وفي ثنايا الباب الأول من الكتاب أورد الشيخ سعدي في قالب قصصي اثنين وأربعين مثلا، يصور بها ما يفضي إليه ظلم الرعية من عواقب أليمة، وما يحظى به أهل العدل والإنصاف من سعادة في الحياة وحسن الذكر وطيب الصيت. وتتخلل هذه الحكايات بين حين وآخر أبيات شعرية تنبض بالموعظة والإرشاد.
أما الباب الثاني، فقد عقده الشيخ سعدي للحديث عن أخلاق الدراويش، فأشاد بالدراويش الزاهدين في الدنيا، المتجردين من الطمع والهوى، أصحاب الحياة الطاهرة، وكشف في المقابل زيف المتنسكين الذين يتسترون وراء قناع الزهد. ويمتد هذا الباب من الصفحة السابعة والستين إلى الصفحة الثامنة بعد المائة، وقد صاغه في ثمانية وأربعين مثلا، مزج فيها بين روعة النثر وعذوبة الشعر، وضمنها ثلاث حكايات.
وأما الباب الثالث، فموضوعه فضيلة القناعة، ويمتد من الصفحة التاسعة بعد المائة إلى الصفحة الحادية والأربعين بعد المائة. وقد ساق فيه ثلاثين مثالا يرسم من خلالها نثرا وشعرا وفي أسلوب بديع، طريق القناعة والرضا بالقليل، تلك الخصلة التي لا غنى عنها في حياة الإنسان.
ويأتي الباب الرابع في فوائد الصمت ممتدا من الصفحة الثانية والأربعين بعد المائة إلى الصفحة التاسعة والأربعين بعد المائة، وقد ضمنه الشيخ سعدي عرضا عذبا لآداب الإقلال من الكلام، والتحدث في الوقت المناسب، وضبط اللسان وحسن إمساكه.
أما الباب الخامس، فيمتد من الصفحة الخمسين بعد المائة إلى الصفحة الثامنة والسبعين بعد المائة، وقد عقده الشيخ سعدي للحديث عن العشق والشباب. وفيه تناول من خلال واحد وعشرين مثلا وحكاية واحدة بأسلوب زاخر بالحكمة، ما يكتنف عنفوان الشباب من آفات، وما يترتب على الانحراف الخلقي من أضرار.
وأما الباب السادس، فموضوعه الضعف والشيخوخة، ويمتد من الصفحة التاسعة والسبعين بعد المائة إلى الصفحة السابعة والثمانين بعد المائة. وقد ساق فيه من خلال سبعة أمثال وحكاية منظومة، مواعظ عذبة مستخلصة من شتى تجارب الشباب والشيخوخة.
ويأتي الباب السابع في أثر التربية والتعليم ممتدا من الصفحة الثامنة والثمانين بعد المائة إلى الصفحة السادسة عشرة بعد المائتين، وقد ضم تسعة عشر مثالا وحوارا مطولا، نسجها الشيخ سعدي في مزيج بديع من الشعر والنثر.
وأما الباب الثامن، فيمتد من الصفحة السابعة عشرة بعد المائتين إلى الصفحة السادسة والخمسين بعد المائتين، ويدور حول آداب الصحبة والمعاشرة. ويرى الباحثون أن هذا الباب أبلغ أبواب غلستان وقعا في القلب وأشدها استمالة للنفس. بل يرى بعضهم أن الأولى أن تبدأ قراءة غلستان من آخرها حتى إذا فرغ منها كانت المقدمة خاتمة المطاف.
استهل غلستان بحمد الله تعالى والثناء عليه. وأي نعمة من نعم الخالق يختار الشيخ سعدي ليحمد الله عليها، فيثلج بها صدره ويطمئن إليها قلبه؟ لقد اختار من بين نعم لا تحصى ولا تعد نفسا واحدا من أنفاس الإنسان، كأنما أراد به أن يكشف حقيقة الحياة الإنسانية وسر الخلق، وأن يبين مقدار ما يغمر الإنسان في كل لحظة من نعم الله وآلائه. جمل نثرية وجيزة، ولكن ما ينساب في ثناياها من إيقاع، وما يفيض منها من معنى وتأثير، لا تحده حدود. يقول الشيخ سعدي:
كل نفس ينساب إلى الصدر مدد للحياة، فإذا انساب منه كان مفرحا للذات، ففي كل نفس نعمتان، ولكل نعمة شكر واجب.
