زمان، حين كنا فى مرحلة التعليم الأساسى، كان النشيد الوطنى مقدسا فى طابور الصباح، لذا خرجنا نحفظ النشيد الوطنى عن ظهر قلب "بلادى بلادى لك حبي وفؤادي"، و فى أثناء حصة الالعاب، قبل بدء الحصة نقوم بقيادة مدرس الحصة بتنظيف ما حول المدرسة من قمامة وورق، ونتخلص منها إما بحرقها أو وضعها فى سلة المهملات.
لو نظرنا إلى مغزى هذا، كان الهدف زرع روح الانتماء والاعتناء بنظافة مكانك، سواء كان فصل الدرس أو محيط المدرسة، وحغظ النشيد الوطنى يزرع فيك قيمة حب الوطن والشموخ أثناء ترديده والخشوع كأنه صلاة.
وأنا يتملكني الغيظ والخجل عندما أرى فى المباريات الدولية كل لاعبي فرق الدول يرددون أناشيد بلادهم، بينما اللاعب المصري "عامل زى الخايبة اللى كبت طحينها"، إنها خيبة قوية فنادرا ما تجد لاعبا صوته يجلجل وهو يردد نشيد وطنه، لأنه لم يتعلمه منذ الصغر فى مدرسة أو قبل تمرين وهو طفل ليقوله.
ومغزى أن يقوم التلميذ بتنظيف فصله وما حول المدرسة هو تزكية روح الانتماء للمكان ووضع القمامة فى السلة يعلمه السلوك الحضاري، وبالعمل على نظافة مدرستة يرسخ في نفسه انتماء للوطن الأكبر والمكان الأكبر.
أشعر بالحزن الشديد أن رجلا (أو امرأة) أثناء ذهابه فى الصباحات إلى عمله يحمل أكياسا من القمامة يلقي بها على الطريق الدائرى او قريبا منه حتى باتت السلالم مقالب للزبالة، رغم أن الدائري معبر للجميع، ربما يكون من بينهم شخصيات دولية مهمة أو سياحا، ويرون منظرا مقززا كهذا.
هل الدولة مسؤولة؟ نعم هى مسؤولة.. فعندما تكون الموسيقي البديلة عن النشيد الوطني فى طابور الصباح على مدار سنوات، موسيقى الأغانى التافهة التى ربما تؤدى لهز الوسط، إذا لامكان لنخوة نشيد الوطن فى القلوب والحناجر.
هل الدولة مسؤولة عن عدم الانتماء للمكان؟ أي نعم مسؤولة عن عدم الانتماء للمكان، علينا أن نسأل كم تحصل الدولة من المواطن وأصحاب المحلات رسوم نظافة على فاتورة الكهرباء؟ وكم تلهف تلك الشركات التى تحمل اسم شركة نظافة ولايوجد منها عامل واحد، يوحد ربنا، يمر على محل أو بيت يأخذ القمامة باعتبار أن المواطن يدفع رسومها من دم قلبه وقوت أولاده وهى رسوم مبالغ فيها شهريا دون فعل. وبما أن المواطن لا عارف يقضيها منين ولامنين وليس لديه القدرة للدفع مرة أخرى لجامع القمامة الخاص الذى هو له كل احترام ويبذل قصارى جهده بجنيهات قليلة شهريا بالمرور مرتين أو مرة كل أسبوع ليأخذ القمامة، ترسخ داخل المواطن منطق الانتقام وعدم الانتماء للمكان.
زلم يعد أمام صاحب بيت أو محل إلا أن يلقي بقمامته فى طريق عام أو على الدائرى معتنقا لمبدأ "بتاخدوا فلوسنا دون فعل بتحصيلكم رسوم نظافة طيب أنا سأرمى فى أي مكان حتى لو كان الطريق العام أو الدائرى"
وعندما تهمل نظافة مكانك فأنت فقدت الانتماء للمكان، ولا أدرى كيف لطرق أنفقت عليها الدولة المليارات يمر عليها القاصى والدانى، وماذا لو مر وفد رسمى أو جروب سياحى على إحدى هذه الطرق، كيف يكون المنظر؟
أزعم أن العيب ليس فى المواطن، انما العيب هو فى عدم مساعدته على تعديل سلوكه بتوفير سبل ذلك.
كيف نعلم الطفل السلوك القويم منذ البدايات وتزرع فكرة الانتماء بأبسط الاشياء مثل حمل ورقة ليلقيها فى سلة المهملات، كيف تعلمه أن يزرع شجرة أمام بيته. وهم يقطعون الأشجار؟
ما أحوجنا لإعلانات وأفعال ترشد الإنسان إلى السلوك السليم.
--------------------------------
بقلم: سيد يونس






