أشرت في ختام مقالي السابق إلى أن التطورات الجارية في الشرق الأوسط، وفي العالم، تستدعي من النخبة الاستراتيجية إعادة التفكير في مفهوم الدور الإقليمي لمصر، استناداً إلى مقومات القوة، الخشنة والناعمة، المتوافرة لديها، والمزج بين هذه المقومات لصياغة ما يعرف بالقوة الذكية، وأن إعادة التفكير هذه تتطلب نقاشًا حرًا ومفتوحًا تشارك فيه كل القوى السياسية والشخصيات العامة المعنية التي تستطيع أن تقدم أفكارًا في هذا الصدد.
بداية، لا بد من تأكيد أن التفكير في شؤون الأمن القومي في كثير من دول العالم، لم يعد حكرًا على مؤسسات بعينها، فمع التوسع في مفهوم الأمن وتشابكه مع كثير من القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمعات، بات الأمن موضوعا للنقاش العام والحوار المستمر من أجل التوصل إلى تفاهمات حول محدداته ومقوماته وكيفية التعامل مع التهديدات والتحديات الخارجية والداخلية التي تؤثر على أمن المواطنين أولا وعلى أمن الدولة ثانياً. هناك أبعاد متعددة ومتشعبه لمفهوم الأمن، وتوسعت هذه الأبعاد نتيجة للثورة التكنولوجية التي تجتاح العالم مع التوسع في برامج التحول الرقمي التي تطبقها الحكومات.
وأصبح هذا التحول في مقدمة الموضوعات المتعلقة بالصراع على النفوذ والقوة في العالم، حسبما يلاحظ من خلال دراسة العلاقات الأمريكية الصينية، وفي سياسات القوتين تجاه القوى العالمية المختلفة. كذلك، أدت هذه التطورات إلى تغير أدوات الحرب والصراع، فيما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بالحروب الهجينة والحروب اللامتكافئة بجيليها الأحدث. بينما ينشغل المحللون الاستراتيجيون والخبراء العسكريون في بلدنا بحروب الجيلين الرابع والخامس، برزت حروب الجيل السادس مع انتقال الحرب من المجال الفيزيائي الذي يشمل الأرض والبحر والجو والفضاء الفيزيائي والفضاء السيبراني، إلى مجال جديد تماماً وغير مادي، إذ أصبحت أدمغة البشر ساحات جديدة للحرب التي تستهدف المجال الإدراكي - العصبي للإنسان، الأمر الذي من شأنه أن يحدث نقلة كبيرة في التفكير في مفهوم الأمن وغيره من مفاهيم.
صحيح أنه في الحروب الدائرة في المنطقة الآن، لا يزال تدمير القدرات العسكرية للخصم وبنيته التحتية المدنية هو الأساس لشل الإرادة، لكن برز إلى جانب ذلك هدف آخر يتعلق بتشويه إدراك الخصم، وإعادة تشكيل وعيه وقيمه وسلوكه الجمعي، هذه الأهداف ليست جديدة تمامًا، فهي جوهر ما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بأساليب الحرب النفسية، لكن الجديد هو أن هذه الحرب باتت تعتمد على أدوات أكثر تطورًا، لا تقتصر فقط على أدوات الدعاية التقليدية بل باتت تعتمد على برامج تعمل مباشرة على الجهاز العصبي، علاوة على ما كشفه توظيف القدرات التكنولوجية الجديدة والذكاء الاصطناعي في الحروب الراهنة في المنطقة.
السؤال الذي يجب أن نفكر فيه الآن: ما الذي يعنيه مفهوم الوزن الاستراتيجي لأي دولة الآن؟ لكن قبل الإجابة على هذا السؤال علينا أن نجيب على سؤال آخر بما أصاب الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر من تغيرات، في ضوء السؤال الذي أشير إليه في نهاية المقال السابق بخصوص وضع مصر في استراتيجية الشرق الأوسط الأمريكية، وهو سؤال تطرحه بقوة الحرب الدائرة الآن مع إيران وغيرها من حروب لا تزال دائرة.
