29 - 08 - 2026

ماذا بعد الطيبات؟

ماذا بعد الطيبات؟

بعيدًا عن هذا الجدل الكبير المثار مؤخرًا حول نظام غذائي (الطيبات) المنسوب لأحد الأطباء المصريين- دكتور ضياء العوضي- رحمه الله- ؛ وبعيدًا عن مناقشة هذا النظام أو الدخول في تفاصيله، الذي أرى – من وجهة نظري – أنه كان لابد أن يكون التناول للأمر طبياً وعلميًا في المقام الأول، وبشكل رسمي، ومناقشة الادعاءات العلمية التي أطلقها صاحب النظام، ودحضها أو تأكيدها بنظريات مثبته علميًا، وهذا ما لم يحدث إلى الآن؛ بعيدًا عن كل هذا الخلل في تناول الأمر، الذي أدى بدوره إلى اتساع انتشار النظام، فلعله من أكثر ما يثير الدهشة انتشار النظام بشكل كبير، وبصورة شعبية، رغم كثير من الموجات المضادة لتلك الوجهة، ولعل هذا يرجع - من وجهة نظري - إلى عدة أسباب تتلخص فيما يلي: 

غياب المناقشة العلمية وغيبة الرقابة الطبية

من اللافت للنظر أن نرى أن الوسط الطبي قد اكتفى بموقف نقابة الأطباء، التي شطبت الطبيب صاحب النظام من جداولها، وأغلقت عيادته، دون أن تناقش أفكاره، وتحاول أن تثبت صحتها أو عدم صحتها، بصورة علمية مبنية على تجارب مثبتة، ولم نسمع في هذا المجال تصريحاً معلنًا لوزارة الصحة، أو هيئة الدواء المصرية، ولم نشاهد مناظرة مع ضياء العوضي، عندما كان على قيد الحياة، أو مناقشة لادعاءاته العلمية بعد وفاته، وكل ما حرصت عليه الجهات الطبية مجابهة فكرة الاستشفاء عن طريق هذا النظام، والإصرار على التأكيد على أهمية الدواء، مما أثار شكوكًا لدى المواطن العادي وسؤالاً جوهريًا، لماذا لم تنتفض وزارة الصحة ضد كثيرين سابقين من مدعي العلاج بأدوية غريبة، وأعشاب مجهولة المصدر، وأنظمة غير محمودة العواقب؟، بل قد تلحق الأذى الكبير بصحة الإنسان، ولعله في هذا المجال هناك تساؤل مهم يطرح نفسه وبشدة - وخاصة في الأونة الأخيرة، التي تتلاحق فيها الصحف بمطالعتنا باكتشاف بعض الأطباء المزيفين، الذين مارسوا مهنة الطب لسنوات طويلة، في تخصصات عديدة، منها تخصصات دقيقة، والذين مارسوا مهنة الطب على مرأى ومسمع من الجميع، دون أن يعترضهم أحد، واكتشفوا بمحض الصدفة - فأين الرقابة الطبية؟، وأين دور وزارة الصحة ونقابة الأطباء الرقابي؟.

ناهيك عن كثير من التجاوزات الأخرى في الوسط الطبي التي تمر دون مواجهة فاعلة، أو محاولة جادة للقضاء عليها من جذورها وتجفيف منابعها، فكل ما يعني المسؤولين في هذا المجال، مجرد إزاحة المسؤولية عن أنفسهم، والتبرؤ منها، دون الاكتراث بعواقبها وتبعاتها، والنتيجة تكرار تلك التجاوزات مراراً، ولعل هذا ما دفع الكثيرين من العامة للاعتقاد، أنه لا أحد يهتم بصحتهم، مما ترتب عليه أن المواطن أصبح يتخذ أدق قراراته وأهمها في رحلته للبحث عن الشفاء بنفسه، ووافق أن يجعل من نفسه مجالًا للتجربة، ويجرب بنفسه وعلى نفسه، مهما كانت العواقب، فنزل بحور التجربة ووافق أن يواجه أمواجها وحده، وأصبح صيدًا ثميناً للدجالين والنصابين والمدعين، الذين لم يعبأ كثيراً بالتأكد من أمرهم، ولا بما سيجنيه من أتباعهم، فوافق أن يخوض غمار التجربة مهما كانت عواقبها، لا لشيء إلا لأنه فقد الثقة في الجهات التي كان من المفترض أن تكون صاحبة الكلمة العليا في هذا المجال، بل وراح يفسر الأمر بشكل أكثر اعتمادًا على فكرة المؤامرة، كالاعتقاد الذي ترسخ في وعيه، بأن الجهات التي من المفترض أن تحميه أصبحت لا تهتم به؛ بل كل ما يهمها تمهيد الأرض لتجار المرض والدواء والمتربحين من آلامه، هو وغيره من الغلابة .

