لم يكن النضال الفلسطيني يوماً وليد امتلاك القوة أو فائض الإمكانات، بل كان في جوهره تعبيراً عن إرادة شعب تمسّك بحقه في أرضه وهويته ووجوده في مواجهة مشروع استعماري امتلك منذ بداياته دعماً دولياً واسعاً وإمكانات عسكرية وسياسية تفوق بأضعاف ما امتلكه الفلسطينيون.
ومن هنا فإن قراءة مستقبل النضال الفلسطيني لا يمكن أن تبدأ من السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 وحده، بل ينبغي أن تعود إلى الجذور الأولى لمسيرة شعبٍ بدأ نضاله من العدم تقريباً وبأدوات بسيطة وفي ظل اختلال هائل في موازين القوى، لكنه استطاع عبر أكثر من قرن أن يحافظ على القضية حية وأن يطوّر أدوات مقاومته تبعاً لكل مرحلة من مراحل الصراع.
من العصيان المدني إلى الثورة
من أبرز ما يميز التجربة الفلسطينية أن الشعب الفلسطيني لم يحصر نضاله في وسيلة واحدة، فعندما كانت الإمكانات العسكرية محدودة ظهرت أشكال أخرى من المقاومة من الاحتجاج الشعبي والعصيان المدني والإضرابات والمقاطعة إلى الانتفاضات والمواجهات المسلحة، وكانت ثورة البراق عام 1929 محطة مفصلية في تطور المواجهة الشعبية الفلسطينية، بعدما سبقها تراكم طويل من الاحتجاج والمقاومة السياسية والاجتماعية ثم توالت مراحل النضال وصولاً إلى الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939 التي شكّلت نموذجاً مبكراً لقدرة الشعب الفلسطيني على تحويل الاحتجاج الشعبي إلى حركة مقاومة واسعة ذات أبعاد سياسية ومجتمعية، وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة الفلسطينية، كلما تغيّرت أدوات الاحتلال غيّر الفلسطينيون أدوات مقاومتهم، وكلما أُغلق أمامهم باب بحثوا عن باب آخر فلم تكن المقاومة بندقية فقط كما لم تكن السياسة بديلاً عن المقاومة، بل نشأ عبر العقود مفهوم أوسع للنضال يشمل السياسة والإعلام والثقافة والتعليم والوعي الشعبي والدبلوماسية والعمل النقابي والشعبي إلى جانب الكفاح المسلح.
منظمة التحرير: الانتقال من القضية إلى الكيان السياسي
مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بدأ النضال الفلسطيني ينتقل إلى مرحلة أكثر تنظيماً على المستوى الوطني والسياسي، ثم جاءت محطة قمة الرباط في تشرين الأول/أكتوبر 1974 لتشكل نقطة تحول تاريخية، إذ اعترفت القمة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، الأمر الذي عزز مكانة القرار الوطني الفلسطيني، و في العام نفسه شهدت الأمم المتحدة محطة مهمة عندما ألقى ياسر عرفات خطابه أمام الجمعية العامة ثم مُنحت منظمة التحرير صفة مراقب وصولاً لاحقاً إلى منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، وهكذا انتقلت القضية الفلسطينية تدريجياً من كونها قضية شعب يقاوم على الأرض إلى قضية حاضرة في المؤسسات والمنابر الدولية من دون أن يعني ذلك انتهاء المقاومة أو سقوط الخيارات الأخرى.
تطور العقلية النضالية وتعدد المدارس الفلسطينية
ومع مرور الزمن لم تعد الحركة الوطنية الفلسطينية ذات لون فكري واحد، بل ظهرت تيارات وحركات متعددة ذات رؤى قومية، ووطنية، ويسارية، وإسلامية.
وفي سياق هذا التطور برزت حركات فلسطينية ذات مرجعية إسلامية حملت رؤية مختلفة للصراع وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، حيث ربطت المقاومة الفلسطينية بالمشروع الإسلامي ورفضت اختزال فلسطين في حدود سياسية فرضتها التحولات الدولية.
وبذلك أصبحت الساحة الفلسطينية أكثر تنوعاً من حيث الفكر والتنظيم والأدوات، لكن القاسم المشترك بقي بدرجات مختلفة هو رفض محو الهوية الفلسطينية والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقوقه الوطنية.
وهنا يجب التوقف أمام مسألة جوهرية: المقاومة ليست حالة ثابتة، وإنما عقلية قادرة على التكيف مع الظروف. فحين تتاح المساحة للعمل السياسي تتحرك السياسة، وحين تكون الساحة الشعبية مفتوحة تتحرك الجماهير وحين يشتد القمع تظهر أشكال أخرى من المقاومة، وحين يصبح الصراع دولياً تنتقل المعركة إلى المحاكم والمؤسسات والمنابر العالمية.
