14 - 09 - 2026

تعدد زوجات النبي ﷺ وحيرة الغرب

تعدد زوجات النبي ﷺ وحيرة الغرب

يطلق وصف المستشرقين على طائفة من علماء الغرب ومفكريه الذين ذاع صيتهم بدراسة الإسلام، وسيرة النبي محمد ﷺ، واللغتين العربية والفارسية. وقد سخر المستشرقون قدرا كبيرا من طاقاتهم العلمية والفكرية للبحث عما يعدونه مواطن نقص ومآخذ في الإسلام.

ومن أكثر جوانب السيرة النبوية التي وجدوا فيها مجالا للنقد وإثارة الجدل تعدد زوجات النبي ﷺ، وزواجه في سن متقدمة من فتاة صغيرة السن. ومن الثابت أن عدد زوجات رسول الله ﷺ بلغ إحدى عشرة زوجة، وأن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت صغيرة السن حين دخلت في عقد الزواج مع رسول الله ﷺ.

وفي مقاربة هذه المسألة، ينبغي ابتداء أن نضع في الاعتبار أن الزواج رابطة اجتماعية، وأن ننظر إلى المكانة التي يحتلها في أعراف كل مجتمع وموازينه. ففي العالم الغربي لا يعد عيبا أن تعيش المرأة مع عدد من الرجال في إطار المساكنة، بل إن دولا كثيرة أضفت الشرعية على الممارسات الجنسية المثلية بما تمثله من امتهان بالغ للحضارة الإنسانية، ثم هي ذاتها تستنكر الزواج بأكثر من امرأة، وتصفه بأنه غير مشروع ومستهجن. أما في المجتمع العربي، فلا يزال تعدد الزوجات إلى اليوم أمرا لا ينظر إليه بوصفه عيبا أو مذمة. وكان الأمر أشد وضوحا عند ظهور الإسلام، إذ كانت المرأة تعاني آنذاك من اضطهاد بالغ، حتى إن المولودة الأنثى كانت تدفن حية في التراب. وفي مجتمع عربي أنهكته الحروب، كان أولياء الأمور يعيشون قلقا شديدا على أمن النساء وسلامتهن، كما كانت المرأة تعد عبئا اقتصاديا على الأسرة.

وثمة أمر ثان جدير بالنظر: متى تتجلى نزعة الشهوة الجامحة أو الميل إلى الانفلات الجنسي لدى الإنسان إن كان متصفا بهما؟ لا شك أن مظاهر ذلك تبدو في عهد الشباب في العشرين أو الخامسة والعشرين أو الأربعين من العمر، أما بعد الأربعين، فإن جذوة الشباب تأخذ في الخفوت، وفورته تمضي إلى الانحسار، وتلك طبيعة بشرية. وفي ضوء هذه الحقيقة، ننظر في مقولات طائفة من المستشرقين حول الحياة الزوجية للنبي ﷺ لنتبين مدى صدقها.

١. كان النبي ﷺ في الخامسة والعشرين من عمره شابا في عنفوان شبابه حين تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها، وكانت من ثريات نساء العرب وذوات العلم منهن. وقد تم هذا الزواج بمبادرة منها وترتيب من الأسرة، وكان عمرها يومئذ أربعين عاما، وكانت أرملة لها ولدان من زوجها الأول، وولد من زوجها الثاني. ونسأل المستشرقين الحاقدين: لو صح ما تتخيلونه في شخصية النبي ﷺ مما تنسجه أوهام نفوسكم الملوثة، أفكان محمد ﷺ، ذلك الشاب القرشي النبيل، ابن الخامسة والعشرين، المنتمي إلى بني هاشم، وابن أخي أبي طالب سيد بني هاشم، يختار زوجة في الأربعين من عمرها، سبق لها أن عاشت حياة زوجية مع رجلين؟

ولقد عرض عليه زعماء قريش مرارا أن يزوجوه أجمل نساء العرب إن أراد، على أن يكف عن الدعوة إلى الدين الجديد وترك دين آبائهم وأجدادهم، أفلم يرفض ذلك العرض؟

وفي السنة العاشرة من البعثة توفيت السيدة خديجة رضي الله عنها، وكان النبي ﷺ قد بلغ الخمسين من عمره، وكانت خديجة في الخامسة والستين. وعلى مدى خمسة وعشرين عاما كاملة، لم يتزوج رسول الله ﷺ امرأة غيرها. وعاش معها حياة زوجية غمرتها السكينة، ورزقهما الله ولدين: القاسم وعبد الله، وأربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

