31 - 08 - 2026

هل حاله حالك؟

هل حاله حالك؟

هل حاله حالك؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا، وربما لا يستحق تفكيرًا طويلًا.. هل حاله يشبه حالك؟ هل ظروفه قريبة من ظروفك؟ هل ما يراه أمامه هو نفسه ما تراه أنت؟

لكن «الحال» هنا لها أكثر من معنى، وربما لهذا السؤال أكثر من باب.

فـ«حالُه» هو شأنه ووضعه وظروفه، أما «حالِك» فهو شديد السواد والظلمة.. وبين المعنيين حكاية أكبر من مجرد لُعبة لغوية؛ حكاية شباب يجد بعضهم نفسه في لحظة ما أمام واقع يضيق، ومستقبل لا يبدو واضحًا، وطريق آخر يلوح من بعيد، حتى وإن كان مجهولًا ومحفوفًا بالمخاطر..

في الأيام الأخيرة، عادت إلى الواجهة حكايات رياضيين غادروا بعثات بلادهم أو قرروا عدم العودة إليها، وفي إحدى الحالات، تحدث لاعب مصارعة مصري عن أسباب دفعته إلى الرحيل، رابطًا قراره بصعوبة تحقيق حياة مستقرة، حتى قال إنه لو قضى سنوات عدة في بلاده فلن يتمكن من توفير مسكن للزواج، وفي واقعة مماثلة، خرجت مصارعة تونسية لتعتذر إلى أسرتها بعدما قررت الهجرة دون إخبارهم، وتحدثت عن ظروف مادية ورياضية صعبة وعدم انتظام مستحقاتها.. مثل هذه الوقائع لا تعني أن الأسباب واحدة، ولا أن كل قرار بالرحيل يمكن تفسيره بالطريقة عينها، كما أنها لا تجعل مخالفة القواعد أو الالتزامات أمرًا مقبولًا، ولا تحول الهروب إلى بطولة.. لكنها تجعل السؤال مشروعًا.

ماذا يحدث للإنسان حتى يصبح الرحيل، بكل ما يحمله من مخاطرة ومجهول، خيارًا يمكن أن يفكر فيه أصلًا؟ هنا تحديدًا يجب أن نتوقف قليلًا قبل أن نصدر الحكم.

فاللاعب الذي قضى سنوات يتدرب، ويشارك في البطولات، ويحلم بتمثيل بلاده، لا يبدأ يومه عادةً وهو يفكر في كيفية الهروب منها.. هناك سنوات من الحلم والجهد والانتماء تسبق تلك اللحظة، لكن الإنسان قد يصل، تحت ضغط ظروف متراكمة، إلى نقطة يصبح فيها السؤال عن مستقبله الشخصي أكثر إلحاحًا من أي سؤال آخر.

هل يستطيع أن يعيش من عمله، أن يتزوج، أن يوفر مسكنًا؟ هل يرى طريقًا واضحًا أمامه حال استمر؟ وهل يشعر بأن السنوات التي يضعها في مجاله ستقوده في النهاية إلى حياة يستطيع أن يرضى عنها؟

هذه الأسئلة لا تخص الرياضي وحده...

الرياضة مجرد مجال ظهرت فيه المشكلة بصورة لافتة، لكنها ليست المشكلة نفسها.. فالطبيب والمهندس والباحث والفنان والحرفي ورائد الأعمال وغيرهم قد يجدون أنفسهم، بدرجات مختلفة، أمام أسئلة مشابهة، وقد تكون خسارة المجتمع في بعض هذه المجالات أكبر؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بشاب يبحث عن فرصة، وإنما بسنوات من التعليم والتدريب والخبرة والاستثمار في الإنسان.. ولهذا، فإن النظر إلى المسألة باعتبارها «هروب لاعبين» فقط قد يجعلنا نرى الجزء الأصغر من الصورة.

المهم هو أن نفهم لماذا يشعر بعض الشباب بأن الفرصة التي يبحثون عنها قد تكون في مكان آخر.

بالتأكيد لا يعني ذلك أن الخارج هو الجنة، ولا أن كل من يسافر سيجد ما يبحث عنه، أو أن البقاء في الداخل محكوم عليه بالفشل، بل إن كثيرًا ممن يغادرون يواجهون في الخارج تحديات لا تقل عن تلك التي تركوها خلفهم.. لكن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يرى الجنة أمامه حتى يفكر في الرحيل؛ أحيانًا يكفي أن يشعر بأن الطريق الذي يسير فيه مغلق... وهنا يصبح الفارق بين «الحال» و«حالِك» أكثر وضوحًا.