الوجوه القبيحة        

من المثير للدهشة أن يتصدر المشهد دائمًا تلك الوجوه القبيحة، التي سئمها الناس ، بل واشتاطوا غيظًا من طلتها المذمومة، والتي طالما سخرت من مشاكلهم، وهونت من همومهم، وبالغت في الاستخفاف بنوائبهم، وجملت من قبائح من يثقلون عليهم، فهناك بعض الرموز الإعلامية التي تعد مثالًا متجسدًا لهذه الوجوه، الذين أرى أنهم أصبحوا من أكثر الأسباب التي تسيء للدولة، بل وتشوش على إنجازاتها ، فبمجرد حديثهم عنها يشككون المواطن فيها - حتى وإن كانت حقائق واضحة - لا لشيء إلا لأن المواطن تكون لديه اتجاه هجومي ضد تلك الوجوه، وعداء أزلي معها، فحتى لو تحدثوا عن حقائق مؤكدة لن يصدقهم، ولعل هذا ما حدث مع نظام الطيبات، وكان سببًا في انتشار النظام كالنار في الهشيم، واكتسابه أرضا واسعة، فما إن خرجت تلك الوجوه وأعلنت معاداتها للنظام بصورة ساذجة وغبية، حتى حدث العكس فأصبحوا سبباً جوهريًا لانتشار النظام، فالإعلام فشل فشلًا كبيراً – من وجهة نظري – في التصدي لظاهرة الطيبات، وغالى في تشويهها بسفه، وقد اعترف بهذا أحد الإعلاميين في أحد البرامج التلفيزيونية، والذي أرى أنه قد يكون الإعلامي الوحيد الذي تحدث عن الأمر بموضوعية، وهو الإعلامي محمد على خير، الذي خرج في برنامجه قائلًا :أنه لابد أن نعترف كإعلاميين بفشلنا في التصدي لهذه الظاهرة؛ فالإعلام وكذلك الدولة لابد أن يعترفوا بفشلهم في مجابهة هذا النظام الغذائي والحد من انتشاره.

أزمة الثقة 

لقد حان الوقت أن تعترف الدولة، أنه قد أصبحت هناك أزمة ثقة بين أجهزتها الرسمية، وبين القاعدة العريضة من الشعب، ولعل هذا ما يجعل كثيرا من الأمور تكتسب أرضية عريضة لدى العامة، بمجرد وقوف أجهزة الدولة ضدها، أو إعلانها مجابهتها، وعدم الموافقة عليها، وكأنه أصبح هناك رسالة خفية لدى العامة، وقاعدة مترسخة في العقل الجمعي للمجتمع؛ أن الخير لن يأتي بشكل رسمي؛ بل على النقيض أصبح المواطن يظن أن هذه الجهات التي تعبر عن الدولة، من الموظفين والقيادات يقفون على الطرف الآخر من مصلحته، وأنه وبلا شك سوف يميل إلى عكس وجهتهم طوال الوقت، وإن كانت هذه الفكرة بها بعض المغالاة لدى العامة؛ إلا أنها لها أساس تستند إليه، ولقد كانت لهذا المنحى أثار خطيرة سابقة في المجتمع المصري، كان من أخطرها تعاطف العامة مع جماعات الإسلام السياسي، التي اكتسبت كثيرًا من تعاطف العامة معها من مجابهة الدولة لها، دون مناقشة لها ، والتي أرى من وجهة نظري أن مواجهة تلك الأفكار بشفافية وموضوعية، ومجابهتها فكريًا كان كفيلاً بالقضاء عليها من جذورها، وخاصة أن تلك الجماعات تعتمد على تعطيل العقل وانسياق التابعين دون مناقشة أو تفكير، ولعل مناظرة المفكر فرج فودة رحمه الله لهم عام 1992 أكبر دليل على هذا، فلم تقوَ تلك الجماعات على رد الحجة بالحجة، ولم تستطع المناقشة الفكرية الموضوعية.

