"البساريا" تجعلنا نفهم معنى الحياة.. عند القمة وعند القاع! "الناس اللي فوق والناس اللي تحت". "الهامور" المتربع على "القمة".. والهوامير في أي زمن وأي عصر هم قلة قليلة.. تفوز بكل شيء، حتى تخسر فيما بعد كل شيء. عُرِفوا قبل ٢٣ يوليو ٥٢ بأنهم يمثلون النصف في المئة من إجمالي المصريين.. وبعد تولي السادات كانوا هم "القطط السمان" الذين أثروا بفحش نتيجة سياسات الانفتاح والاتجار في العملة والخيش والخردة! وبعد سقوط مبارك وتولي مرسي عاد المماليك بمكوسهم وضرائبهم ومعهم الملتزم والمحتسب إلى الواجهة، فكان ذلك ايذانا بظهور نسخة أخرى مؤلمة مجددة من عصر قدماء المماليك!
"قاع الهامور" عندي هو "البساريا".. وهي "اختراعايه" مصرية قديمة.. سابقة على اختراع الأجيال الحالية للجروب الشهير الذي حمل هذا العنوان.. التريند الذي قلب الدنيا وأضحك الناس وأبكاهم! الهامور وسنينه وقاعه.. ذلك الاختراع المصري العجيب.. هو "بساريا الاسبونش بوب"، التي أعادتنا إلى زمن مسلسل كارتوني شهير جذب انتباه مليارات من البشر.
هكذا الحياة : هامور وهوامير وبينهما بساريا!
****
- أبي وأمي رحمهما الله مدرسان (منذ ستينات القرن الماضي). في مصر تربينا على سمك البوري والبلطي والمكرونة وعشقناها .. ولم أعرف أنا - ابن الفقراء - أنواعًا أخرى من الأسماك - حتى البساريا!- كونها ميزة تتاح لأهل المدن الساحلية، يحصلون عليها من بقايا تجار الأسماك وصيادي المراكب.. تماما مثلما يتميز القرويون - وأنا منهم - بالحصول على رجول وعظام الدجاج.. حيث تضع البائعة هرما مغريا من هذه الأصناف التي لا خير فيها أمامنا، بعد أن حصلت عليها بصفقة فجرية عقدتها مع أصحاب المحال. إلى أن غرقت حتى أذني (منذ العام ٩٣) في المجتمع الكويتي، فعرفت "الروبيان" (الجمبري باللهجة المصرية) و"الهامور".. وهو ليس مجرد سمكة يفضّلها الكويتيون، وانما هي وصفهم المحبب الذي يطلقونه على "هوامير المجتمع" الكويتي، من ذوي الحظوة والثروة والنفوذ.. المصريون يقولون شيئا آخر: البيه.. الباشا.. و"باشوات وسوبر باشوات"، وإن لم يكن بالمعنى الذي قصده د. حسين مؤنس في كتابه المعنون بهذه العبارة!
- الهامور على "القمة " بين الأسماك الخليجية، ويباع بسعر يتراوح بين ٤ دنانير و٤ وربع دينار (الدينار قفز سعره إلى مايعادل ١٦٠ جنيها) المستورد منه "وِحشْ".. أقل جودة من المحلي، لذا يباع بنصف السعر.. ويتميز بكثافة لحمه وتماسكه، إضافة إلى قلة أشواكه، ويعتبر خياراً فاخراً ورمزاً للضيافة في الولائم وموائد المجالس الخليجية. كما أنه يتميز بتنوع وسائل طهيه، فهو يدخل في تحضير أشهر الأطباق مثل "المجبوس الخليجي"، ويُطْبَخ مشوياً على الفحم أو مقلياً أو في الشوربة.