ونقول للطاعنين في النبي ﷺ: فبم تفسرون هذا الفصل من سيرته وحياته الزوجية؟

٢. وينبغي أن يظل حاضرا في الأذهان أن زوجات النبي ﷺ جميعا أمهات للمؤمنين بنص القرآن الكريم. وبعد وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وحين اعترى بيت النبي ﷺ شيء من التعثر أشار عليه المقربون منه أن يتزوج سودة بنت زمعة رضي الله عنها، وهي أرملة عادت من هجرتها إلى الحبشة. فقد توفي زوجها السكران بن عمرو بعد وصوله إلى مكة، فغدت سودة بما عرفت به من صلاح وتمسك بالدين، تخشى أن ينالها الأذى من قومها الكافرين المشركين. وكان النبي ﷺ وسودة رضي الله عنها عند زواجهما في الخمسين من العمر. وتوفيت سودة رضي الله عنها سنة تسع عشرة للهجرة، وهي في الثالثة والستين بعد حياة زوجية مع النبي ﷺ امتدت أربعة عشر عاما.

فإن كان في تصوراتكم الملوثة ذرة من الحقيقة، فقولوا لنا: أما كان يستطيع يومئذ أن يتزوج امرأة في نضرة شبابها وريعان صباها؟

٣. بدأ نزول الوحي على النبي ﷺ وهو في الأربعين من عمره، ومنذ ذلك الحين كان جبريل عليه السلام يتنزل عليه بوحي الله تعالى. وقد أراه ذات مرة في المنام صورة ملفوفة في ثوب، وقال له: هذه زوجتك. وكانت الصورة لابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ذلك القرشي النبيل الذي حاز شرف السبق إلى الإيمان بالنبي ﷺ والتصديق بنبوته. وكان عمرها يومئذ ست سنوات. ولم تكن أم المؤمنين في تلك السن مهيأة للانتقال إلى بيت الزوجية، ومن ثم كان الأجدر أن ينظر إلى ذلك بوصفه ارتباطا أشبه بالخطبة، فقد عقد عليها قبل الهجرة بثلاث سنوات، ولم تنتقل إلى بيت النبي ﷺ إلا بعد الهجرة. ولو كان في مزاعم المفترين أدنى نصيب من الحقيقة، أفكان يعقد زواجه على طفلة صغيرة؟ وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة، حين بلغ النبي ﷺ الثالثة والخمسين من عمره غادر مكة مهاجرا إلى المدينة المنورة. وحتى بلغ النبي ﷺ الثالثة والخمسين من عمره، لم يكن في بيته إلا زوجة واحدة. وفي السنة الأولى للهجرة، وبطلب من أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه، انتقلت أمنا عائشة رضي الله عنها إلى بيت النبي ﷺ، وكان عمرها يومئذ تسع سنوات. وقد امتدت حياتها الزوجية معه ﷺ تسع سنوات، ثم توفيت سنة سبع وخمسين للهجرة عن ثلاث وستين سنة. وأما أمهات المؤمنين الجليلات اللاتي دخلن بيت النبوة بعد عائشة رضي الله عنها، فقد كن متقدمات في السن وأرامل. وكانت وراء زواجه ﷺ بهن اعتبارات شتى، دينية وسياسية فضلا عن مراعاة تجنب الحروب والنزاعات.

٤. كانت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ابنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما توفي زوجها بعد غزوة بدر ساور عمر رضي الله عنه قلق شديد على ابنته لما تقتضيه أوضاع المجتمع العربي آنذاك من التفكير في أمن المرأة ومكانتها الاجتماعية ومستقبلها.

فعرض عمر رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه أن يتزوج حفصة، فلما اعتذر عثمان، مضى عمر، وقد وجد في نفسه إلى أبي بكر رضي الله عنه، فعرضها عليه غير أن أبا بكر لزم الصمت ولم يجبه بجواب. فحمل عمر رضي الله عنه ما في نفسه إلى رسول الله ﷺ، غير أن قضاء الله كان قد اختط للحادثة مسارا آخر.

فتزوج النبي ﷺ حفصة رضي الله عنها، وأكرمها بمكانة الزوجة، فسكن بذلك قلق عمر رضي الله عنه، وربط قبيلة عدي العربية العريقة بوشيجة المصاهرة.

