31 - 08 - 2026

عندما يصحح الصحفي بيان وزارة الصحة.. أين ذهبت الصحافة؟

عندما يصحح الصحفي بيان وزارة الصحة.. أين ذهبت الصحافة؟

طوال سنوات العمل الصحفي، اعتدنا أن تصل المعلومة إلى الصحفي من مصدر قد تكون لديه معلومة غير مكتملة، أو غير دقيقة، فيتحمل الصحفي مسؤولية التحقق منها قبل نشرها، وإذا ثبت خطؤها يعود لتصحيحها.

لكن ما حدث اليوم مختلف.

هذه المرة لم يكن الصحفي أمام معلومة مجهولة المصدر وإنما أمام بيان رسمي صادر عن وزارة الصحة والسكان ومُرسل إلى الصحفيين بشأن واقعة حريق قيل إنها حدثت داخل مستشفى حميات إمبابة.

وبصفتي صحفيًا أتابع ملف وزارة الصحة كان من الطبيعي ألا أكتفي بما ورد في البيان وأن أتحرى الدقة وأبحث عن التفاصيل.

وبالتحقق تبين أن الصورة التي حملها البيان ليست هي الصورة الكاملة للواقعة.

الحريق لم يكن داخل مبنى مستشفى حميات إمبابة، ولم يحدث بالطابقين العاشر والحادي عشر، كما لم تُسجل حالات اختناق.

أما الواقعة، فكانت حريقًا محدودًا داخل غرفة الـCDC، نتيجة جهاز تكييف من نوع «Split»، وهي غرفة غير تابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية.

وهنا تأتي النقطة الأهم.

لأول مرة لا أجد نفسي أمام صحفي يصحح معلومة وصلته من مصدر وإنما أمام صحفي يصحح بيانًا رسميًا تم توزيعه على الصحفيين.

وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر من الواقعة نفسها:

هل أصبحت الصحافة مجرد إعادة نشر للبيانات الرسمية؟

أنا أؤمن أن البيانات الرسمية جزء مهم من العمل الصحفي وأن المؤسسات والوزارات من حقها أن توضح للرأي العام ما يحدث لكن وظيفة الصحفي لا تنتهي بمجرد وصول البيان إلى هاتفه أو بريده الإلكتروني.

الصحفي يسأل.

يتحقق.

يقارن.

يبحث عن التفاصيل.

ويضع المعلومة أمام القارئ في صورتها الأكثر دقة.

خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاع حساس مثل الصحة.

فخبر عن حريق داخل مستشفى مصحوبا بالحديث عن حالة اختناق ليس مجرد خبر عابر.

لأن هناك مريض قد يقرأه فيقلق وأسرة قد تتصل بذويها داخل المستشفى، ومواطن قد يظن أن منشأة صحية كاملة تعرضت لخطر.

ولهذا، فإن الدقة هنا مسؤولية.

والغريب أن الخبر انتشر على نطاق واسع، وتناقلته صحف ومواقع عديدة، وهو أمر مفهوم في ظل الاعتماد الكبير على البيانات الرسمية كمصدر سريع للمعلومات.

لكن انتشار الخبر لا يعني بالضرورة اكتماله.

وهنا أتمنى أن نعيد النظر في مفهوم «صحافة تكتفي بنشر البيانات الرسمية».

ليس المطلوب إلغاء البيانات الرسمية، وإنما ألا يتحول الصحفي إلى مجرد ناقل لها.

نحتاج إلى صحافة تمنح الصحفي فرصة السؤال والتحقق والوصول إلى المعلومات من مصادرها، بدلًا من أن يصبح دوره إعادة صياغة البيان ثم نشره.

البيان بداية الخبر.. وليس نهايته.

والصحفي الحقيقي ليس من ينشر أولًا فقط، وإنما من يستطيع أن يقول للقارئ: هذه هي المعلومة بعد أن تحققت منها.

وأنا اليوم، عندما أنشر تصحيحًا لبيان رسمي، لا أفعل ذلك رغبة في تسجيل موقف ضد وزارة الصحة، ولا بحثًا عن بطولة صحفية.

أنا فقط أمارس مهنتي.

أبحث عن الحقيقة.. لأن وراء كل معلومة مواطنًا يستحق أن يعرفها كما هي.

وفي النهاية، قد نختلف مع المؤسسات، وقد ننتقد أداءها، وقد نصحح ما يرد عنها، لكن الهدف يجب أن يظل واحدًا:

صحافة دقيقة.. ومعلومة صحيحة.. وقارئ لا نضعه أمام معلومة تثير القلق دون أن تكون صحيحة.
--------------------------
بقلم: أحمد صلاح سلمان

مقالات اخرى للكاتب

عندما يصحح الصحفي بيان وزارة الصحة.. أين ذهبت الصحافة؟