15 - 09 - 2026

عبق الزهور الخالد (1) | غلستان الشيخ سعدي

عبق الزهور الخالد (1) | غلستان الشيخ سعدي

غلستان اسم كتاب ألف بالفارسية، لا في عصر قريب، بل قبل نحو سبعة قرون ونصف. ومع هذا البعد الزمني، ما زال اسمه مألوفا لدينا، عذبا على أسماعنا، قريبا إلى نفوسنا، كأن بيننا وبينه صلة قديمة ووشيجة حميمة. على أن مؤلفه ليس من أبناء بلادنا، ولم يزر هذه الديار قط، وإنما ولد في إيران، بمدينة شيراز، مدينة الشعر والورد، وعاصمة فارس القديمة. وفي رياض شيراز الغناء جلس الشاعر الشيخ سعدي يؤلف هذا الكتاب.

وقد صعد غلستان مدارج الزمن الطويلة، وظل إلى يومنا هذا موضع الحفاوة والتقدير في المحفل الذهبي للأدب الفارسي، بل تجاوز التقدير إلى الخلود، وغدا من الآثار التي تتجدد ذكراها ولا يخبو حضورها، حتى أصبح غلستان كالتعويذة المعلقة في أعناق شعراء إيران وأدبائها. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: ما سر هذه الشهرة التي حظي بها غلستان؟ إن سرها كامن في جماله الباطن. فالزهور محبوبة لدى الجميع، ومن ذا الذي لا تنشرح نفسه وتطيب روحه إذا سار بين أزهار البساتين؟ وغلستان الشيخ سعدي بستان من هذا القبيل، فكلمة غل بالفارسية تعني الزهرة، وستان تعني المكان على نحو ما تدل عليه كلمة ستان في البنغالية، فيكون معنى غلستان: حديقة الأزهار.

وحقا، إن غلستان روضة خالدة لا تذبل أزهارها، يسكنها ربيع دائم، وينبعث منها العبير أبدا. بل إن ربيع الحضارة الإنسانية نفسه يستمد عبيره من غلستان سعدي، وبلمساته تتفتح في حديقة الإنسانية أزهار شتى الألوان، وتتعطر النفوس بأريجها، حتى تغدو روضة مزهرة فواحة.

أما الحديقة التي تتوسط فناء دارنا، فإنما تزدان بالأزهار حين يقبل الربيع، ولا يكون ذلك إلا مرة في العام، فإذا أدبر الربيع غاب أريج الزهور، وخبا رونق الحديقة وبهاؤها. أما غلستان فقد أقام فيه الشيخ سعدي من أزهار الحكمة والمواعظ، وفنون البيان والتشبيه، روضة زاهرة يسكنها ربيع دائم، فلا يعتريها ذبول، ولا يخبو نضارها لحظة واحدة. يقرأ المرء غلستان فتحيا روحه، وتسري في قلبه ووجدانه رعشة من السرور الطاهر. وهكذا ظل غلستان بما يفيض به أبدا من جمال الأزهار وعبيرها، يثري الحضارة الإنسانية، كما يثري لغتنا البنغالية الحبيبة. وقد كان الشيخ سعدي نفسه على وعي بهذه الخصيصة الفريدة لغلستان، فقال في مقدمته:

ما حاجتك إلى طبق من الزهور؟

خذ من الغلستان ورقة.

إنما يبقى الورد خمسة أيام أو ستة، أما هذا الروض فسيظل نضيرا أبدا.

صنف غلستان سنة 656هـ، وكان سعدي قد ألف في العام الذي سبقه كتابه بوستان، وهو منظومة شعرية كاملة، ومن عيون الأدب الفارسي وروائعه الخالدة.

أما غلستان، فقد مزج فيه سعدي بين النثر والشعر مزجا بديعا على نحو لم يعرف الأدب الفارسي له نظيرا من قبل. ثم توالت من بعده المحاولات للنسج على منواله، ومن أشهرها بهارستان لعبد الرحمن الجامي غير أن شيئا منها لم يبلغ شأو غلستان أو يرق إلى منزلته، بل لم يدن منه إلا بهارستان. 

ولـغلستان أسلوب آسر، عذب سلس، متدفق نابض بالحياة، ففي نثره وشعره جرس يتردد في ثنايا الألفاظ، وأمواج من المعاني، وفيض من البهجة، وكنوز من الحكم والحقائق. فإذا قرأت نثر سعدي خيل إليك أن شعرا في الدنيا لا يستطيع أن يجاريه أو يبلغ مداه، فإذا طالعت ما نثره بين تضاعيف ذلك النثر من الأبيات والمقطوعات الشعرية البديعة، بدا لك أن غلستان حطم الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر. وكل جملة فيه، وكل لفظ، وكل بيت جدير بأن يحفظ ويستظهر. ومن هنا جرت عبارات غلستان على ألسنة الإيرانيين، وصارت أقوال سعدي حاضرة في أحاديثهم يستشهدون بها كلما سنحت المناسبة. ففي كل جملة من جمل غلستان معين لا ينضب من العلم والحكمة والموعظة. في أخريات حياة الشيخ سعدي رحمه الله صاغ خلاصة أسفاره الطويلة وعصارة تجاربه المتراكمة، وأودعها في غلستان وبوستان إرثا للإنسانية، لا يزال صداهما خالدا، وجاذبيتهما باقية على تعاقب الأزمان. ويرى الباحثون أن غلستان معلم فارق في تاريخ اللغة الفارسية وآدابها. فمنذ أن انتقلت الفارسية عن طور اللغة البهلوية القديمة، ظلت محتفظة بنضارتها وحيويتها وشبابها المتجدد. ومنذ أن نظم الفردوسي الشاهنامة، لم تعرف الفارسية على امتداد ألف عام تحولا جوهريا، فقد حالت دون ذلك مئات المصنفات من أمثال غلستان وبوستان والمثنوي وديوان حافظ.

