شهد اليوم السادس من فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، أمس الأحد 6 سبتمبر، برنامجًا حافلًا بالعروض المسرحية واللقاءات الفكرية والجلسات الحوارية، عكس اتساع مفهوم التجريب داخل المهرجان، فلم يقتصر على البحث عن أشكال مسرحية جديدة، وإنما امتد إلى مساءلة علاقة الفن بالاقتصاد، وإعادة قراءة تجارب رواد المسرح، ومناقشة آليات برمجة المهرجانات الدولية، إلى جانب فتح قنوات للتواصل بين الفنانين والمؤسسات الثقافية والأسواق الفنية العالمية.
وجاء اليوم السادس ليؤكد أن التجريب، كما تقدمه الدورة الحالية، ليس مجرد مغامرة شكلية أو بحث عن لغة بصرية مختلفة، وإنما مساحة واسعة للتفكير في الإنسان والمجتمع والمؤسسات والسلطة والذاكرة، وهو ما ظهر بوضوح في تنوع فعاليات اليوم بين عرض سويسري عريق يحتفل بمرور 35 عامًا على انطلاقه، وتجربة إماراتية تبحث في أعماق النفس البشرية، وعرض مصري يتأمل مفهوم النجاة وآثار الصدمة، إلى جانب مجموعة من الندوات التي ناقشت علاقة التجريب بالرأسمالية، وصناعة البرامج الفنية، ودور المؤسسات الثقافية الدولية، واستعادة سيرة أحد أبرز أساتذة المسرح المصري والعربي، المخرج سعد أردش.

"إيكارو" .. 35 عامًا من البحث عن الأمل
استضاف مسرح الجمهورية أمس العرض السويسري الشهير «إيكارو»، ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو العمل الذي قدمه الكاتب والمخرج والممثل السويسري الإيطالي دانييلي فينزي باسكا، مؤسس فرقة Compagnia Finzi Pasca، وأحد الأسماء المؤثرة في المسرح العالمي وفنون الأداء المعاصرة.
وجاء تقديم «إيكارو» في القاهرة في إطار التعاون بين مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعهد السويسري بالقاهرة «برو هيلفيتسيا»، الذي أكد دعمه للتبادل الثقافي بين سويسرا ومصر، فيما قدم العرض يومي 5 و6 سبتمبر ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين.
واكتسبت مشاركة «إيكارو» أهمية خاصة لكون العرض احتفل خلال عام 2026 بمرور 35 عامًا على انطلاقه، بعدما بدأت رحلته العالمية من مدينة ميلانو الإيطالية عام 1991. وخلال أكثر من ثلاثة عقود، تحول العمل إلى تجربة مسرحية عابرة للحدود والثقافات واللغات، حيث قدم حتى الآن 803 عروض، وجال في 128 مدينة داخل 25 دولة، وشاهده أكثر من 280 ألف متفرج.
وقدمت المونودراما تجربة حميمة تقوم على العلاقة المباشرة بين المؤدي والجمهور، وتتناول مفاهيم الأمل والهروب والحرية والحلم، من خلال شخصية بعيدة عن صورة البطل التقليدي، بما يتيح للمتلقي أن يرى شيئًا من ذاته داخل التجربة.
وانطلق فينزي باسكا في رؤيته للعمل من فكرة الأمل، ومن أبطال غير تقليديين يشبهون البشر في ضعفهم وأحلامهم ومحاولاتهم المستمرة للخلاص. كما منح مفهوم «الهروب» مساحة مركزية، لا باعتباره فرارًا من الواقع، وإنما بوصفه وسيلة للتوغل داخله واكتشاف ما تخفيه المظاهر، والبحث عن إمكانات جديدة للحياة وابتكار «يوتوبيا» مختلفة.
واستندت تجربة «إيكارو» إلى لغة تجمع المسرح والحركة والصورة والخيال، وهي السمات التي ارتبطت بتجربة فينزي باسكا الفنية، التي امتدت كذلك إلى السيرك المعاصر والأوبرا وفنون الأداء. ومن أبرز محطاته الدولية تعاونه مع Cirque du Soleil، حيث كتب وأخرج عرض «Corteo» عام 2005.