وكان ذلك في السنة الثالثة للهجرة، وكانت حفصة رضي الله عنها يومئذ في الثانية والعشرين من عمرها، وكان النبي ﷺ في الخامسة والخمسين. وتوفيت رضي الله عنها سنة إحدى وأربعين للهجرة عن تسع وخمسين سنة بعد حياة زوجية مع النبي ﷺ امتدت ثماني سنوات.

ومن قصة حفصة رضي الله عنها يتبين أن إيواء النساء اللاتي فقدن السند والمأوى كان أحد الأسباب والحكم التي وقفت وراء تعدد زوجات النبي ﷺ.

٥. وفي السنة نفسها، سنة ثلاث للهجرة، تزوج النبي ﷺ أمنا زينب بنت خزيمة رضي الله عنها. وكانت قد عاشت من قبل في كنف زوجين، فلما استشهد زوجها الثاني في غزوة أحد، وجدت نفسها وحيدة بلا سند ولا مأوى. وقد عرفت في مجتمعها بسخائها وكرمها حتى اشتهرت بلقب أم المساكين.

وكانت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها في الثلاثين من عمرها حين تزوجها النبي ﷺ في السنة الثالثة للهجرة، وكان ﷺ يومئذ في الخامسة والخمسين. ولم تمتد حياتها الزوجية معه إلا ثمانية أشهر، ثم توفيت وهي في الثلاثين من عمرها.

وهنا يحق لنا أن نسأل: أليس التماس مطعن أخلاقي في مثل هذه الزيجات في حياة أعظم إنسان على مر العصور دليلا على اختلال الذوق؟

٦. أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية رضي الله عنها هاجرت بصحبة زوجها إلى الحبشة. وبعد عودتها إلى المدينة، أصيب زوجها في غزوة أحد بجراح بالغة، ثم استشهد متأثرا بها. فوجدت أم سلمة نفسها، وقد تقدمت بها السن وحيدة لا سند لها، وبين يديها عدد من الأطفال اليتامى.

وفي السنة الرابعة للهجرة تزوج النبي ﷺ أم سلمة رضي الله عنها وهي أرملة، وكان كل منهما يومئذ في السادسة والخمسين من العمر. وتوفيت رضي الله عنها سنة ستين للهجرة عن ثمانين عاما بعد حياة زوجية مع النبي ﷺ امتدت سبع سنوات.

٧. أما زينب بنت جحش رضي الله عنها، ابنة عمة النبي ﷺ، فقد تزوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، الذي كان ابن النبي ﷺ بالتبني. ولم تكن زينب منذ البداية راغبة في هذا الزواج، ثم تم الزواج غير أن حياتهما الزوجية لم تستقم. فجاء زيد رضي الله عنه إلى النبي ﷺ يستأذنه في طلاق زينب، فأشار عليه أن يمسكها ويسعى إلى التفاهم معها، إلا أن الفراق وقع بينهما في نهاية المطاف.

وعندئذ نزلت آية من القرآن الكريم تفيد أن الله تعالى قد زوج النبي ﷺ زينب. وكانت زينب رضي الله عنها تقول بين أمهات المؤمنين: إن زواجها قد عقد في السماء. وبهذا الزواج طويت صفحة عادة جاهلية كانت متجذرة في المجتمع العربي، فقد كان العرب، كما يحرمون الزواج من زوجة الابن الصلبي يعدون الزواج من مطلقة الابن بالتبني محرما كذلك. فلما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش رضي الله عنها في السنة الخامسة للهجرة اقتلعت تلك العادة من جذورها. وكانت زينب يومئذ في السادسة والثلاثين من عمرها، وكان النبي ﷺ في السابعة والخمسين. وتوفيت رضي الله عنها سنة خمس وعشرين للهجرة عن إحدى وخمسين سنة بعد أن عاشت في بيت النبوة ست سنوات.

