أسماء الشوارع حياة نابضة كاملة.. ماضيا وحاضرا.. تاريخا وهوية، مجدا وحضارة، عزة وكرامة، لا هي مجرد لافتات صماء معلقة على حجارة، ولا هي مجرد علامات إرشادية للمارة، أسماء الشوارع من المفترض أن تكون سجلا رمزيا وفلسفيا وجدانيا عميقا يعكس بصمة الهوية الثقافية والفنية والفكرية الفريدة التي تصوغ وعي المجتمع وصورته عن ذاته عبر العصور..
إن إطلاق اسم ما على شريان مروري حيوي يفرض على المواطن أو الزائر العابر تكراراً حركياً وإلزامياً يومياً ينساب بنعومة إلى لا وعيه الفردي، واللا وعي الجمعي، ليتحول هذا التكرار بمرور الزمن إلى جزء لا يتجزأ من البناء النفسي والاجتماعي للهوية. وتحمل هذه المسميات في ثناياها رسائل مضمرة بالغة الأثر تعمل كقنوات لتوجيه بوصلة الانتماء القومي، أو صياغة الذاكرة، أو حتى تكريس التبعية والاستلاب الثقافي عندما تتورط الجغرافيا في تخليد رموز القهر والمستعمرين والغرباء الذين أذاقوا أهل الأرض الويلات. إنها المفارقة التاريخية الأكثر إيلاماً في الفضاء العام المصري، أن يسير المواطن اليوم فوق أرصفة طُبعت عليها أسماء جلاده بالأمس، كأنما تمارس المدينة نوعاً من المازوخية الرمزية التي تكرّم صانع مأساتها، وتجبر أحفاد الضحايا على التلفظ بأسماء السفاحين كلما أرادوا الاستدلال على بيوتهم أو وجهاتهم اليومية، أو وصف الطريق لحفيد آخر تائه، ضل طريقه في غفلة من الزمن والتاريخ والذاكرة.
وتتجلى هذه المفارقة الصارخة في شارع "سليم الأول" الذي ظل لقرون يمتد كشريان رئيسي في حي الزيتون بشرق القاهرة، مجاوراً وموازياً لشارع ضحيته التراجيدي طومان باي، إن التاريخ المكتوب بدماء المصريين في عام 1517م يخبرنا أن سليم العثماني لم يكن فاتحاً بل كان غازياً جرد مصر من سيادتها وحل جيشها الوطني وحولها إلى ولاية تابعة. وقد خلّد المؤرخ ابن إياس مأساة هذا الاجتياح في موسوعته "بدائع الزهور"، واصفاً مذبحة القاهرة الكبرى التي راح ضحيتها نحو عشرة آلاف مصري من المدنيين العزل في أيام معدودة، حيث تناثرت الجثث في الطرقات وعافتها الكلاب من شدة الشبع، ولم يكتفِ المستعمر بسفك الدماء، بل طال بطشه البنية الاقتصادية والحضارية عبر ترحيل أمهر الصناع والحرفيين قسراً إلى إسطنبول، مما أدى إلى توقف واندثار ما يقرب من خمسين حرفة أساسية، وتجريد مساجد القاهرة الكبرى من رخامها الفاخر وتحفها النادرة.
إن إنهاء هذا التخليد الرمزي بقرار محافظة القاهرة في فبراير 2018 بناءً على المذكرة العلمية للدكتور محمد صبري الدالي كان خطوة أولى نحو استرداد السيادة على الذاكرة، ملقياً الضوء على وجوب إنهاء تلك المجاورة المهينة بين اسم القاتل العثماني، وكتب على خرائط جوجل اسم الشهيد أحمد المنسي على شارع سليم الأول، وقد رأيتها بنفسي، لكن لماذا لم يتم التغيير الكلي والمعلن حتى الآن، لماذا؟ فقد رأيت صور لافتات كبيرة في شوارع رئيسية تحمل اسم الشهيد أحمد المنسي على شبكات التواصل الاجتماعي، لكن لم استطع رؤيتها والتحقق منها على أرض الواقع.