وحملت رحلة «إيكارو» إلى القاهرة سؤالًا إنسانيًا بسيطًا ومتجددًا حول قدرة الإنسان على الحلم بالتحليق رغم القيود، لتصبح مشاركة العمل في المهرجان امتدادًا لرحلة طويلة استطاعت خلالها التجربة أن تتجاوز اللغة والجغرافيا، وأن تحتفظ بحضورها على الخشبة لأكثر من ثلاثة عقود.

"غياهب الروح" .. البحث عن الخلاص ومواجهة عتمة الداخل
وعلى مسرح السامر، شهدت فعاليات اليوم السادس تقديم العرض الإماراتي «غياهب الروح» ضمن المسابقة الرسمية، في حضور فني إماراتي فتح مساحة للحوار بين التجارب المسرحية العربية.
جاء العرض من تأليف عبدالله إسماعيل عبدالله، وإنتاج جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، وإخراج عبدالرحمن الملا، وانطلق من أسئلة الخوف والخلاص والطاعة، متجهًا إلى أعماق النفس البشرية وما تختزنه من صراعات.
وأوضح المخرج عبدالرحمن الملا أن «غياهب الروح» انطلقت من سؤال إنساني عميق حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الإنسان في بحثه عن الخلاص قبل أن يكتشف أنه تحول إلى قربان. وقدم العمل رحلة داخل عالم تستغل فيه المخاوف والحاجة إلى الأمان، وتُقدَّم فيه القرابين لمن يتاجرون بضعف الآخرين ويوهمونهم بأن الخلاص لا يتحقق إلا بالخضوع والتضحية.
ولم تكن «الغياهب» في العرض مجرد ظلمة مكانية، وإنما امتدت إلى العتمة الكامنة داخل الروح، حيث تتصارع المخاوف والشعور بالذنب والرغبة في النجاح. واعتمد فريق العمل على لغة مسرحية قائمة على الرمز والصورة والحركة، بهدف الاقتراب من المناطق الخفية في النفس البشرية، وطرح أسئلة لا تمنح الجمهور إجابات جاهزة، وإنما تدفعه إلى التأمل وإعادة اكتشاف ذاته.
وأكد المؤلف عبدالله إسماعيل أن العرض لم يكن حكاية عن قرية بعيدة بقدر ما كان محاولة للغوص في المساحات المعتمة داخل الإنسان، حيث يتداخل الخوف بالطاعة، والإيمان بالوهم، والصمت بالنجاة. وأشار إلى أن النص وضع المتلقي أمام أسئلة تتعلق بالخوف والطاعة والضمير، وباللحظة التي يتحول فيها الصمت إلى مشاركة، ويصبح الوقوف في وجه المألوف ثمنًا لا بد أن يدفعه أحد.
ورأى إسماعيل أن النص المسرحي يبدأ حياة جديدة بمجرد مغادرته يد الكاتب ووصوله إلى الخشبة، وهو ما حدث مع «غياهب الروح» في رؤية المخرج عبدالرحمن الملا، الذي تعامل مع الرموز والمساحات البصرية باعتبارها احتمالات مفتوحة أمام المسرح التجريبي.
وجاءت مشاركة «غياهب الروح» في المهرجان بوصفها محطة فنية مهمة للملا، الذي كانت هذه مشاركته الثالثة في المهرجان، مؤكدًا أهمية المهرجان في فتح مساحات للتجريب والحوار وتبادل الخبرات بين التجارب المسرحية المختلفة.

"بماذا يحلم الناجون" .. الصدمة تتحول إلى لغة بصرية
وفي مسرح الهناجر، قدم العرض المصري «بماذا يحلم الناجون» ضمن المسابقة الرسمية، في تجربة بصرية وأدائية تناولت مفهوم النجاة وآثار الصدمة النفسية من خلال مزيج من الأداء الحي والفيلم والسينوغرافيا التفاعلية.
وأكدت المخرجة سماح حمدي أن العرض تعامل مع النجاة باعتبارها حالة إنسانية مركبة تتداخل فيها الصدمة والمعاناة مع الرغبة في الخلاص، وجسد الصراع الداخلي الذي يواجهه الإنسان وهو يحاول تجاوز الماضي والبحث عن معنى جديد وسط عالم مليء بالفوضى.