السابع من أكتوبر: كسر حاجز الخوف
جاء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وعملية طوفان الأقصى ليشكل محطة استثنائية في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، وبصرف النظر عن تقييم النتائج السياسية والعسكرية والإنسانية التي ترتبت على هذه العملية، فإن أحد أهم آثارها الاستراتيجية كان كسر صورة التفوق الإسرائيلي المطلق وطرح سؤال ظل طويلاً محاطاً بهالة من الخوف: هل يستطيع الفلسطيني أن يواجه إسرائيل ويخترق منظومتها الأمنية والعسكرية؟
لقد جاءت العملية لتعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد سنوات من محاولات دفعها إلى هامش الأجندة الدولية، خصوصاً مع مسارات التطبيع الإقليمي ومحاولات التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً يمكن إدارته بدلاً من حل جذورها، لكن المفارقة الكبرى أن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم أمام حرب هائلة في ظل اختلال شديد في موازين الدعم الدولي والإقليمي، بينما حصلت إسرائيل على دعم سياسي وعسكري واسع من الولايات المتحدة ودول غربية، ومع ذلك فإن استمرار المقاومة والصمود الفلسطيني رغم الفارق الهائل في الإمكانات أسقط مرة أخرى فكرة أن التفوق العسكري وحده قادر على إنهاء القضية.
ما بعد السابع من أكتوبر: المعركة لم تعد عسكرية فقط
ربما كان من أهم التحولات التي أحدثتها الحرب أن المعركة خرجت بصورة أكبر من نطاقها الجغرافي فإلى جانب الميدان العسكري انتقلت المواجهة إلى:
1. الرأي العام العالمي.
2. الجامعات والشارع الغربي.
3. الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
4. المحاكم والمؤسسات الدولية.
5. الساحة الدبلوماسية.
6. حركة المقاطعة والضغط الشعبي.
7. معركة الرواية التاريخية والقانونية.
وقد انعكس ذلك في تغيرات مهمة على المستوى الدولي، ففي عام 2024 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 143 دولة مقابل 9 لصالح قرار يدعم أهلية فلسطين للعضوية في الأمم المتحدة ويوسع حقوق مشاركتها كدولة مراقب، كما بلغ عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين 147 دولة حتى 31 يوليو/تموز 2025 وفق تقرير أممي، هذه التحولات لا تعني أن العالم أصبح موحداً خلف الفلسطينيين ولا أن الصراع حُسم سياسياً، لكنها تؤشر إلى تغير مهم لم تعد إسرائيل قادرة بسهولة على احتكار الرواية الدولية للصراع كما كانت تفعل في مراحل سابقة.
القانون الدولي يتحرك... ولكن المعركة لم تنتهِ
ومن أهم المتغيرات أيضاً دخول القضية الفلسطينية مرحلة غير مسبوقة من الحضور أمام القضاء الدولي، فقد أصدرت محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل تدابير مؤقتة ملزمة في عام 2024، وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي تندرج ضمن نطاق اتفاقية منع الإبادة الجماعية، كما أعادت المحكمة تأكيد تدابيرها وأضافت تدابير جديدة في أيار/مايو 2024.
وفي مسار قضائي آخر أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق "بنيامين نتنياهو "و "يوآف غالانت" على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما فيها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب.
وهذا بحد ذاته تحول نوعي في مسار القضية، لأن مسؤولين إسرائيليين كانوا لعقود يتصرفون ضمن شعور واسع بالحصانة السياسية والقانونية.
ولكن أين يكمن مستقبل النضال الفلسطيني؟
إن مستقبل النضال الفلسطيني في تقديري لن يكون نسخة عن الماضي ولن يكون محصوراً في شكل واحد من أشكال المقاومة.
فالمرحلة القادمة ستحتاج إلى تكامل أدوات النضال أكثر من أي وقت مضى:
أولاً: المقاومة بكل أشكالها العسكرية والشعبية باعتبارها امتداداً طبيعياً لتاريخ طويل من العصيان، والإضراب، والانتفاضة، والمقاطعة.
ثانياً: المقاومة السياسية والدبلوماسية عبر استثمار التحولات الدولية وتعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتوسيع دائرة الدول التي تتبنى الحقوق الفلسطينية.
ثالثاً: المقاومة القانونية، بتحويل الجرائم والانتهاكات إلى ملفات قضائية موثقة أمام المؤسسات الدولية.
رابعاً: المقاومة الثقافية والإعلامية لأن الصراع هو أيضاً صراع على الذاكرة والرواية والهوية.
خامساً: بناء الإنسان الفلسطيني لأن بقاء القضية لا يعتمد فقط على السلاح وإنما على بقاء الفلسطيني متمسكاً بأرضه وهويته وحقه التاريخي.