فالمشكلة ليست فقط في سوء الظروف، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها تلك الظروف الصعبة إلى شعور دائم بانسداد الأفق، حين لا يعود الشاب يرى علاقة واضحة بين اجتهاده ومستقبله، وبين سنوات عمره وما يمكن أن يحصل عليه في نهايتها.. وهذا أخطر من انخفاض دخل أو تأخر منحة أو ضعف دعم في مجال بعينه، لأن المال يمكن زيادته، والدعم يمكن إصلاحه، والإجراءات يمكن تعديلها، أما فقدان الأمل في إمكانية تحسين الحال فهو أكثر تعقيدًا..

من هنا، ربما لا تكون الإجابة في مطالبة الشباب بعدم الرحيل، ولا في إغلاق الأبواب أمامهم، ولا في تحويل كل من يغادر إلى متهم. الإجابة تبدأ من جعل البقاء خيارًا ممكنًا.

في الرياضة مثلًا، لا يكفي اكتشاف الموهبة والمطالبة منها بتحقيق البطولات، يجب أن تكون هناك منظومة تحافظ على اللاعب، وتضمن له قدرًا مناسبًا من الاستقرار، وتوفر له التدريب والرعاية والتأهيل، وتفكر في حياته بعد انتهاء سنوات المنافسة.. الأمر عينه يجب أن ينطبق على مجالات أخرى.

إذا أنفق المجتمع سنوات في تعليم طبيب أو مهندس أو باحث أو اختصاصي، فمن الطبيعي أن يسأل بعد ذلك، هل وفرنا لهذا الإنسان ما يجعله يرى مستقبلًا ممكنًا هنا؟ لا نتحدث عن منع السفر، فالسفر حق والطموح حق، ولا يمكن بناء مستقبل قوي بمنع الناس من البحث عن فرص أفضل.. لكن يمكن بناء مستقبل أقوى عندما يشعر الإنسان أن أمامه فرصة حقيقية إذا اختار أن يبقى.

نحتاج إلى أجور أكثر عدلًا في المجالات التي تعتمد على الكفاءات، ومسارات مهنية واضحة، ودعم حقيقي للشباب، وفرص للترقي والتعلم، وسياسات تساعد على السكن وتكوين الأسرة، والأهم من ذلك كله أن يعرف الشاب أن سنواته المقبلة لن تكون مجرد نسخة أطول من سنواته الماضية..

فالإنسان يستطيع أن يتحمل طريقًا صعبًا إذا كان يرى نهايته.. أما الطريق الذي يبدو طويلًا ومغلقًا في الوقت نفسه، فقد يدفع صاحبه إلى النظر خلف الحدود، لا لأنه يكره المكان الذي نشأ فيه، وإنما لأنه يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يتخيل نفسه بعد خمس أو عشر سنوات..

ولذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم في كل واقعة جديدة: لماذا رحل؟ الأهم أن نسأل: ماذا رأى قبل أن يرحل؟ هل رأى مستقبلًا يمكن أن يعيش فيه بكرامة؟ هل وجد مجالًا يستطيع أن يكبر داخله؟ هل شعر بأن موهبته وجهده وتعليمه وخبرته يمكن أن تتحول إلى حياة مستقرة؟

أو أن كل ما حوله كان يقول له إن «الحال» لن تتغير؟

ربما نحتاج إلى أن نحاسب من يخالف القواعد، ونراجع المسؤوليات، ونمنع تكرار الأخطاء، لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى النظر إلى ما هو أبعد من الواقعة نفسها.. فالوقاية الحقيقية لا تبدأ عند بوابة المطار، ولا عندما يختفي شخص من بعثة أو يعلن قراره الهجرة.. تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ في البيت، والمدرسة، والجامعة، والملعب، ومكان العمل، وفي كل مكان يتشكل فيه مستقبل شاب.. لأن الشاب لا يحتاج إلى وعد بأن الحياة ستكون سهلة، بقدر ما يحتاج إلى أن يرى نافذة مفتوحة في جدار المستقبل.. وعندما تكون هناك نافذة، قد يختلف الإنسان في قراره، وقد يصبر، وقد يحاول مرة أخرى.. أما حين يشتد الظلام، فقد يبدو أول ضوء يأتي من بعيد كأنه الطريق الوحيد.. وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به، لكن ربما بمعناه الأوسع: هل حاله حالك؟
----------------------------------
بقلم: 
عزت سلامة العاصي


مقالات اخرى للكاتب

هل حاله حالك؟