ولهذا، إذا طالعت كتابا فارسيا مضى على تأليفه ألف عام، خيل إليك أنك تقرأ كتابا حديثا معاصرا، لم يمض على صدوره زمن. وهذه حقيقة تصدق تمام الصدق، على الأقل، في المثنوي وغلستان وبوستان وديوان حافظ، وفي مؤلفات نظامي والجامي. لا مراء في أن لهذه المصنفات وهؤلاء الأعلام فضلا لا يقدر بثمن، وأثرا لا ينسى في صون أصالة اللغة الفارسية والحفاظ على خصوصيتها وهويتها. وقد شهدت الفارسية في بعض مراحلها محاولات غير قليلة لتخليصها من غلبة العربية وفصلها عن المصطلحات الإسلامية غير أن غلستان ظل كالشجرة الراسخة الباسقة، يحول دون تحقق تلك المساعي، إذ لا يتصور أدب فارسي يقصى عنه غلستان، وفي تضاعيفه كنوز لا تنفد من العربية والتعاليم الإسلامية والقيم الأخلاقية.

وكما مزج نظرل في البنغالية بين الفارسية والعربية مزجا بديعا آسرا للقلوب، مزج الشيخ سعدي على نحو أشد سحرا وروعة، تعاليم القرآن والحديث وذخيرتهما اللفظية باللغة الفارسية. وهكذا، إذ احتضنت الفارسية في صميمها رسالة توحيد الله الخالدة وتعاليمه، غدت ثابتة لا تتبدل، وباقية لا تفنى. ومن هذا المنطلق، يحق لغلستان، كذلك أن يطمح إلى البقاء متربعا على عرش الأدب العالمي إلى قيام الساعة. ويدرس غلستان في بلادنا أيضا في المدارس الدينية، بل في الصفوف الدراسية الدنيا. ومن ثم فإن الطلاب الذين لم يرزقوا حظا من الذوق الأدبي والحس البلاغي لا يكادون يدركون شيئا من عذوبة غلستان وروعة بيانها، كأنما زفت عروس حسناء في أبهى زينتها إلى فتى غض لا يزال بعيدا عن إدراك أسرار الجمال ومواطن الفتنة.

وفي بلادنا لا يشرح في المدارس الدينية من غلستان إلا بعض حكاياتها في أثناء الدروس، وحتى هذا التقليد آخذ اليوم في الاندثار. على أن كل جملة من جمل هذا الكتاب، وكل معنى من معانيه التربوية، ينطوي على سحر خالد وأثر لا يبلى، لا يتيسر إدراكهما ولا نقلهما إلى الآخرين إلا لمن أوتي بصيرة بالأدب وذوقا في أسراره. ومن هنا تدرس غلستان في إيران لطلاب الأدب الفارسي وطالباته في المرحلة الجامعية. وقد نسق الشيخ سعدي غلستان في ثمانية أبواب مستحضرا عدد الجنات الثماني. ويسبق هذه الأبواب مقدمة تسمى بالفارسية ديباجة، تمتد في ست عشرة صفحة. استهلها بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم بمدح الرسول الكريم ﷺ، وأعقب ذلك ببيان الظروف التي أحاطت بتأليف غلستان إلى جانب طائفة نفيسة من الوصايا والمواعظ. ثم يأتي الباب الأول ممتدا من الصفحة السابعة عشرة إلى السادسة والستين، بعنوان في سيرة الملوك. وقد عاش الشيخ سعدي رحمه الله في عصر كان نظم الشعر وتعاطي الأدب فيه يعنيان في الغالب الإغراق في مدح الملوك والسلاطين والتزلف إليهم، وكان التفوه بأدنى كلمة في نقد الحكام أشبه بتقديم العنق لحد السيف. وفي خضم ذلك العصر، شق الشيخ سعدي بقلمه الحاد مسلكا فريدا في نقد الملوك وتقويمهم، فكان يصور بأسلوب عذب الأسباب التي أفضت إلى هلاك ملوك الماضين وهزيمتهم، ويقرن ذلك بالإشادة بالملوك العادلين ليتيح من خلال هذا الأسلوب لحكام عصره ومن يأتي بعدهم سبيلا إلى الإصلاح والتقويم.
----------------------------------
بقلم: د. محمد عيسى شاهدي
* ترجمة:
أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

عبق الزهور الخالد (1) | غلستان الشيخ سعدي