شراكة استراتيجية مضطربة
في عام 1986، نظم المعهد الدبلوماسي في القاهرة ندوة عن العلاقات المصرية الأمريكية بمشاركة دبلوماسيين وباحثين ومفكرين وسياسيين من البلدين. برز في هذه الندوة، التي استمرت ثلاثة أيام، نجم السفير عمرو موسى، الذي عُيَّن بعدها مندوبا لمصر في الأمم المتحدة، قبل أن يشغل منصب وزير الخارجية. كانت هذه الندوة تؤسس لبداية جديدة لعلاقة مصر الاستراتيجية مع واشنطن، في وقت كانت تبحث فيه القاهرة كيفية استعادة موقعها الإقليمي في العالم العربي، بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية بسبب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979. جرت مياه كثيرة في المنطقة في السنوات السابقة على عام 1987، خصوصًا بعد اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر عام 1981، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سبتمبر عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من بيروت، والحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وفرضت على نظام صدام حسين البعثي في العراق التقارب مع القاهرة، التي كانت تسعى لموازنة علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، التي ارتكزت على عملية السلام مع إسرائيل والضمانات الأمريكية، وبين الضرورات التي تفرض عليها الاشتباك مع قضايا "الأمن القومي العربي".
استطاعت مصر من خلال هذا المؤتمر أن تعيد صياغة علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن من خلال التفاوض، ونجحت في ذلك بالاعتماد على نخبتها الاستراتيجية، التي شارك كثير من شخصياتها ورموزها في هذا المؤتمر، وتمكنوا من التفاهم على أسس جديدة للعلاقات من خلال الحوار المباشر مع نظرائهم في الجانب الآخر. والمطلب الأبرز الذي جرت الاستجابة له هو توسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي الذي تتمتع به مصر، وفك الارتباط بين العلاقات المصرية الأمريكية وتقلبات علاقات مصر مع إسرائيل، لاسيما أن هذه التقلبات كانت نتيجة للسياسات الإسرائيلية. جرت مياه كثيرة بعد هذا المؤتمر والتي أثرت على شراكة مصر الاستراتيجية مع واشنطن، التي تأسست على التزام مصر بعملية السلام في الشرق الأوسط، وعدم الدخول في محاور معادية للولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة. واستطاعت في إطار هذه العلاقة أن تحتفظ لنفسها بهامش من الاستقلال الاستراتيجي النسبي الذي يتيح لها إصلاح علاقاتها مع الدول العربية، التي كان من بينها دول تنهج سياسات مناوئة للولايات المتحدة، مثل العراق وسوريا وليبيا.
غير أن هذه الشراكة واجهت تحديات منذ مطلع الثمانينات بسبب تناقض المصالح واختلاف أولويات البلدين ومصالحهما الاستراتيجية، غير أن انفراج العلاقات الأمريكية السوفيتية والتحولات التي أدت الى تفكيك نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة بين القوتين العظميين في ذلك الوقت، سمح لمصر بتطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي وبتعزيز العلاقات مع حلفائه في المنطقة، لكن في الحدود التي تسمح بها التزاماتها. حاولت مصر توسيع هامش الاستقلالية والمناورة من خلال بناء مجلس التعاون العربي مع العراق واليمن والأردن، وحاولت قيادة العالم العربي في اتجاه المصالحة والانفراج، وانتهت هذه المحاولة مع الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، ولم تتمكن مصر من دفع رؤيتها للمصالحة العربية على الرغم من التطورات السابقة على غزو الكويت والتي كانت تدفع في هذا الاتجاه.
ووجدت مصر فرصة من خلال مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في عام 1991، كمحاولة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، لحل المشكلة الفلسطينية باعتبارها المشكلة المركزية التي تحول دون تطوير بنية للأمن الإقليمي في المنطقة وتمنع التعاون الإقليمي في ملفات أخرى لمواجهة تحديات التنمية والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، والتي أشارت تقديرات كثيرة إلى أنها قد تكون سببًا لأنماط جديدة من الصراعات في الشرق الأوسط، مثل أزمة المياه والانقسامات العرقية والدينية والطائفية، وهي ملفات وثيقة الصلة بالسياسات الداخلية للدول وبرامج الإصلاح الهيكلي التي انخرطت فيها كثير من دول المنطقة. وسعت عملية مدريد للتعامل مع هذه التحديات من خلال مسار التفاوض والتعاون المتعدد الأطراف الذي استحدثته بغرض تطبيع علاقات إسرائيل مع البلدان العربية، لتغيير البيئة الإقليمية للصراع.