ولا مناص من الاعتراف بأن اللغة البنغالية لا تملك أن تنقل غلستان نقلا يفي بجمالها وحقها، ولا تملك ذلك لغة أخرى فيما يبدو. غير أن المترجم أهم من اللغة نفسها، إذ لا يرجى التوفيق في هذا المضمار إلا لشاعر فحل في منزلة نذر الإسلام نظرل. ومن ثم، فإن خاب أمل أحد وهو يقرأ ترجمة هذا القلم الضعيف، فلا حيلة لي إلا أن ألتمس منه العفو والصفح. نحن نأخذ أنفاسنا في كل لحظة، ولكن هل أمعنا يوما في حقيقة هذا النفس بمثل ذلك العمق الذي أمعن فيه الشيخ سعدي رحمه الله؟ إننا حين نستنشق يمتد بنا أمد الحياة، فإذا انقطع النفس انقطعت الحياة من فورها، ولم يبق للمرء إلا القبر. وحين نزفر يسري في الجسد والنفس صفاء وانشراح. وكلا الأمرين نعمة من نعم الله. وعلى هذا النحو تحف بالحياة الإنسانية نعم لا تعد ولا تحصى. ففي لحظة واحدة، وفي نفس واحد، نتلقى نعمتين بهما نحيا ونسعد، ولو فقدناهما لتعرضت حياتنا للخطر. وهي نعمة مبذولة للجميع على السواء، للصغير والكبير، والغني والفقير. ومقتضى العقل أن لكل نعمة شكرا، ولكل منة حمدا وامتنانا. ففي هذا المعنى، من جهة إقرار بنعم الله التي لا تحد، ومن جهة أخرى، نظرة حكيمة نافذة إلى حقيقة الحياة الإنسانية وافتقارها إلى الله واعتمادها عليه.
وبعد هذا البيان الأدبي العذب، السلس في إيقاعه، النابض بروح المعنى، يعود الشيخ سعدي فيقول:
السحاب والريح والقمر والشمس والفلك في عمل دؤوب،
حتى تنال رغيفك، فلا تأكله في غفلة.
كلها من أجلك دائبة، ولأمرك منقادة،
فما من الإنصاف أن تكون أنت للأمر غير منقاد.
إن رزق الإنسان ثمرة تضافر الخلائق جميعا، فقد سخر الله له مخلوقاته، وجعلها دائبة في خدمته. فلا ينبغي للإنسان، وهو محاط بهذا التسخير، أن يستغرق في الغفلة والإهمال. فإذا كانت مخلوقات الله كلها مشغولة بخدمته، منقادة لما سخرت له من أجله، ثم أبى هو أن ينقاد لأمر الله ويمتثل له، فأي إنصاف في ذلك؟ إنه لظلم عظيم. أكثر الشيخ سعدي من نظم الشعر ونثر الكلام في مدح الرسول الكريم ﷺ غير أن هذه الأبيات العربية التي أودعها مقدمة غلستان، قد نالت من القبول والذيوع ما لا نظير له في الأدب العالمي. فقد أفرغ شعراء العرب والعجم وأدباؤهم ومفكروهم في مدائح الرسول ﷺ ما فاضت به قلوبهم من حب، وسطروا في الثناء عليه كثيرا من المدائح غير أن ذلك كله يبدو كأنه يخبو أمام هذه الأبيات من غلستان. ذلك أن الشيخ سعدي أودع كل شطر منها من المعنى والإيقاع والنغم والعاطفة، ومن جمال التعريف بالرسول الكريم ﷺ، ما لا يدانيه وصف ولا يحيط به بيان. ومن هنا تجاوزت هذه الأبيات حدود إيران، وظلت بعد سبعة قرون ونصف، حية على ألسنة الناس في بلادنا، يتلونها في خشوع وإجلال، وتفيض بها قلوبهم إيمانا وتعظيما، وحبا وشوقا:
بلغ العلى بكماله، كشف الدجى بجماله، حسنت جميع خصاله،
صلوا عليه وآله.
ظلت هذه الأبيات المثبتة في مقدمة غلستان تتردد على مدى قرون في المحافل الدينية للمجتمع المسلم، يرددها عشاق الرسول الكريم ﷺ بصوت واحد خاشعين بالمحبة والإجلال مستشعرين في ترديدها صفاء لا يشوبه كدر، وفرحا نقيا يملأ القلوب. وقد قال لي أحد الأصدقاء: لو كانت شدة الانتشار وذيوع الصيت بين عامة الناس معيارا لاختيار النشيد الوطني لأي بلد، لكانت بلغ العلى جديرة بأن تكون نشيدنا الوطني، فهي أكثر الأبيات ترددا وتداولا وشيوعا على ألسنة مختلف طبقات شعبنا. ونقول في البنغالية: صحبة الصالحين سبيل إلى الجنة، وصحبة الطالحين سبيل إلى الهلاك. وقد قال الشيخ جلال الدين الرومي رحمه الله:
صحبة الصالح تجعلك صالحا، وصحبة الطالح تجعلك طالحا.
