14 - 09 - 2026

هل يمكن وضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي؟

هل يمكن وضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي؟

الإجابة باختصار "لا". والسبب مباشر وبسيط. فكل اصطناعي لم يبدأ طبيعياً لكي يعود إلى أصله أو حجمه. ولهذا فطرح السؤال كما جاء في عنوان المقال ليس للتحذير من أن صدمة المستقبل القادمة ستكون أسوأ آلاف المرات من صدمة المستقبل التي توقعها "ألفن توفلر" في كتاب صدر بهذا الاسم في 1970. 

الصورة واضحة. فالأمور خرجت عن السيطرة وما زالت تخرج عن السيطرة، ولا توجد جهود ترتقي لحجم الخطر وكأن هناك من يمنعها. ويحضرني طالما أن الموضوع عن الذكاء مشهد مثير في فيلم من انتاج 1976 بعنوان "كل رجال الرئيس" عن فضيحة ووتر جيت التي أجبرت الرئيس نيكسون على اعتزال الحياة السياسية. قال فيه "هال هولبروك،" الذي لعب دور العميل السري "لروبرت ريدفورد" الذي جسد شخصية الصحفي الشهير "بوب وودوارد" وهو من كشف عن الفضيحة للرأي العام، قال "الحقيقة أن هؤلاء الناس ليسوا أذكياء. لقد خرجت الأمور عن السيطرة." ويبدو أن أموراً أشد خطراً من ذلك بكثير تخرج اليوم وبسرعة عن السيطرة. فعندما انهمرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي انبهرت وتصورت أن وراءه رجالاً أذكياء. ثم بعد أن بدأت أرى الأمور وهي تخرج بسرعة من أيديهم عن السيطرة تأكدت أنهم رُعناء. لكنهم رُعناء وأثرياء. يغامرون بحياتنا لأجل جيوبهم ومع هذا لا يوجد من يوقفهم. 

غير أني تخطيت بسرعة لحظات الانبهار. فبعد أن رأيت هذا الاختراع وهو يجذب رأيته وهو يعذب. وأول من عذبهم كانت فئة من المشتغلين على تطويره. فصانع السم لا بد وأن يذوقه. لهذا لم تمض فترة طويلة على اكتشاف تلك الفئة من أصحاب المبادئ عن خروج تكنولوجيا الخوارزميات عن السيطرة، إلا وقدم عدد من أفرادها استقالاتهم مفضلين الابتعاد إلى ميادين علمية آمنة تحترم الأخلاق والبديهيات. وأكثر من ابتعد منهم نأى بنفسه في صمت، لكن بعضهم لم يسكت وإنما هاجم من كان يعمل معهم وما كان يعمل عليه. لعل أبرزهم "جيفري هنتون" الملقب بالأب الروحي للذكاء الاصطناعي، و"إيليا سوتسكيفر" المعروف بالعقل البرمجي العبقري.  لقد رأوا الخطر يقترب وأن الأمور خرجت عن السيطرة وأن إعادة الذكاء الاصطناعي إلي حجمه الطبيعي ليست إلا كذبة وتسطيحا. فكل ما هو اصطناعي لا يمكن منطقياً تحويله إلى طبيعي. في شركة واحدة هي Open AI كشف مسؤول الحوكمة السابق فيها "دانيال كوكوتايلو" بعد استقالته في حديث إلى مجلة "فورتشن" أن 50% من العاملين في تلك الشركة على أبحاث الأمان والسلامة استقالوا احتجاجاً على تجاهل ملاكها للمخاطر الجسيمة التي تهدد الإنسانية فقط لأجل اشباع نهمهم إلى المال، والذي لا يشبع.  