كما تناول العرض أزمة الهوية التي يعيشها الناجون بعد التجارب الصادمة، بين ما كانوا عليه قبل التجربة وما أصبحوا عليه بعدها، واستند بصريًا وإنسانيًا إلى صور الناجين من حرب غزة، باعتبارها إحدى الركائز التي استحضرت أثر الصدمة ودعت المتلقي إلى التأمل في معنى النجاة.
ولم يعتمد العرض على نص درامي تقليدي، وإنما تشكل من بنية بصرية سريالية تفاعلت فيها عدة عناصر، في مقدمتها فيلم بصري، وأداء حي قائم على تكوين صور جسدية مرتبطة باللحظة والمكان، وسينوغرافيا غامرة، وحدث تفاعلي جعل الجمهور جزءًا من التجربة.
وتوزعت أحداث العرض في أربعة اتجاهات تحيط بالمتلقي، بحيث أصبح الجمهور محاطًا بالأحداث بدلًا من الوقوف أمام نقطة مشاهدة ثابتة. وانقسم العمل إلى ثلاثة أجزاء، أقام كل منها حوارًا متبادلًا بين الأداء الحي والفيلم.
ورصد الجزء الأول لحظة الاستيقاظ من الصدمة، من خلال مونولوجات داخلية للناجية الرئيسية تعبر عن التيه والضياع، بالتزامن مع استيقاظ أشخاص من داخل حوض استحمام في حالة من الذهول، قبل الانتقال إلى الفيلم الذي ظهرت فيه البطلة داخل حوض استحمام صدئ تحيط به العظام والمياه الآسنة، في صورة جسدت ثقل الماضي وآثار الصدمة.
وفي الجزء الثاني شارك 15 راقصًا ومؤديًا في دراما حركية جسدت الصراع الداخلي بين الهروب والغضب والاستسلام والمقاومة، وصولًا إلى الإنهاك، قبل أن تنتقل الرحلة إلى الفيلم حيث بدأت البطلة رحلة في الصحراء التقت خلالها بأرواح ناجين عالقين في مراحل مختلفة من التعافي.
وحمل الخيط الأحمر الذي ظهر خلال الرحلة دلالة على الألم المشترك وإرادة المقاومة، بينما رمَزت حبات اللؤلؤ التي ابتلعتها الرمال إلى الجراح التي لم تلتئم بعد.
وفي الجزء الثالث وصل العرض إلى لحظة الخلاص وإعادة الميلاد، عندما عادت الناجية الرئيسية إلى فضاء العرض لتوقظ من استسلموا وتحفزهم على النهوض، وتحول المشهد إلى طقس أدائي تفاعلي شارك فيه الجمهور والمؤدون معًا.
وانتهى الفيلم بوصول البطلة إلى بحيرة واستلقائها داخل الماء، في صورة رمزية استحضرت الولادة الجديدة والتحول الداخلي، وكأن النجاة لا تنتهي بالخروج من الصدمة، وإنما تبدأ معها رحلة أخرى لإعادة اكتشاف الذات.

" التجريب وآليات النظام الرأسمالي العالمي" .. هل التجريب ثورة؟
وعلى المستوى الفكري، ناقش المهرجان ندوة «التجريب وآليات النظام الرأسمالي العالمي»، التي بحثت العلاقة بين التجريب المسرحي والتحولات التي فرضها النظام الرأسمالي، وتأثير الآليات الاقتصادية والسياسية المعاصرة في العملية الإبداعية والمشهد المسرحي.
وأدار الندوة الدكتور أحمد مجاهد، فيما تولى الدكتور عاطف بهجات مقرر الجلسة، وشارك فيها الدكتور عز الدين بونيت من المغرب، والدكتور سيد الإمام من مصر، والسفير علي شبيبو من العراق وفرنسا، والدكتور عمر بوجليده من تونس.