غير أن سليم الأول ليس الغازي الوحيد الذي تسلل إلى وعينا الجغرافي خلسة، إذ يمتد شارع "الخليفة المأمون" كأحد أهم المحاور المرورية في العباسية ومصر الجديدة، بل وأُدرج رسمياً في مشروع "حكاية شارع" كرمز للازدهار العلمي والترجمة. وتتجاهل هذه اللوحة الرمزية الرسمية الصفحة الأكثر دموية في تاريخ الوالي العباسي تجاه مصر؛ وهي التدمير الوحشي الشرس لثورات "البشموريين" (فلاحي وصيادي براري شمال الدلتا) الذين انتفضوا - مسلمين ومسيحيين، عربا وأقباطا - ضد عسف الضرائب الخراجية والجزية الباهظة. لقد قاد المأمون حملته العسكرية بنفسه برفقة قائده الأفشين، وأمر بإبادة وحرق إقليم البشمور بالكامل ولا سيما الكنائس، وحكم بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال لبيعهم كعبيد في أسواق النخاسة بدمشق وبغداد، مما ذلّ به القبط في جميع أرض مصر. إن الاحتفاء بالمأمون وتخليد اسمه في قلب العاصمة يمثل انفصالاً وجدانياً خطيراً ومعلنا على جدران شوارعنا..
ويمتد هذا التناقض المعرفي ليشمل لافتات حضرية أخرى تنتشر في أرجاء العاصمة دون وعي علمي بمدلولاتها؛ حيث لا يزال "شارع قمبيز" مخلداً في القاهرة المعاصرة باسم الغازي الفارسي الذي احتل مصر ودمر معالمها في أواخر العصر المصري القديم. وبالمثل، يحمل شارع آخر اسم "قرة بن شريك"، الوالي الأموي الذي اشتهر في المراجع التاريخية بالاستبداد البالغ والتعسف الشديد في استنزاف ثروات المصريين وجمع الضرائب وإرسالها خارج البلاد.
وهذا ليس كل شيء، فقد ما جادت به ذاكرتي الضعيفة وبحثي المتواضع، فهناك الكثير، يمكنك أن تضيف لها، والقائمة تطول.. حتى رموز الاحتلال البريطاني الحديث لم تسلم الشوارع من تخليدها؛ إذ لا يزال اسم اللورد كيتشنر - الذي أذاق المصريين الويلات - يتردد شعبياً على لافتة أحد أقدم مستشفيات حي شبرا ومصرف مائي ضخم في الدلتا، هذا بالإضافة إلى مطالبات المؤرخين المستمرة بتطهير الشوارع التي تحمل أسماء اللورد كرومر واللورد اللنبي. كما يبرز اسم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله على شارع ومسجد تاريخي بارز، بالطبع لا يستطيع أحد أن يعترض على تسمية المسجد باسمه، لكن ما يهمني هنا اسم الشارع، رغم ما اتسم به عهده من مظالم وقرارات قهرية غريبة، مما يدعو لوضع معايير أكاديمية منضبطة وصارمة تفصل بين توثيق الأثر المعماري لمن بناه وبين التخليد الرمزي لشخصه في الفضاء العام.
إن هذه القرارات الإدارية لتغيير لافتات الشوارع وتطهيرها من رموز المستبدين والغزاة تواجه على الدوام تحدياً اجتماعيا ونفسيا بالغ التعقيد، يتجلى في مقاومة الذاكرة العميقة واليومية للمواطنين. فأسماء الشوارع محفورة في الأذهان والذاكرة اللفظية لوسائل المواصلات العامة لتجذرها الحركي اليومي الطويل. وبناءً عليه، فإن معركة وعي واسترداد الذاكرة الجريحة لا تكتمل بمجرد استبدال لافتة معدنية بأخرى، بل تتطلب حواراً مجتمعياً حياً يؤسس لفلسفة الوطنية الجغرافية الحيوية المعيشة، ويصوغ معايير علمية دقيقة تشرف عليها لجان متخصصة من المؤرخين والأكاديميين وعلماء التراث والجمال، والمبدعين من كل المجالات، ورموز الثقافة والإعلام..
إن تطهير أسماء شوارعنا، أقول شوارعنا نحن، وليس شوارع المستبدين، هو إعلان صريح بأن هذه الأرض وتلك الشوارع لا تخلد في وعي أجيالها إلا من بنى وشيّد وحمى كرامتها، لا من نهب ثرواتها وقتل وسفك دماء بنيها، لأن السيادة الحقيقية على الأوطان تبدأ أولاً بالسيادة التامة على الذاكرة..
-------------------------
بقلم: هاني منسي
* كاتب وناقد وباحث