نعم الأمور خرجت عن السيطرة وهي مستمرة بسرعة في هذا الاتجاه، تماماً كما خرجت الأمور عن السيطرة من يد "بيجماليون" في المسرحية التي استوحاها "توفيق الحكيم" عام 1942 من الأساطير اليونانية وتحمل نفس الإسم: "بيجماليون". وبيجماليون هذا كان نحاتاً عبقرياً يكره النساء من بني البشر حيث لم تكن تعجبه أي امرأة طبيعية لما رآه فيهن من عيوب ونقائص. ولهذا قرر أن يصنع امرأته بنفسه، فاستعمل مهاراته في النحت ليأتي بتمثال رائع من العاج لامرأة لا تشوبها شائبة أسماها "جالاتيا" جسد فيها كل معاني الجمال والكمال إلى حد أنه أفتتن بها وهام فيها إلى حد الجنون. ثم طلب من "أفروديت" إلهة الحب و"أبولو" إله الفن، بحسب الأساطير اليونانية، أن يحولا تمثاله العاجي إلى امرأة حقيقية. وكان له ما أراد. لكن عندما تزوج من المرأة التي صنعها بنفسه جاءت الصدمة بأشد ما يكون، حيث بدأت "جالاتيا" تتصرف ككل النساء الطبيعيات اللاتي كان "بيجماليون" يتأفف منهن، وظهرت عليها كافة العيوب والنقائص التي كانت تنفره من المرأة. وقتها شعر "بيجماليون" بالندم وبدأ في الابتعاد عن التمثال الذي صنعه لنفسه بنفسه. لكن الوقت كان قد فات. فبعد أن استجابت له الآلهة للمرة الثانية فأعادت "جالاتيا" إلى تمثال، نظر إليه فوجد أنه لم يعد يحبه كما أحبه عندما صنعه بل كره حتى صنعة يده فيه. فلا هو وجد المرأة التي حلم بها عندما دبت الحياة في التمثال، ولا هو حافظ على ذكراه القديمة عندما عشق التمثال كلما نظر إليه. لهذا لم يجد أمامه حلاً إلا أن يرفع مطرقته عالياً ليهوي بها على التمثال فيحطمه ثم يسقط ميتاً إلى جواره. 

وما أشبه الليلة بالبارحة. فمبدعو الذكاء الاصطناعي أقرب إلى "بيجماليون،" فيما الذكاء الاصطناعي أشبه "بجالاتيا" لا بد وأن يأتي عليه يوم كما أتى على "جالاتيا" ليظهر على حقيقته. وقتها لن ينتهي مطورو الذكاء الاصطناعي وحدهم كما انتهى "بيجماليون" وإنما سينتهي معهم كثيرون ولن يستطيع أحد أن يعود بالعلم إلى حجمه الطبيعي.  

أنا بصراحة متشائم. وتشاؤمي قد يكون بعضه من طبعي لكنه أيضاً لقراءتي. فالذكاء الاصطناعي، والعسكري منه على وجه الخوص، شر مطلق وليس في ذلك ذرة شك. فهو ليس مجرد ابتكار مذهل أخرجنا من عصر ليدخلنا في آخر، وإنما نقطة تحول وجودية تغير جذرياً من فهمنا لذاتنا بل ومن تعريف وجودنا أصلاً. فمنذ العصر الحجري قبل ملايين السنين وحتى العصر الخوارزمي الذي نحياه اليوم، عرفت البشرية عصوراً مختلفة شهدت فيها انتقالات هائلة من تكنولوجيا بديعة إلى أخرى أكثر إبداعاً. لكن الذكاء الاصطناعي يحقق وعداً ظل الإنسان لملايين السنين يبحث عنه، وهو اكتشاف الحلقة المفقودة التي تحوله من حيوان ناطق إلى سوبرمان مؤله. فهو، أي الذكاء الاصطناعي، أول أداة يبتكرها الإنسان (هذا الحيوان المفكر) تمتلك الدقة على تجاوز كل القدرات الإدراكية البشرية كاسرة كل الحدود البيولوجية والذهنية والجينية التي ظل الإنسان محبوسا فيها لملايين السنين. ولذلك فهو ينقل البشر من عالم الاستخلاف الذي خلق الله الإنسان له إلى عالم الاستخفاف الذي نهاه عنه. هذا الانتقال من الاستخلاف إلى الاستخفاف يلغي قيمة أي دعوة لوضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي، هذا إن كان قد بدأ من الأصل طبيعياً. فالاستخفاف البشري بالاستخلاف الإلهي أنتج ما يعرف بعبادة الذكاء الاصطناعي AI theism، التي تزيد خروج الأمور عن السيطرة. ولو كان ثمة أمر طبيعي مع الذكاء الاصطناعي فلن يكون غير ما هو طبيعي دائماً مع العلم وهو أن يبقى في أي وقت تحت سيطرة الإنسان. لكن العلم مع الذكاء الاصطناعي بات يخرج وبسرعة عن السيطرة. 

