15 - 09 - 2026

زلزال في سوق السندات.. هل بدأ العدّ التنازلي لهيمنة الدولار؟

زلزال في سوق السندات.. هل بدأ العدّ التنازلي لهيمنة الدولار؟

لم تعد تطورات النظام المالي العالمي مجرد نقاش بين الخبراء الاقتصاديين، أو مجرد مجموعة من الأرقام الواردة في تقارير المؤسسات الدولية. فما يحدث في سوق السندات الأمريكية، بالتزامن مع التطورات في اليابان والصين، قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة مختلفة في الاقتصاد العالمي؛ مرحلة تتراجع فيها بسرعة قدرة واشنطن على الحفاظ على مكانة الدولار باعتباره المركز الوحيد للنظام المالي الدولي.

لقد استفادت الولايات المتحدة على مدى عقود من نظام مالي عالمي جعل سندات الخزانة الأمريكية واحدة من أهم ملاذات رؤوس الأموال في العالم. وكانت اليابان، من خلال سياسة «المال الرخيص» وأسعار الفائدة القريبة من الصفر، واحدة من أهم الركائز التي ساعدت على تدفق رؤوس الأموال باتجاه السوق الأمريكية.

لكن المعادلة آخذة في التغيّر. فقد شعرت اليابان بالخطر الناجم عن تراجع الدولار، فأقدمت على رفع أسعار الفائدة من جانب بنكها المركزي، وارتفاع عوائد سنداتها، وهذا يعني أن المستثمر الياباني لم يعد بالضرورة مضطراً إلى تحمّل المخاطر النقدية والاقتصادية الأمريكية من أجل الحصول على عوائد أعلى. وعندما يصبح الاستثمار داخل اليابان أكثر جاذبية، فإن السؤال لم يعد: ما حجم السندات الأمريكية التي ستشتريها اليابان؟ بل: ما حجم رؤوس أموالها التي ستعيدها إلى الداخل؟

وهنا تبدأ مشكلة واشنطن.

إن خروج رؤوس الأموال اليابانية، في حال اتساع نطاقه، لا يعني مجرد تغيير في محافظ الاستثمار؛ بل يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكلفة تمويل الدين الأمريكي، وذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة من الدين والعجز في الموازنة. (أكثر من 40 تريليون دولار من الديون)

والصين تتحرك أيضاً في الاتجاه نفسه، ولكن بأدوات أكثر استراتيجية.

فبكين تعمل تدريجياً على خفض مستوى انكشافها على سندات الخزانة الأمريكية، وبالتزامن مع ذلك تزيد احتياطياتها من الذهب. ولا يمثل هذا الإجراء مجرد تنويع تقليدي في الاحتياطيات الأجنبية، بل يمكن تحليله ضمن إطار أوسع: محاولة للتحرك نحو نظام مالي متعدد الأقطاب وأقل اعتماداً على الدولار الأمريكي.

المعادلة واضحة: كلما انخفضت رغبة البنوك المركزية والمستثمرين الكبار في شراء سندات الخزانة الأمريكية، ارتفعت تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى واشنطن. ومع ارتفاع الدين، تتحول تكلفة خدمة الدين إلى عبء متزايد على الاقتصاد الأمريكي. (ارتفاع أسعار الطاقة يأتي في هذا السياق)

لكن التحدي الرئيسي أمام الولايات المتحدة قد يكون في مكان آخر. فعندما تخرج السيولة التقليدية من الأسواق، يدخل لاعبون أكثر ميلاً إلى المخاطرة لملء هذا الفراغ. ويمكن لصناديق الاستثمار التي تستخدم رافعات مالية ضخمة لشراء أدوات الدين الأمريكية أن تحوّل سوق السندات من مجال للاستثمار إلى ساحة مقامرة عالية المخاطر. (وترامب أيضاً محترف في هذا النقاش) وفي مثل هذه الظروف، يتحول النظام المالي العالمي إلى سلسلة مترابطة من الديون والرهانات المالية؛ وهي سلسلة يمكن لخطأ واحد أو صدمة كبيرة أن ينقل تداعياتها من مؤسسة إلى أخرى، ومن سوق إلى سوق أخرى.

لذلك، فإن السؤال الكبير ليس فقط: هل سترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية أم لا؟

السؤال الأكثر دقة هو: هل بدأت الولايات المتحدة تفقد واحدة من أهم مزاياها التاريخية، أي القدرة على الاقتراض من العالم بشروط تفضيلية، بسبب إصدار العملة الاحتياطية العالمية؟

إذا كانت الإجابة نعم ـ وهي نعم ـ فنحن أمام تحول يتجاوز الاقتصاد ويدخل إلى المجال الجيوسياسي. فالدولار لم يكن مجرد عملة؛ بل كان أداة لممارسة النفوذ، ووسيلة لتمويل العجز في الموازنة الأمريكية، وأداة للضغط عبر العقوبات، وواحداً من أهم مصادر القوة الجيوسياسية لواشنطن.

ومن هنا، فإن الحديث عن «بريتون وودز 3»¹ ليس مجرد عنوان إعلامي. فالفكرة الأساسية هي أن خريطة الثروة والقوة المالية في العالم آخذة في إعادة التصميم، وأن آسيا تريد أن تؤدي دوراً أكبر في صياغة قواعد النظام الجديد.

الصين، واليابان، والذهب، ومجموعة بريكس، واتساع نطاق التعاملات خارج الدولار؛ قد لا يعني أي عنصر من هذه العناصر، بمفرده، انهيار النظام القائم، لكنها عندما تجتمع معاً تكشف عن مسار استراتيجي يستحق اهتماماً جدياً.

ومع ذلك، فإن إعلان «نهاية الدولار» في الظروف الراهنة قد يكون سابقاً لأوانه. لكن علينا أن ننتظر مثل هذا الحدث المهم؛ فعلى الرغم من ذلك، لا يزال الدولار العملة الرئيسية في النظام المالي العالمي، وينبغي انتظار ظهور عملة بديلة موثوقة.

لكن القضية لم تعد: «هل سينهار الدولار غداً أم لا؟».. السؤال الأكثر دقة هو: هل بدأ العالم فعلاً في بناء البديل؟

إذا كانت الإجابة نعم ـ وهي نعم ـ فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول سعر الدولار أو عوائد السندات؛ بل ستكون حول من يمتلك القدرة على تمويل العالم، ومن يحدد قواعد النظام المالي الدولي. إن بريكس منافس جدي للدولار، بطبيعة الحال إذا استطاعت الصمود في مواجهة المؤامرات المالية الأمريكية، ولا سيما عائلة روتشيلد، وفي الوقت نفسه امتلاك إعلام قوي لإقناع الرأي العام بالقبول النفسي ببريكس.

وهكذا تبدأ قصة جديدة: من واشنطن إلى بكين، ومن الدولار إلى الذهب، ومن نظام أحادي المركز نحو عالم متعدد الأقطاب مالياً.

لقد وقع الزلزال الحقيقي، وبدأ انهيار الدولار. والعالم يتخلى تدريجياً عن الدولار باعتباره خياره الوحيد (والتحرك نحو الاحتفاظ بالذهب كاحتياطي)، وقد أصبحت مؤشرات هذا التحول واضحة مع بريكس ومنظمة شنغهاي، ومع انتقال رؤوس الأموال اليابانية من الولايات المتحدة إلى الداخل.
---------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران

مقالات اخرى للكاتب

زلزال في سوق السندات.. هل بدأ العدّ التنازلي لهيمنة الدولار؟