وطرح أحمد مجاهد سؤالًا محوريًا حول علاقة التجريب بالنظام العالمي، متسائلًا عما إذا كان التجريب يقف مع النظام الرأسمالي والنيوليبرالي أم أنه يقف بطبيعته ضده ويسعى إلى مساءلته. وذهب إلى أن السؤال الأهم يتمثل في: «هل التجريب ثورة؟»، مؤكدًا أن التجريب يمثل في جوهره نوعًا من الثورة، مع اختلاف الرؤى حول ما إذا كانت ثورة فنية فقط أم ثورة اجتماعية تتجاوز الشكل إلى نقد الواقع وتغييره.
وأكد عز الدين بونيت أن الثقافة تحولت تدريجيًا إلى سلعة، وأن التطور التكنولوجي وسع حضورها في المجال الاقتصادي والتجاري، حتى أصبح الخبر نفسه سلعة قابلة للإنتاج والتداول. وربط التجريب المسرحي الحديث بمواجهة سطوة النموذج التجاري والرأسمالي، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى المختبرات والاستوديوهات بحثًا عن صيغ جديدة لم يكن بحثًا جماليًا فقط، وإنما مثل أيضًا انتفاضة ضد الهيمنة المتزايدة لقوة المال.
أما سيد الإمام، فدعا إلى إعادة النظر في مفهوم التجريب وتحديده تاريخيًا، مؤكدًا أن كل ما هو جديد في المسرح لا يمكن اعتباره بالضرورة تجريبًا. وربط نشأة التجريب بأزمات البرجوازية الصغيرة وبحثها عن أشكال جديدة للتعبير والتمرد على ضغوط النظام الرأسمالي، مع التأكيد على أن التمرد يختلف عن الثورة وقد ينتهي أحيانًا بالمصالحة مع النظام القائم.
ورأى السفير علي شبيبو أن المسرح الحقيقي يجب أن يستمد رؤيته من الحاضر الراهن، وأن الرأسمالية المعاصرة أصبحت تؤثر في الذائقة وأنماط الاستهلاك وإنتاج المعنى. وتناول مفهوم «التشيؤ» وتحول النشاط الإبداعي إلى سلعة، مؤكدًا أن التجريب يمكن أن يمثل استراتيجية للمقاومة والتمرد ضد تحويل العروض إلى منتجات ترفيهية.
من جانبه، أكد عمر بوجليده أن المسرح التجريبي يتجاوز المتعة البصرية ليصبح ساحة للصراع الفكري والثقافي، مشيرًا إلى أن الرأسمالية قد لا تواجه التجريب بالمنع، وإنما قد تستوعبه وتدجنه عبر التمويل وآليات الصناعة الثقافية، وتحول التجربة إلى منتج استهلاكي.
وأضاف عاطف بهجات أن علاقة المسرح برأس المال لها بعدان؛ أحدهما يقوم على المناوأة والسخرية من السلطة، مستشهدًا بتجربة نجيب الريحاني وشخصية «كشكش بيه»، والآخر يقوم على دعم رأس المال للفن، مستشهدًا بتجربة الأميرة عائشة فهمي مع يوسف وهبي وإنشاء «مدينة رمسيس».

" برمجة المهرجانات المسرحية الدولية" .. من المشاهدة إلى الإنتاج
كما شهد اليوم السادس جلسة «برمجة المهرجانات المسرحية الدولية: اختيار وتوزيع عروض الفنون الأدائية»، التي ناقشت آليات اختيار العروض وصناعة البرامج الفنية، والطرق التي يعتمد عليها المبرمجون في اكتشاف التجارب، بعيدًا عن الاقتصار على الدعوات المفتوحة، إلى جانب تأثير التمويل والإمكانات الإنتاجية على حركة العروض بين الدول.
وأدارت الجلسة منى سليمان، وشارك فيها جون ماكغاث، رئيس مهرجان مانشستر الدولي والمدير الفني لمؤسسة Factory International، والمخرج والمنتج أحمد العطار، المدير الفني لمهرجان دي-كاف، إلى جانب المنتج والمخرج حسن كوياتي، رئيس اللجنة الفنية الدولية لـMASA.