(المثنوي الشريف، الشيخ جلال الدين الرومي، الجزء الأول)
قد تكون لهذه الحكمة نظائر في لغات أمم العالم كافة غير أنني لا أعلم هل عرف الأدب العالمي نظيرا لما صاغ به الشيخ سعدي هذه الفكرة، وعرضها في هذا القالب الأدبي البديع.
وقد قرأت في صغري أيام الدراسة قصيدة للشاعر ساتيندرانات دوتا، ولا تزال بعض أبياتها عالقة بذاكرتي، ولعلها كانت على نحو ما يأتي:
دخلت يوما موضع الاغتسال، فإذا بي أرى قطعة من الطين، فأخذتها بيدي وشممتها، فإذا هي تعبق بشذى فواح. فقلت لها: أأنت مسك أم عطر؟ ما لك يفوح منك هذا العبير؟ أم أنت روضة من رياض الورد؟
والحقيقة أن صاحب هذه القصيدة الأصلي هو الشيخ سعدي، وأن نصها البنغالي ترجمة عنها. فقد ترجم ساتيندرانات دوتا هذه القصيدة الواردة في مقدمة غلستان للشيخ سعدي رحمه الله، ونشرها باسمه. وانظروا إلى هذه القصيدة التي نظمها الشيخ سعدي بالفارسية قبل نحو سبعمائة وخمسين عاما، كيف لا تزال حتى اليوم حديثة نابضة بالحياة، آسرة بروحها وطرافتها. أما أنا، فلا أجرؤ على اقتحام ميدان ترجمتها شعرا.
ومن ثم، وإن تعذر نقل محاسن اللغة وزخارفها، فسنسعى إلى إبراز ثراء المعنى وعمق تأثيره:
ناولني حبيب يوما في الحمام طينا طيب الرائحة.
فقلت له: أمسك أنت أم عبير، فقد أسكرني شذاك الآسر؟
فقال: ما أنا إلا طين حقير، غير أني صحبت الورد حينا.
فأثر في جمال الجليس، وإلا فأنا ذاك التراب كما كنت.
(غلستان، المقدمة)
يا له من مثال رائع، ومع أن روعة الإيقاع وتفرد النظم لم ينتقلا إلى الترجمة، فإن ما في الأبيات من ثراء المعنى وجمال التعبير ونفاذ الأثر إلى القلب يكشف عن مدى خلود جاذبيتها.
ولكن يبقى السؤال: هل تتعطر كتلة من التراب بمجاورة الزهور وتفوح منها رائحتها؟ وهل تظل تربة حديقة الأزهار محتفظة بذلك العبير؟ إن الواقع لا يشهد بذلك. فعن أي كتلة من التراب تحدث الشيخ سعدي رحمه الله؟ أهي من نسج خيال الشاعر؟ وهل يصح أن تقرر حكمة عظيمة كهذه على أنها حقيقة من خلال خيال لا واقع له؟ ولماذا يمضي عارف زاهد كالشيخ سعدي رحمه الله في عالم من الخيال غير الواقعي؟ ألن يؤدي بطلان التشبيه وبعده عن الواقع إلى السخرية من تلك الحكمة الخالدة التي توارثتها الأجيال؟ لقد بحثت عن جواب لهذه الأسئلة عند كثيرين، وسألت عنها بعض أصدقائي الإيرانيين الذين أعرفهم، فلم أجد عند أحد جوابا شافيا. غير أن أستاذي الجليل، الشيخ مطيع الرحمن النظامي رحمه الله، كبير المحدثين بدار العلوم العالية في شيتاغونغ، وكشف لي يوما في أثناء حديث دار في درس الحديث عن سر هذه المسألة، فقال:
إن الشيخ سعدي لا يمكن أن يصوغ كلاما غير واقعي، أو يكسو الكذب ثوب الخيال، ولا أن ينطق بمثل ذلك.
وحقيقة الأمر أن بلاد فارس، موطن الزهور والورود، عرفت منذ القدم صناعة العطر من خلاصة الورد، وكان لذلك أسلوب خاص. فكان يوضع على الموقد قدر مملوء بالماء، وفوقه قدر آخر مملوء بالورد، على نحو يشبه الطريقة التي تصنع بها في بلادنا فطائر البابا أو الشتاء. وكانت هناك فتحة ينفذ منها بخار الماء المتصاعد بحرارة النار من القدر السفلي إلى القدر العلوي، ثم تتقاطر الخلاصة من تلك الفتحة إلى القدر السفلي، وهي عطر الورد. ولئلا يتسرب البخار من القدر السفلي، كان موضع التقاء القدرين يطلى بالطين.
-----------------------------------
بقلم: د. محمد عيسى شاهدي
* ترجمة: أحمد شوقي عفيفي