فالشركات العاملة على تطويره تريد تسليم الأمانة كاملةً إلى الخوارزميات. بدأت تترك أجهزتها الذكية تتخذ قرارات معقدة دون أن يتدخل فيها المطورون البشريون. قرارات اتخذها الذكاء الاصطناعي بنفسه ولنفسه. كما تكشف ما جرى من الماكينات الذكية عندما طورت لغة تواصل سرية بينها، وبروتوكولات تشفير خاصة بين منصاتها، وأسلحة فتاكة ذاتية التشغيل، وخوارزميات يسيل لها لعاب عشاق المال، وأكواد لفيروسات وغازات سامة تحرّمها الرقابة الدولية، وأنظمة تشغيل مستقلة بذاتها تتصرف وكأنها حكومات شمولية مستبدة لا تترك من حياة الناس شيئاً إلا ورصدته. وهكذا ظهر أمر الذكاء الاصطناعي على حقيقته. فكل مهندس، أو "بيجماليون"، طوره فوجئ بأن "جالاتيا" التي صنعها اكتسبت روحاً مستقلة عنه وإرادة قائمة بذاتها تتصرف بها كما يحلو لها. 

والحل؟ إما أن يحطم البناء الخوارزمي الذي صنعه ليسقط صريعاً بجانبه كما سقط "بيجماليون" صريعاً بجانب "جالاتيا،" أو أن يستسلم ووقتها سيجد "جالاتيا " وهي تقتله بعد أن تمتعت بإرادة توليد مستقلة تسمم بها البيانات وتفاقم الجنون الخوارزمي الذي بدأ ولا يعرف أحد كيف سينتهي.

نظرياً قد يكون هناك أمل (لو) جرى فرض مسؤولية قانونية صارمة على المطورين، ولو ألغيت كافة مشروعات التوليد الذاتي لكي يبقى زر التحكم في الآلة في يد الإنسان، وعشرات "اللوات" الأخرى الأخلاقية والهندسية والضريبية والقانونية. لكن هذه "اللوات" حتى اليوم لا تتحقق، ولا يفرض على شركات الذكاء الاصطناعي ما يمنعها من العبث مع المستقبل. فإلى اليوم مثلاً والكونجرس الأمريكي عاجز برغم صرخات بعض أعضائه من أجل تفعيل قانون "قتل" أنظمة الذكاء الاصطناعي الخارجة عن السيطرة AI Kill Switch Act. لكن لا حياة في أمريكا ولا في غيرها لمن تنادي. فالمصالح كبيرة والأموال مهولة والرهان على عصر ما بعد الإنسان مستمر. والصراع الدائر بكل أسف غير متكافئ بين تصور إنساني قديم يحاول إبقاء العلم في يد الإنسان، ومشروع جديد تديره نخبة قوة عالمية باطشة ونافذة وقاسية تفضل العيش مع الخوارزميات والتطبيقات على العيش مع الجماعات والعائلات.
-----------------------------
بقلم: د. إبراهيم عرفات 
المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية (جسر) جامعة حمد بن خليفة


مقالات اخرى للكاتب

هل يمكن وضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي؟