ليس هذا فحسب؛ بل هناك كثير من السموم الأخرى والمغالطين والأفاقين والمنتفعين، استطاعوا أن يكتسبوا أرضية واسعة لدى عامة المجتمع، رغم إعلان الدولة حقيقة الأمر، ورغم أنها قد تكون محقة في بعض هذه الأمور، ولعل هذا ما حدث أخيرًا، وكان السبب الحقيقي وراء انتشار ذلك النظام الغذائي ( الطيبات)، ولم لا والمواطن يرى إحدى عضوات مجلس النواب، التي من المفترض أنها نائبة تتحدث بلسان حال الشعب، يراها وهي تنتفض بشدة عند انهيار أسعار بعض السلع – الذي قد يكون بسبب اتباع نظام الطيبات - وقدح زناد عقلها للبحث عن حلول سريعة للوقوف لجانب التجار والمنتجين، بالرغم من أن نفس النائبة أو غيرها لم يحركوا ساكناً منذ بضعة شهور، عندما أصاب الجنون نفس السلع مزامنًة مع دخول شهر رمضان الكريم، بل نصبوا أنفسهم محللًا  للدفاع عن التجار الجشعين، وقالوا إن الأمر يخضع لسياسة العرض والطلب، فكأن حال الأمر يرسخ حقيقة أن هؤلاء المسؤولين- وحتى النواب المنوط بهم الدفاع عن حقوق الشعب - لم يعد يعنيهم الشعب؛ بل المهم لديهم خدمة رجال الأعمال، فهم – ويا للعجب - يوافقون بكل أريحية أن يجوع الشعب، ولا يوافقون أن يخسر تاجر مليما واحدًا، مما اعتاد أن يكسبه.

ولعل هذا الموقف ومواقف مشابهة من مسؤولين، هو المسؤول عن أزمة الثقة التي ترسخت وتجذرت لدى العامة، وهو ما جعل كثيرا من الأفكار العجيبة والغريبة تنتشر، ومكن كثير من الأفاقين و المدعين من إيجاد أرض خصبة لزرع أفكارهم لدى العامة ، بل وجني كثيرا من ثمار تلك الأفكار، والنتيجة أن المواطن العادي هو من يدفع الثمن وحده من وقته وماله وصحته أو حريته، وقد يصل الأمر بأن يدفع حياته ثمنًا لتوجهه لمنحى، أو اعتناقه فكرًا ما أو اتباع نظام أو تناول عقار.

لعل ما سبق وغيره من أمور أخرى، مثل تخوف المواطن وقلقه من الغذاء، الذي يسمع كل يوم أخبارا كثيرة عن فساد به، مما جعله لا يثق في مصادره وجودته، إلى جانب الحالة الاقتصادية السيئة التي جعلت كثيرا من الأغذية رفاهة لن يتمكن منها الكثيرون بسبب ضيق حالهم، إلى جانب خبراتهم الشخصية وتجاربهم المريرة في رحلات العلاج والتشافي، ولعل كل هذا – في رأيي - هو السبب الجوهري في انتشار ظاهرة الطيبات، والتي لم ولن أستطيع أنا وغيري ممن يحتذون النهج الموضوعي، أن نحسم الأمر في صحة ادعاءاتها أو عدمه، خاصةً وأن نصف الخيط قد قطع، بوفاة صاحب النظرية، وكل من يتصدرون المشهد للترويج للنظام هم مجرد متبعين له، ومعظمهم عامة من غير الأطباء أو المتخصصين، وينقلون تجارب شخصية لهم مع النظام، هم وحدهم من يعلمون مدى صدقها أو غيره، وهذا ليس لب الأمر، بل الأمر الأكثر خطورة أنه قابل للتكرار، فالطيبات لن يكون النهاية في مثل هذه الظواهر، فما دام الأمر في المجتمع لم يتغير، ومع استمرار أزمة الثقة، سوف يواجه المجتمع ظواهر أخرى، وادعاءات كثيرة ، والذي سوف يظل يدفع الثمن هو المواطن البسيط، الذي فقد الدور الإعلامي الصادق، والرقابة الحاسمة من المسؤولين، وغياب الصوت العلمي الموضوعي المنزه عن المصالح، وحينها لن يلتفت هذا المواطن إلى بناء مدن أو نهضات قد تكون ملموسة وحقيقية، فما يحدث في بلادنا الآن، شبيه بمن قام بتغيير بناية قديمة وأسسها بأفخم الديكورات والأثاث، وترك البوابة القديمة المشوهة عليها كما هي، فجعل المارة من الخارج ينكرون التغيير لأنهم لا يرون إلا التشوه القديم، رغم أن التغيير حقيقة واقعة، وبالمثل لن يستطيع المجتمع أن يدرك التغيير الحقيقي، إلا بعد تطهيره من بعض الوجوه المشوهة، وإسكات الأصوات الصاخبة، التي تضر أكثر مما تفيد، وتشكك أكثر مما تؤكد، وتفسد أي تغيير وتطوير - حتى ولو كان حقيقة واقعة - بمجرد حديثها عنه، لقد آن الآوان أن يتصدر المشهد وجوه جديدة غير هؤلاء، ولعل هذا يكون بداية في خلق جسور الثقة مرة أخرى بين المواطن ودولته، تمنحه فرصة للشعور بما يحدث حوله من تغيير وتطوير.
-------------------------
بقلم: د. عيدة محمد أحمد
* خبيرة تربوية – كاتبة وناقدة وشاعرة

مقالات اخرى للكاتب

ماذا بعد الطيبات؟