٨. وفي السنة الخامسة أو السادسة للهجرة، دخلت بيت النبوة أمنا جويرية بنت الحارث رضي الله عنها. وكانت هي الأخرى أرملة، قد بلغت الثلاثين من عمرها، وكان النبي ﷺ يومئذ في السابعة والخمسين. وعاشت معه ﷺ ست سنوات، ثم توفيت سنة ست وخمسين للهجرة عن إحدى وسبعين سنة. وكانت جويرية رضي الله عنها ابنة سيد بني المصطلق، وهي قبيلة مجاورة للمدينة، دخلت في حرب مع النبي الكريم ﷺ. فكانت الهزيمة من نصيب بني المصطلق، ووقع عدد منهم في الأسر. ووفقا لما كان جاريا في ذلك العهد، وزع الأسرى بوصفهم رقيقا، فكانت جويرية رضي الله عنها من نصيب ثابت بن قيس الأنصاري بعد أن قتل زوجها في الحرب. فعقدت معه اتفاقا على أن تفتدي نفسها بالمال، ثم قصدت النبي ﷺ مستعينة به على أداء فدائها. فأعانها النبي ﷺ ماليا، وهيأ لها سبيل التحرر من الرق، ثم أكرمها بأن جعلها زوجة له. وما إن شاع خبر زواجها من النبي ﷺ حتى بادر المسلمون إلى عتق جميع من كان في أيديهم من أسرى بني المصطلق. وحمل المعتقون خبر ذلك إلى ديار قومهم، فكان من آثار هذه الحادثة أن دخلت قبيلة بني المصطلق بأسرها في ظل الإسلام. وهكذا غدا هذا الزواج سبيلا إلى تحرير الأسرى، وجسرا إلى السلام والوئام بين القبائل. فأين يجد الحاقدون في هذا كله موضعا يغذي تصوراتهم الملوثة؟

٩. أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة ـ إثيوبيا ـ فرارا بدينها من أذى مشركي مكة. وهناك اعتنق زوجها النصرانية وارتد عن الإسلام، أما هي فظلت راسخة على إيمانها ثابتة على دينها. وبطلب من النبي ﷺ تولى النجاشي هناك أمر تزويجها منه نائبا عنه. وفي رواية أخرى، أن النبي ﷺ عقد عليها وآواها بعد عودتها إلى المدينة في السنة السادسة للهجرة. وكانت يومئذ في السادسة والثلاثين من عمرها، وكان النبي ﷺ في الثامنة والخمسين. وقد امتدت حياتها الزوجية معه ﷺ ست سنوات، ثم توفيت سنة أربع وأربعين للهجرة عن ثلاث وسبعين سنة. وكان لهذا الزواج من ابنة أبي سفيان، زعيم قريش في مكة وأحد أبرز خصوم النبي ﷺ أثر بالغ في طي صفحة العداوة الطويلة مع قريش.

١٠. وفي السنة السابعة للهجرة، تزوج النبي ﷺ أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها، وكانت أرملة في السابعة عشرة من عمرها، وكان النبي ﷺ يومئذ في التاسعة والخمسين. وتوفيت رضي الله عنها سنة خمسين للهجرة عن خمسين عاما. وكانت صفية رضي الله عنها من يهود بني النضير، وقد وقعت في أسر المسلمين في غزوة خيبر بعد أن قتل زوجها في الحرب. فأعتقها النبي ﷺ، وأكرمها بأن جعلها زوجة له. وكان من آثار هذا الزواج أن أطلق سراح جميع أسرى قومها، وتهيأت الأرضية لإنهاء عداوة طال أمدها مع اليهود، كما دخل كثير من بني النضير في الإسلام. وهكذا لا يبقى في هذا الزواج أيضا مجال لتأويله بسوء القصد أو حمله على غرض مشبوه.

١١. وفي السنة السابعة للهجرة، تزوج النبي ﷺ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، وكانت قد عاشت قبل ذلك في كنف زوجين. وهي أخت زوجة العباس رضي الله عنه، عم النبي ﷺ. وفي السنة السابعة للهجرة، لما قدم النبي ﷺ إلى مكة لأداء عمرة القضاء، تزوجها باقتراح من العباس رضي الله عنه. وكانت ميمونة رضي الله عنها يومئذ في السادسة والثلاثين من عمرها، وكان النبي ﷺ قد بلغ التاسعة والخمسين.

وتوفيت رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين للهجرة عن ثمانين عاما بعد أن عاشت في بيت النبوة ثلاث سنوات. وكان زواجه ﷺ منها آخر زواجه، فلم يتزوج بعدها امرأة أخرى.
----------------------------------------
بقلم: د. محمد عيسى الشاهدي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

تعدد زوجات النبي ﷺ وحيرة الغرب