بداية ليس المقصود على الإطلاق بأقباط المهجر كل مصرى مسيحى هاجر إلى أمريكا وأوروبا. فهناك الملايين من المصريين من المسيحيين والمسلمين فى العالم كله مازالوا وسيظلون يحبون مصر ويدافعون عنها ويساهمون فى تنمية اقتصادها بتحويل العملة الصعبة. بل يحافظون على استمرارية الانتماء لمصر للأجيال التالية من أولادهم بتعليمهم اللغة والحفاظ على العقيدة الدينية ذات الهوية المصرية فى الكنائس والمساجد.
وقبل الدخول فى التعريف، فمنذ خمسينيات القرن الماضى ولظروف سياسية هاجر بعض النخبة الطبقية المسيحية إلى المهجر. وبعد مجئ الأنبا كيرلس السادس بطريركا للكنيسة المصرية أنتبهت الكنيسة إلى تأسيس كنائس مصرية أرثوذكسية لرعاية المهاجرين دينيا، حفاظا على الأجيال المتتالية للمهجرين. وانتشرت الكنيسة المصرية فى المهجر وكان الهدف دينيا. جاء الأنبا شنودة وحدث الخلاف بينه وبين السادات بعد حادثة الخانكة عام ١٩٧٢. تلك الحادثة التى حاول الأنبا شنودة أن يتصدى لها على أرضية سياسية وليست على أرضية روحية تتوافق مع المنهج المسيحى! هنا زاد الصراع بينهم وأخذ مسارات للمواجهة تحت مسمى الدفاع عن اضطهاد الأقباط والدفاع عن حقوقهم. هنا كانت الصورة وكأنها صراع سياسى بين السادات وشنودة أى بين الدولة والكنيسة!! هنا بدأ فى الظهور حراك سياسي لبعض أقباط المهجر يدعم موقف الأنبا شنودة فى صورة تظاهرات ضد السادات عند زياراته لأمريكا. حتى وصل الأمر بأن تطلب الحكومة من الكنيسة إرسال مندوب عنها لتهدئة الجو عند زيارة السادات. وقتها وجد الانبا شنودة أداة مصرية خارج مصر تدعم موقفه السياسى! وكان هذا ما يرضيه وما يطلبه. حتى أنه كان يبرر سلوكياتهم الهجومية بأنهم فى دولة تمارس الديمقراطية والحرية. وحدثت المواجهة وتم عزل البابا فى سبتمبر ١٩٨١. جاء مبارك وعاد البابا إلى كرسيه ولكن لم تعد الأمور إلى طبيعتها المصرية. فقد حدث تداخل بين المطالب القبطية وبين الممارسة السياسية فى أمريكا من مجموعة مهاجرين استهوتهم اللعبة إحساسا أنهم يمارسون السياسة التى لم يمارسوها فى مصر. وفى التسعينيات ظهرت علانية علامات التدخل الأمريكى فى شؤون الدولة بحجة حماية الأقليات الدينية. وكان ذلك ولا يزال فى شكل صدور قانون يسمى الحماية الدينية. تقوم من خلاله الخارجية الأمريكية بوضع تقرير كل نصف عام عن أحوال الأقليات الدينية فى العالم كفرصة للتدخل فى شؤون الدول بحجة الحماية. عام ١٩٩٦ أصدرت السفارة الأمريكية فى مصر بيانا تعلن فيه حمايتها للأقباط. قمت وقتها بإصدار بيان يرفض هذا التدخل وقام بالتوقيع عليه مائة شخصية من كبار النخبة السياسية والثقافية فى كل المجالات، مما جعل السفارة تتصل بى لتحديد موعد مقابلة فى أى مكان. وافقت على اللقاء فى السفارة الأمريكية وتمت مواجهة ضد هذا التدخل المرفوض شكلا وموضوعا.