لم تكن قيادة مصر في سياق هذا التحول في الاستراتيجية الأمريكية قيادة كاملة، وكانت ترى عدم "الهرولة" أو الاندفاع في ملفات التعاون الإقليمي وربط ذلك بإحراز تقدم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإنهاء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967، والانسحاب من الشريط الحدودي الذي كانت تحتله في جنوب ولبنان، وأضاف الموقف المصري عاملا آخر لتوتر العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن إلى جانب التوترات الأخرى الناجمة عن اهتمام واشنطن المتزايد بملف الإصلاح السياسي في العالم العربي، في ظل إدارة الرئيس بيل كلينتون الديمقراطية. وأدى في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط تحت شعار تعزيز الديمقراطية والاهتمام بملف حقوق الإنسان الذي يشمل أيضا حقوق الأقليات العرقية والدينية إلى تزايد التوتر.
أزمة السلام وأزمة التحول الديمقراطي
أسفرت عملية مدريد عن تطور قلص الدور المصري كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، بوصفها الركيزة الأساسية لعملية السلام التي تقودها واشنطن، كما كان الدور المصري ذاته مقيدا نتيجة لتصور القيادة السياسية المصرية، في ذلك الوقت، بأن كثيرا من الأوراق في يد الولايات المتحدة، وأن هذه الأوراق تعمل في صالح إسرائيل وعلى حساب الفلسطينيين والبلدان العربية، ونتيجة لهذا التصور لم تتعامل القيادة في مصر بروح المبادرة مع عملية أوسلو للسلام واتفاقيات أوسلو في سبتمبر عام 1993 ولم يتطور هيكل كاف لتنسيق المواقف مع الأردن الذي أصبح وسيطاً في عملية السلام بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1994، وأصبح هناك ما يشبه التنافس في أدوار الوسطاء، خصوصا مع بروز وسطاء جدد، مثل قطر والمغرب وسلطنة عمان، بل دخول ليبيا القذافي، في مزاد الوساطات في عملية السلام في الشرق الأوسط.
ومع تراجع الاهتمام النسبي بعملية السلام نتيجة لتحول الاهتمام الأمريكي إلى مناطق أخرى للصراع، لاسيما في البلقان وفي جنوب أوروبا، وتزايد اهتمامها بآسيا التي بدأت تصعد كقوة اقتصادية تؤثر على الاقتصاد العالمي على النحو الذي أبرزته أزمة البورصات الآسيوية في عام 1993، والتي كان لها تأثير على الأوضاع المالية والاقتصادية في كثير من الدول. كذلك كان لانتهاء الاحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في عام 1989، تأثير على الاستقرار السياسي الداخلي في كثير من البلدان العربية، مع عودة ما يعرف بالمجاهدين العرب من الانخراط في صفوف فصائل المجاهدين وقد اكتسبوا خبرات تنظيمية وقتالية جرى توظيفها في صراعات المنطقة على النحو الذي ظهر في العشرية السوداء في الجزائر وفي موجة التنظيمات الإسلامية المسلحة التي عادت للظهور والانخراط في سلسلة من العمليات الإرهابية في مصر وفي اليمن، وتمركز قيادات هذه الجماعات لاسيما قيادات تنظيم القاعدة في عدد من الدول التي كانت متهمة برعايتها للإرهاب وتوظيف جماعاته في خدمة مصالحها. وتباينت سياسات الحكومات في المنطقة بين مهادنة تلك الجماعات أو دفع خطرها وتوجيهه إلى مسارات أخرى، فيما فشلت في التعامل مع الأسباب الجذرية التي تغذي تلك الجماعات وسياساتها.
مرة أخرى، يبرز الفشل في إيجاد تسوية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في مفاوضات كامب ديفيد الثانية في خريف عام 2000، كعامل لتأجيج الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إضافة إلى أسباب التذمر والسخط نتيجة للأزمة الاقتصادية التي بدأت تزحف على مجتمعات الثروة في العالم العربي، إلى جانب الأزمة التي انتهت إليه مجتمعات الثورة في الجمهوريات التي تحكمها مؤسسات أمنية وعسكرية. لكن رد فعل تيارات الإسلام السياسي بذراعيه الإصلاحي الذي يعتمد وسائل الحشد والتعبئة السياسية، والجهادي ببعديه الدعوي أو الحركي المسلح شهد تصعيداً في مستوى المواجهة بحيث أصبحت الولايات المتحدة وسياساتها تجاه شعوب المنطقة والعالم الإسلامي الأوسع، هي العدو الرئيسي، وأصبح موقف هذه الجماعات من الحكومات العربية مرهون بمدى تبعية هذه الحكومات للسياسة الأمريكية. وكانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما ترتب عليها من ردود فعل تحت شعار الحرب على الإرهاب نقطة تحول جديدة في الاستراتيجية الأمريكية، وأيضا في هوامش الاستقلال النسبي في السياسات العربية.