سادساً: الوحدة الوطنية وهي ربما الحلقة الأكثر إلحاحاً فالتعدد السياسي والفكري يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير ضمن استراتيجية وطنية جامعة لكنه يتحول إلى عامل استنزاف عندما يصبح الانقسام بديلاً عن الصراع مع الاحتلال.
من ظلام اللحظة إلى أفق التحول
قد يبدو المشهد الفلسطيني اليوم شديد القسوة: دمار، شهداء، جرحى، تهجير، حصار، انقسام، وضغوط دولية وإقليمية هائلة.
لكن التاريخ لا يقاس دائماً بلحظته الراهنة، كم من إمبراطوريات بدت في لحظة ما غير قابلة للسقوط ثم انهارت (؟) وكم من قضايا اعتقد أصحابها أن الزمن تجاوزها ثم عادت إلى واجهة التاريخ (؟) والقضية الفلسطينية تحديداً أثبتت خلال أكثر من قرن أنها تمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتكيف وإعادة إنتاج نفسها، بدأ الفلسطينيون بأدوات محدودة ثم طوروا تنظيماتهم ومن العصيان والإضراب انتقلوا إلى الثورة، ومن العمل الفدائي انتقلوا إلى بناء المؤسسات السياسية، ومن ساحات المواجهة المحلية انتقلوا إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، ومن البندقية والإعلام إلى الدبلوماسية والقانون والرأي العام العالمي، واليوم بعد السابع من أكتوبر تقف القضية أمام مرحلة جديدة لا تشبه تماماً ما سبقها، لقد أعاد الحدث فلسطين إلى مركز العالم وفي الوقت نفسه أظهر حجم الفجوة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان وبين الممارسة السياسية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، لكنه في المقابل أطلق موجة عالمية واسعة من التضامن مع الفلسطينيين وفتح نقاشاً غير مسبوق حول الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني.
الإيمان بالقضية وصناعة المستقبل
نحن كأصحاب قضية ومقاومة لا ننظر إلى المستقبل من خلال ميزان القوة المادية وحده، فلو كان هذا الميزان هو العامل الوحيد في صناعة التاريخ لما بقيت القضية الفلسطينية حية حتى اليوم.
إننا نستمد جزءاً من صمودنا من الإيمان بأن الظلم مهما طال لا يصنع حقاً.. وأن القوة مهما عظمت لا تستطيع وحدها أن تمحو شعباً من التاريخ. ولذلك يبقى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حاضراً في الوعي الفلسطيني ليس باعتباره بديلاً عن العمل والتخطيط وإنما باعتباره مصدر ثبات وإرادة في مواجهة المحن.
إن مستقبل النضال الفلسطيني لن تحدده فقط موازين القوى القائمة اليوم، بل قدرة الفلسطينيين على تحويل الصمود إلى مشروع والتضحيات إلى إنجاز سياسي والتعاطف الدولي إلى ضغط فعلي والتعدد الفلسطيني إلى وحدة والمقاومة إلى استراتيجية متكاملة تحفظ القضية وحقوق الشعب الفلسطيني.
وقد يكون أهم درس في تاريخ النضال الفلسطيني أن القضايا العادلة لا تموت لمجرد أن الطريق إليها طويل، فلسطين ليست قضية جيل واحد بل قضية أجيال متعاقبة وكل جيل أضاف حجراً إلى جدار الصمود. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط على ما يمكن أن تفعله المقاومة في الميدان ولا على ما يمكن أن تفعله الدبلوماسية في العواصم، وإنما على قدرة الشعب الفلسطيني على الجمع بين الإنسان والأرض والهوية والمقاومة والسياسة والقانون والثقافة والإعلام ضمن رؤية وطنية قادرة على استثمار التحولات الدولية بدل الاكتفاء بمراقبتها، وإذا كانت التجربة الفلسطينية قد بدأت من العدم تقريباً واستطاعت رغم كل المؤامرات والحروب والاحتلال ومحاولات الاقتلاع أن تبقي فلسطين حاضرة في وجدان العالم، فإن المتغيرات التي أعقبت السابع من أكتوبر تؤكد أن الصراع لم يدخل نهايته بل دخل مرحلة جديدة تتغير فيها أدوات القوة ومعايير الشرعية والرواية الدولية، وقد لا يكون النصر في التاريخ لحظة واحدة بل قد يكون مساراً طويلاً تتراكم فيه التحولات حتى تأتي اللحظة التي ينقلب فيها ميزان المشهد وهذا هو الرهان الذي نتمسك به أن تبقى فلسطين حاضرة وأن يبقى شعبها ثابتاً وأن تتحول التضحيات إلى طريق نحو الحرية والعودة مهما طال الطريق.
-------------------------------
بقلم: يوسف أبو سامر موسى
* باحث وكاتب سياسي/فلسطين.