كانت المفاجأة أننى علمت من السفارة بأسماء من يتعاونون معها من أقباط الداخل ومن يتعاونون مع أمريكا فى الخارج. ونشر هذا فى روزاليوسف وعلق كبار الكتاب على هذا اللقاء. أسرد هذا لتوضيح أن هناك من يوظفون سياسيا مع أمريكا بمدها بمعلومات لا أعتقد صحتها بقدر تعمد المبالغة المطلوبة لتحقيق التدخل المطلوب. هنا قلنا ونقول وهذا مسجل للتاريخ أن هناك مشاكل للأقباط نتيجة تراكم موروث طائفى على مستوى السياسة والثقافة والاجتماع نتيجة لتطبيق مايسمى بالنظام الطائفى العثمانى. لا أحد يزايد على وجود هذا المشاكل التى لا علاقة لها الآن بما يسمى بالاضطهاد. مع العلم أنه قد حدث تطورات عالمية وإقليمية ومحلية تساهم فى تنقية المناخ الطائفى وتضع الأقدام على اول طريق المواطنة الحقيقية. إذن ما هى الإشكالية؟ أولا: من حق المواطن المصرى أيا كانت ديانته أن يدافع ويناضل من أجل تحقيق مطالبه بالطريق الدستورى والقانونى. ثانيا: هناك فارق كبير بين ممارسة هذا الحق على أرضية سياسية وطنية وبين الممارسة على أرضية طائفية خاصة لو كانت عن طريق الكنيسة مثل ما حدث فى عهد الانبا شنودة ورفضناه ولا نزال نرفضه. لأنه الآن حتى لو كانت هناك مطالب تفسر على أنها طائفية خاصة عندما تنسب لصاحب المشكلة، فهى مشكلة لمواطن مصرى تطلب وتحل على أرضية سياسية مواطنية لمواطن مصرى وفقط .
هنا من هم المقصودوون؟ فى الثمانينيات والتسعينيات حتى ٢٠١١ كانت حركة ما يسمون بأقباط المهجر تميل إلى نوع من الاستعراض وإثبات الذات ولا مانع من الاستفادة ماديا من المنظمات الحقوقية العالمية!! كانوا يقيمون مؤتمرات لمناقشة مشاكل الأقباط فى مصر ويدعون مصريين من المسلمين والمسيحيين. حتى ظهر خلاف سياسي بين مجدى خليل وبين كاتبة مصرية تدافع عن الأقباط على أرضية طائفية على بدل الجلسات. وكتبت حينها مقالات تكشف ذلك!! الآن الوضع تغير. فيقوم مجدى خليل وأمثاله (بالرغم من خلافاتهم المالية على الكسب والاسترزاق) بمحاولة تسييس وتدويل ما يسمى بقضية الأقباط !!!!!
هنا نختلف، سنظل نختلف مع هؤلاء تماما تماما. ليس لمواقف شخصية لأننا والحمد لله ليس لنا فى المال البته داخليا وخارجيا. ولكن نختلف خوفا على مصر الوطن والوطن غير النظام والحكومة. فأنا طوال حياتى معارض للحكومة والنظام منذ السادات واعتقلنى فى ١٩٨١ وحتى مبارك الذى أفرج عنى مع زعماء المعارضة بل وعيننى فى مجلس شعب ٢٠١٠ وحين اعترض البابا عل تعيينى بحجة أننى اهاجمه فكان رد مبارك أنا عينت جمال كعضو مجلس شعب وسياسى وهو يهاجمنى أنا وأسرتى (مذكرات د. مصطفى الفقى).
فهل طريقة هؤلاء الذين يدعون الدفاع عن الأقباط، تحل مشاكل أم تهدد سلامة وطن؟ فدوركم يؤجج الطائفية ويقسم الوطن بين مسلم ومسيحى. وهل من يدعو إلى أن مصر قبطية للأقباط وليست للمسلمين يستهدف سلامة الوطن؟ وهل كل من يدعو إلى عودة اللغة القبطية بديلا للعربية يتمنى سلامة الوطن؟ دعوا مصر للمصريين . اتركوا المصريون يناضلون سويا ويحلون مشاكلهم سويا ويناضلون من أجل تقدم مصر الوطن الغالى وطن كل المصريين . وأنا لا اجيد الرد غير المؤدب وغير الموضوعى على أمثال هؤلا بأسلوبهم الذى يماثلهم ويمثلهم . حفظ الله مصر وشعبها العظيم .
-----------------------------
بقلم: جمال أسعد