وأوضح ماكغاث أن مهرجان مانشستر يركز على الإنتاجات والتكليفات الجديدة، وأن فريقه يبحث عن الفنانين حول العالم ويبدأ معهم الحوار مبكرًا لتطوير مشروعات مستقبلية. كما أكد أن الاختيار يعتمد على البحث والمشاهدة والاستكشاف والحوار، وليس على نظام Open Call التقليدي وحده.
وأشار أحمد العطار إلى أن دي-كاف يعتمد على السفر ومشاهدة العروض ومتابعة الفنانين، إلى جانب الدعوات المفتوحة وجلسات Pitching، مؤكدًا أن البرمجة لا تعني اختيار ما يتوافق فقط مع ذائقة المدير، لأن المهرجان لا يبرمج لنفسه وإنما لجمهور متنوع.
بدوره، أوضح حسن كوياتي أن طبيعة المهرجان تحدد طبيعة الاختيار، مشيرًا إلى أن الدورة الأخيرة من MASA تلقت 2443 مشروعًا، وعملت لجنة الاختيار على مدار عام للوصول إلى نحو 250 عرضًا أو مشروعًا، بينما ضمت اللجنة 22 شخصًا من القارات الخمس.
وتطرقت الجلسة إلى التمويل باعتباره عاملًا مؤثرًا في حركة العروض، حيث أشار العطار إلى أن غياب الدعم الحكومي عن دي-كاف يجعل تكلفة بعض العروض الدولية عائقًا أمام استضافتها، بينما تعتمد مهرجانات أوروبية كبيرة على الشراكات الدولية لتجميع الموارد اللازمة للمشروعات الكبرى.
وانتهت الجلسة إلى أن برمجة المهرجانات ليست مجرد انتقاء لعروض جاهزة، وإنما منظومة تبدأ من اكتشاف الفنان والمشروع، مرورًا بالمشاهدة والبحث والحوار والتطوير والإنتاج، وصولًا إلى توزيع العرض وإتاحته لجمهور جديد.

"رد الجميل" .. سعد أردش حاضرًا في ذاكرة تلاميذه
وفي مساحة مختلفة، أقيمت ندوة «رد الجميل»، التي احتفت بذكرى المخرج والأستاذ المسرحي الكبير سعد أردش، أحد أبرز رموز المسرح المصري والعربي، والذي امتد تأثيره إلى الحركة المسرحية والتعليم الأكاديمي وتكوين أجيال من الفنانين والباحثين.
وأدار الندوة الدكتور مدحت الكاشف، وشارك فيها الدكتورة رانيا فتح الله، والدكتور محمد زعيمة، والدكتور أيمن الشيوي، الذين قدموا شهادات إنسانية وفنية وأكاديمية عن أستاذهم.
ووصف مدحت الكاشف سعد أردش بأنه «جبل المعرفة»، ورجل المسرح والمفكر والمخرج والممثل وأستاذ الأساتذة والأجيال، مؤكدًا أن مسيرته التي امتدت لأكثر من ستة عقود جعلته مدرسة قائمة بذاتها، وأنه أسهم في إثراء المسرح المصري والعربي والتعريف باتجاهات مسرحية جديدة، بينها المسرح الملحمي ومسرح العبث.
وأكدت رانيا فتح الله أن سعد أردش علمها أن احترام الفن يبدأ باحترام الإنسان، مشيرة إلى أنه أشرف على رسالتي الماجستير والدكتوراه، وكان يوجهها إلى ربط البحث المسرحي بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. واستعادت موقفًا إنسانيًا خلال فترة ضعف بصره، عندما كانت تزوره في منزله وتقرأ له ما كتبته ليواصل توجيهها وتصويب مسارها.
وأشارت إلى أن أردش لم يكن أستاذًا أكاديميًا فحسب، وإنما صاحب مشروع لتطوير المسرح، واستشهدت بتجربته في إدارة مسرح الجيب وتحويله إلى مساحة للتجارب الطليعية والتعريف بالاتجاهات الحديثة وربطها بالبيئة المحلية والهموم الاجتماعية.
أما محمد زعيمة، فأكد أن تلاميذ سعد أردش تعلموا منه «العلم والإنسانيات والإدارة»، مستعيدًا قدرته على اكتشاف الطاقات الشابة ودعمها، وحرصه على إعداد معاونيه ليصبحوا أساتذة قادرين على تحمل المسؤولية.
