28 - 08 - 2026

ذاكرة الأرض والمذبحة | فلسطين من جذور النكبة إلى لهيب أغسطس 2026

ذاكرة الأرض والمذبحة | فلسطين من جذور النكبة إلى لهيب أغسطس 2026

خريطة النار والنزف في أغسطس 2026

نفسها الأحداث بالطبع ونفس المكان فلسطين الحبيبة، ولكن لننظر من نافذه مختلفة كما هى عادتي معكم لنرى طرحا مختلفا لما يحدث على امتداد الجغرافيا الفلسطينية وخلال الأسابيع المنقضية من شهر أغسطس الجاري لم تتوقف ماكينة الضغط العسكري عن إعادة تشكيل الواقع بالنار والحديد.

قطاع غزة يرزح تحت وطأة خروقات مستمرة للهُدَن التي تخللتها غارات جوية وقصف مدفعي تركز بضراوة في محاور خان يونس ومحيط مخيم جباليا، متزامنة مع حصار خانق يمنع تدفق أبسط المقومات الحياتية كالدقيق والمستلزمات الطبية وسط كارثة نزوح مستمرة، تكابد فيها الأغلبية الساحقة من السكان مرارة العيش داخل الخيام وتحت وطأة الأمراض.

وأما عن الضفة الغربية والقدس فتشهد مدن وبلدات الضفة، وفي مقدمتها جنين وطولكرم وطوباس والبيرة، موجة اقتحامات واعتقالات يومية واسعة النطاق وقد امتدت يد التخريب والاستيطان لتستهدف مقرات المؤسسات الدولية لا سيما اقتحام ومصادرة أجزاء من معهد قلنديا التابع للأونروا شمال القدس تمهيداً للتوسع الاستيطاني، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين في ريف نابلس والخليل وطوباس والتي تستهدف ضرب شبكات المياه وتقطيع عُرى الاقتصاد الزراعي والرعوي المحلي.

لهذا وجب أن نعيد التذكير بالفاتورة التاريخية وسجل الخسائر الممتد منذ النكبة وحتى اليوم.

فحين يُوضع المشهد الراهن في ميزان التاريخ يتكشف حجم التكلفة الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني عبر مسيرة صراع ممتدة من الاحتلال الممنهج، حيث تشير التقديرات التراكمية في السجلات التاريخية والإحصائية الرسمية إلى أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه منذ النكبة عام 1948 وحتى الآن داخل الوطن وخارجه تجاوز 250,000 شهيد.

عند الحديث عن حصيلة "محرقة الإبادة الأخيرة" فقط (منذ أكتوبر 2023 وحتى أغسطس 2026) على مستوى الوطن ككل (غزة والضفة وباقي المدن )، تجاوز عدد الشهداء الموثقين رسميًا 75,000 شهيد (حوالي 73,400+ في غزة، إضافة إلى شهداء الضفة والقدس)، وأكثر من 185,000 جريح ومصاب في شتى المحافظات (أغلبهم من النساء والأطفال بنسبة تتجاوز 70%)، يضاف إليهم آلاف المفقودين تحت الأنقاض. يضاف إليهم حصيلة المصابين والجرحى في قطاع غزة والضفة الغربية 185,000 جريح ومصاب، يعاني عشرات الآلاف منهم من إصابات بالغة وعاهات مستديمة وبتر في الأطراف بالإضافة إلى ما يزيد على 11 ألف مفقود تحت الأنقاض .

أيضآ الخراب العمراني والبيئي، حيث طال التدمير الممنهج أكثر من 75% من المباني والوحدات السكنية في غزة مخلفاً نحو 42 مليون طن من الركام، فضلاً عن سياسات الهدم المستمرة لعشرات الآلاف من المنشآت والبيوت في الضفة والقدس تاريخياً وراهناً.

وحدث ولا حرج عن الانهيار المالي والاقتصادي حيث تُقدر الخسائر غير المباشرة المترتبة على حرمان الاقتصاد الفلسطيني من مقومات نموه بمئات مليارات الدولارات عبر العقود، بينما راوحت التكلفة المباشرة لتدمير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية في السنتين الأخيرتين بين 35 و40 مليار دولار، مترافقاً مع انكماش اقتصادي حاد وفقر جماعي يطبق على رقاب الأغلبية في القطاع.

وبالطبع لا يمكننا ان نغفل الاعتقال والاقتلاع، حيث خاض أكثر من مليون إنسان تجربة غياهب السجون منذ عام 1967 و يعاني اليوم أكثر من 10 آلاف معتقل ظروفاً قاسية إلى جانب اقتلاع التجريف الزراعي لأكثر من 70% من المساحات المنتجة في غزة، وتشريد الملايين قسراً. ليتبقى لنا ذاكرة الأفق المفتوح الجيوسياسة العارية فوق تراب الوطن.

إن تتبع هذه الشواهد الرقمية والميدانية يتجاوز أبعاد الإحصاء البحت ليعيد صياغة الفهم البنيوي لطبيعة الصراع الراهن، فما جرى ويجري ليس مجرد جولات عابرة من الاشتباك العسكري بل هو تتويج لمسار المخطط الصهيوني الطويل، الذي أراد يوماً طمس الهوية وإلغاء الوجود من جذوره، حين تتراكم أرقام الضحايا وتتعمد جغرافية الضفة وغزة بالدم والخراب تتبخر تماماً كل السرديات التي روّجت طويلاً لخيارات التسوية الناعمة أو الوصاية الإدارية المؤقتة.

إن الواقع الماثل في صيف هذا العام يبرهن على أن آلة القمع والتمدد الاستيطاني اصطدمت بصخرة صمود استثنائي يعيد كتابة قواعد الاشتباك الحضاري.

فلسطين اليوم لا تستصرخ ضمير منظومة دولية تآكلت شرعيتها أمام ازدواجية المعايير، بل تخط بدم أبنائها ملامح مرحلة جديدة تفكك أوهام الهيمنة، وتعلن بوضوح أن الجذور الممتدة في عمق الأرض لا يمكن اجتثاثها بكل ترسانات الدمار وأن حكاية البقاء أصلب وأبقى من كل معادلات الإخضاع والقهر.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

ذاكرة الأرض والمذبحة | فلسطين من جذور النكبة إلى لهيب أغسطس 2026