أدت هذه الهجمات إلى غزو أمريكي لأفغانستان بمشاركة من حلف شمال الأطلسي، في ديسمبر 2001، وغزو للعراق في مارس 2003. وأدى الحدثان إلى تأجيج المواجهة بين الولايات المتحدة وشعوب، وإلى حد ما حكومات البلدان الإسلامية، التي وجدت نفسها في مواجهة منطق جديد في السياسة الأمريكية، شعاره من ليس معنا في الحرب على الإرهاب فهو ضدنا. لقد سعت مصر خلال هذه المرحلة إلى عقد مؤتمر دولي من خلال الأمم المتحدة بشأن الإرهاب كي لا يحدث توسع في توظيف مصطلح الإرهاب لتصفية حركات تحرر وطني، لكن التطورات فيما يخص هذه الحرب سارت وفق التصور الأمريكي، كما أن التحدي الذي مثلته تلك الحركات وتآكل مصادر الشرعية دفع حكومات المنطقة للعمل وفق التصور الأمريكي للإرهاب مقابل تخفيف الضغوط علي هذه الحكومة في ملف الإصلاح السياسي والديمقراطية وحقوق الإنسان، والذي شهد تدهورا مستمرا، على الرغم من مراجعة السياسة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما الديمقراطية، وتراجع الدعم الأمريكي لبرامج الإصلاح السياسي في أعقاب الانتفاضات التي اجتاحت العام العربي في عام 2011، وما مثلته من تحديات لنظم حليفة لواشنطن وللسياسات الأمريكية.
دور مصر من منظور أمريكي
لقد فقدت مصر، الكثير من مقومات دورها الإقليمي بسبب تعثر عملية السلام وما أدى إليه من ترسيخ للعدوانية الإسرائيلية، ليس فقط تجاه الفلسطينيين، وإنما أيضا تجاه البلدان الأخرى في المنطقة على النحو الذي كشفته حرب لبنان في عام 2006، وما بعدها. لكن التركيز المصري على عملية السلام، أخفى جانباً آخر لا يقل أهمية للدور المصري في التصور الأمريكي، جرى التعبير عنه في خطاب الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن في خطابه أمام الوقفية الأمريكية للديمقراطية، في 6 نوفمبر عام 2003، والذي انتقد فيه السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي على مدى 60 عاماً، لم تعمل خلالها الولايات المتحدة على تعزيز الديمقراطية والحريات، وتعهد بدفع السياسات الأمريكية لدعم الديمقراطية.
لقد توقع بوش في هذا الخطاب أن تقوم مصر بقيادة العالم العربية على طريق الديمقراطية والإصلاح السياسي، مثلما كانت قائدة له على طريق السلام، لكن القيادة السياسية في مصر لم تكن مستعدة للسير في هذه السياسات التي كانت تراها مزعزعة للاستقرار ومثيرة للفوضى، فضلاً عن عدم استعدادها لتحمل تكلفة وأعباء ذلك الدور القيادي، وهو ما اتضح من خلال مخرجات مؤتمر الإصلاح في العربي الذي استضافته مكتبة الإسكندرية بعد أسابيع من ذلك الخطاب، حيث كان هناك خلاف أساسي حول مدى الإصلاح الذي تطلبه واشنطن ووتيرته.
كانت القيادة السياسية المحافظة تتخوف من أي إجراءات قد تؤثر على هيكل السلطة، وصاغت معارضتها لخطط الإصلاح الأمريكية بصياغات وطنية، ركزت على تصوير المساعي الأمريكية على أنها تأتي في سياق خطة أمريكية أوسع لتغيير خريطة المنطقة على نحو يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ورفضت القيادة السياسية الاعتراف بأن السياسات التي تتبعها على المستويين الوطني والإقليمي قد تكون سبباً رئيسياً في تقويض الأسس الاجتماعية للشرعية، وأصبحت مصر أكثر ارتباطا بالسياسات المحافظة لدول الخليج العربية، وقبلت أن تلعب دورا داعما وتخلت عن المبادرة بسبب تركيزها الشديد على الاقتصاد وحاجتها لرؤوس الأموال والاستثمارات الخليجية، وأثرت هذه التوجهات على الاستجابة للتحديات التي فرضتها الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي في عام 2011.
