.
والفروق واضحة جداً بين موقف مصر والولايات المتحدة الأمريكية، مما يجري في اليمن ليس حاليا فقط، بل منذ سنوات طويلة، فمصر ترى في السلام والاستقرار، وحماية الأمن القومي للمنطقة كلها هو الملاذ الأول والأخير، وهو ما اتضح في مباحثات القاهرة والرياض، وكافة تحركات الدبلوماسية المصرية "المتزنة" مع كل الدول وفي كل المحافل.
بينما الرؤية الأمريكية، ترتبط بالمصالح، وكشفته تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقوله "إن الحوثيين طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل في اليمن، ولقد أجرينا نقاشات، واتصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون قتالنا، ولا يريدوننا أن نهاجمهم"، منوها إلى أنه تحدث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
والخبايا كثيرة وراء ما تم نشره على وكالة "رويترز" عن تصريحات الرئيس الأمريكي التي جاءت متزامنة مع ما تردد في تقارير تفيد بطلب السعودية مساعدة أمريكية لقتال الحوثيين، وأن ولي العهد السعودي، أجرى اتصالين هاتفيين على الأقل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً لطلب مساعدة عسكرية أمريكية في قتال الحوثيين، ورد من واشنطن بأنها لا تعتزم اتخاذ إجراء عسكري مباشر في الوقت الراهن، لكنها ستقدم المساعدة من خلال مشاركة المعلومات المخابراتية وتحديد الأهداف.
وعلينا أن نقرأ ما جاء في تصريحات الرئاسة المصرية في أعقاب قمة "السيسي – بن سلمان" لنقف على الفروق لرؤية وطنية وقومية عربية، فالجانبان توافقا على أن أمن السعودية ودول الخليج "جزء من الأمن القومي المصري"، مؤكدة "ورفض وتحفظ وإدانة مصر الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات، تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
القراءة في الموقف المصري تجاه تطورات اليمن، ترمي إلى أهمية بلورة موقف عربي قوي وله واقع ملموس على الأرض في رسالة للعالم، والقوى الكبرى، بأن لهذه المنطقة حقوق، وليست مجرد "سلة تمويل دولاري" وفقاً للمفهوم "الترامبي الأمريكي"، والنظر إليها أنها البقرة الحلوب لحل أزماته، ولهذا يجب أن تصل الرسالة قوية للعالم وللولايات المتحدة عبر موقف واضح وفاعل ومؤثر على الأرض، ويعبر بوضوح عن هدف يرمي إلى تحقيق الأمن والسلام والاستقرار، لتصب كلها في تحقيق مصالح بلداننا وشعوبها سياسياً واقتصادياً.
---------------------------------
بقلم: محمود الحضري