وتحولت الندوة إلى مساحة لاستعادة أثر الأستاذ في تلاميذه، والتأكيد على أن حضور الفنان لا ينتهي برحيله، ما دام ترك علمًا وتجربة وتلاميذ يواصلون الطريق من بعده.

المجلس الثقافي البريطاني.. جسور جديدة مع إدنبرة
واختتم البرنامج الفكري لليوم السادس بجلسة مفتوحة بعنوان «المجلس الثقافي البريطاني: الدور الدولي والفرص المتاحة لفهم منظومة مهرجان إدنبرة»، التي ناقشت دور المؤسسات الثقافية في دعم الفنون وبناء شبكات التواصل بين الفنانين والمبرمجين، إلى جانب تجربة مهرجانات إدنبرة.
وأدارت الجلسة الدكتور محمد عبدالرحمن الشافعي، وشاركت فيها كاثي كوستين من المجلس الثقافي البريطاني بالمملكة المتحدة، وإيزابيل موريا من المجلس الثقافي البريطاني – إدنبرة.
واستعرضت كوستين تجربة المجلس الثقافي البريطاني في مجال الفنون الأدائية، مشيرة إلى أن المجلس نظم على مدى 20 عامًا برنامج Edinburgh Showcase الذي أتاح لمبرمجين من أنحاء العالم مشاهدة أعمال بريطانية في المسرح والرقص.
كما تحدثت عن برنامج EDIAD الذي بدأ عام 2023، ويجمع سنويًا نحو 25 مبرمجًا ومنتجًا وقيّمًا فنيًا وممثلين عن وكالات المواهب والمهرجانات من أنحاء العالم، لقضاء أسبوع في إدنبرة والتعرف إلى مجموعة مختارة من الأعمال البريطانية.
وتوقفت عند ضخامة منظومة إدنبرة، موضحة أن مهرجان Fringe قدم في دورته الأخيرة أكثر من 4 آلاف عرض من 77 دولة، عبر أكثر من 61 ألف عرض أدائي في 360 موقعًا، مع بيع ما يقرب من 3 ملايين تذكرة.
كما تناولت نموذج «التنافس التعاوني» بين مهرجانات إدنبرة، حيث تحتفظ المهرجانات باستقلالها وهويتها، لكنها تتعاون في مجالات البرمجة والتسويق والاستدامة والتكنولوجيا والابتكار، بما يعزز قدرة المدينة على تقديم نفسها عالميًا باعتبارها مدينة للمهرجانات.
وأشارت أحدث الأرقام التي عرضتها الجلسة إلى أن مهرجانات إدنبرة تحقق أثرًا اقتصاديًا صافيًا يقدر بنحو 558 مليون جنيه إسترليني سنويًا على المدينة، بما يؤكد أن المهرجانات باتت تتجاوز كونها فعاليات فنية إلى منظومات ثقافية واقتصادية متكاملة.
وهكذا قدم اليوم السادس من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي صورة متعددة المستويات لمعنى التجريب؛ فبينما بحثت العروض في الأمل والخوف والنجاة والخلاص، ناقشت الندوات علاقة الإبداع برأس المال وآليات صناعة البرامج الفنية، واستعاد المهرجان ذاكرة أحد أساتذة المسرح الذين صنعوا أجيالًا، وفتح في الوقت نفسه نوافذ جديدة على التجارب الدولية وشبكات التواصل الفني.
وبذلك بدا التجريب في يومه السادس فعلًا مستمرًا لا يتوقف عند حدود الخشبة، بل يمتد إلى طريقة التفكير في الفن وإنتاجه وتمويله وتداوله، وإلى علاقة الفنان بجمهوره ومؤسساته ومجتمعه، ليؤكد المهرجان أن التجديد المسرحي الحقيقي لا يعني التخلي عن الأسئلة القديمة، وإنما إعادة طرحها بلغة جديدة، وفتح المجال أمام أسئلة أخرى لم تجد إجاباتها بعد.
------------------------------------
كتبت - أمنية طلعت المصري