لقد كان إخفاق مصر في إدارة ملف التحول الديمقراطي على المستوى الوطني، سبباً رئيساً لإخفاقها في قيادة العالم العربي على طريق الإصلاح السياسي والتأسيس لحكم ديمقراطي دستوري يضع الأساس لنظم ديمقراطية تستجيب لطموحات الشعوب وتعيد ترتيب أولويات العمل الوطني. إن التطورات التي حدثت خلال الخمسة عشر عاما الماضية، والإصرار على المضي قدما في مسار مضاد لمسار التطور الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، والتخلي عن روح المبادرة ووضع تصورات لقيادة شعوب المنطقة إلى وضع أفضل، تعيدنا مرة أخرى إلى السؤال التاريخي الذي وجدت مصر والدول العربية نفسها في مواجهته بعد حرب عام 1948، وهو سؤال من "أين نبدأ؟"
لكن من المثير للدهشة، حقًا، أن هذا السؤال جرت إزاحته بسؤال آخر عن الوجهة التي نمضي إليها، إلى أين نتجه أو إلى أين تتجه مصر؟ لم تنتبه النخبة المشغولة بالسؤال الأخير إلى الفارق المهم بين السؤالين والذي يعبر عنه فقدان روح المبادرة والتشبث بموقع الدفاع ورد الفعل. فغياب سؤال من أين نبدأ؟ أدى إلى غياب فكرة البوصلة التي تقود تحركنا، وأصبحنا رد فعل لسياسات الآخرين وأولوياتهم. ويعزز فقدان السؤال الأول، عدم طرح سؤال تاريخي آخر هو سؤال "ما العمل؟" وهو سؤال لا يعكس فقط عدم قدرتنا على توجيه مسارنا نحو المستقبل، وإنما يعكس أيضا افتقارنا إلى تصورات واضحة وخطط عمل تقود طريقنا نحو المستقبل.
لكن ثمة سؤال سياسي يسبق السؤالين، يتعلق بالسؤال عن المعني بهذا المستقبل؟ هذا سؤال وثيق الصلة بالمضمون الاجتماعي الغائب للسياسات العامة، ومن المؤسف حقاً أن هذا السؤال حاضر وبقوة في تصورات مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، على النحو الذي تؤكده أهداف التنمية المستدامة 2030، والذي تمت ترجمته في خطط حكومية في مصر وفي عدد من البلدان الأخرى في المنطقة، بل وحاضر في بعض توصيات صندوق النقد الدولي لكنه غائب تماماً في سياسات حكومتنا التي يتلمس البعض منا فيها رشدا لا تمتلكه.
لم يكن سؤال "ما العمل؟" وهو سؤال تاريخي يمكن تقديم استشهادات وأدلة له من الخبرة التاريخية لكثير من الشعوب، خصوصا في مواجهة، لحظات مصيرية وفارقة، قط سؤالا مطروحا على القيادة أو النخبة الحاكمة فقط، وإنما هو سؤال مطروح على كل القوى المشغولة بهذه الأمة وبمستقبلها، وهو سؤال من الخطورة تركه لفريق واحد فقط وانتظار إجابة منه، بل توقع أن تلبي هذه الإجابة طموحات أو توقعات الغالبة الساحقة من المواطنين في لحظة يجري فيها هدر الإمكانيات والطاقات الكامنة لهذه الغالبية، والنظر إليها باعتبارها قاصرة أولا تستحق في أفضل التقديرات، أو باعتبارها عبئاً ثقيلاً. إن اللحظة التي تمتلك فيها القوى الاجتماعية والطليعة المثقفة إجابة على هذا السؤال هي لحظة عودة السياسية لتحتل مكانها في توجيه دفة المستقبل، وقيادة تصورات التكنوقراط للمستقبل وتوجيهها، وهذه العودة للسياسة هي خطوة أساسية لبحث هوامش الاستقلال الاستراتيجي الممكن وفق حسابات دقيقة.
وهذه نقطة تستدعي حديثاً آخر ومقالا منفصلا.
------------------------------
بقلم: أشرف راضي