- أما عندنا فيسمى "قنبلة الفسفور"، وهم مرغوب جدا لغناه بالأحماض الأمينية وأوميغا 3.. هو إذن يتربع على "القمة" خليجيا، لكن مصريين ساخرين تفننوا حتى يهبط الهامور إلى "القاع".. وجعلوا من "قاعِه" أكثر أهمية! لقد أنشأوا جروبا أو مجموعة فيسبوكية باسم "شكاوى أهالي قاع الهامور"، اجتذب على فيسبوك نحو 1.8 مليون عضو خلال أقل من أسبوعين فقط على إنشائه، فيما تجاوز عدد المنشورات عشرات الآلاف، وأصبح الجروب "تريند"، بشكل مخيف! مخيف لمن؟ ولماذا؟ ولأي سبب؟!! هذا ماحدث! الانتشار السريع للمجموعة أثار جدلاً - وقلقا - واسعاً، قبل أن يعلن القائمون عليها تعليق نشاطها مؤقتاً، بالتزامن مع تقارير محلية أفادت بأن جهات أمنية تفحص خلفيات مسؤوليها وتوجهاتهم. وان لم يفتح تحقيق مع اعضائها حتى لحظة كتابة هذه السطور. المجموعة التي تأسست في 11 أغسطس/آب، تبدو منشوراتها الساخرة - التي تتناول الشكاوى والمواقف الطريفة التي تدمج بين مشاكل الحياة اليومية في الواقع وعالم "سبونج بوب" الخيالي، الذي تعلق الناس به في مسلسل كارتون شهير أعده عالم احياء عام ١٩٩٩ يدعى ستيفن هيلينبرغ - وكأنها تتعامل مع "قاع الهامور" على أساس انها مدينة مصرية حقيقية. فـ "قاع الهامور" هذا هو الاسم العربي لمدينة "Bikini Bottom" الخيالية التي تدور فيها أحداث المسلسل، وتعيش فيها شخصياته مثل "سبونج بوب وبسيط وشفيق وسلطع" .
الهامور يقينا في المقدمة.. والهوامير على القمة فعلا.. لكن سخرية المصريين من الهامور والهوامير أطاحت به وبهم إلى القاع!
والغريب أن الذين فعلوا ذلك هم من أجيال Z و Alfa التي تتعامل مع العصر بلغته، وهي لا تسأل أسئلة غبية كالتي يسألها أناس لا ينتمون إلى الأجيال القديمة العتيدة في التثقف الذاتي، ولا هم من الأجيال الحالية التي تتعامل مع العصر وأدواته ووسائله (على طريقة الكوميكس والجرافيك والكارتون)، وإنما الذين يستخدمون وسائل التواصل ويسألون ويستفتون بكثرة عن الدين هم من أرباع المتعلمين الذين يملأون الدنيا ضجيجا وعجيجا على الفيس بوك والتيك توك وانستجرام، وأغلبهم ذو ثقافة دينية محدودة، لا تؤهلهم لطرح الأسئلة الصحيحة، ولا حتى لإبداء ما يسمونه "غيرة على الدين" أو "دفاعا" عنه، فكيف يجرؤون على ذلك وهم لا يمارسون إيمانهم من باب أنه معاملات، وإنما من شباك "اخطف ركعتين واجري" !!
- هبطوا بالهامور مؤخراً إلى القاع.. فأصبح "بساريا" وهي لا تحتاج إلى تعريف أو شرح.. الطبقة الطافية على السطح التي تلقت تعليما أتاح لها أنها "يدوب تفك الخط".. وتنشغل بأسئلة تراها وجودية (!!) في حياتها من نوعية: كيف الدخول إلى الحمام وبأي رجل، وحِل أو حُرمة شرب بول البعير.. وهل النحنحنة واجبة عند دخول البيت؟ وهل يعبر العتبة بالقدم اليمنى أم اليسرى؟ هل زيارة العاقر إلى القبور ليلا تنجح في جعلها تنجب دستة أطفال!
من صنف "البساريا" التي تغوص في قاع المجتمع ثقافيا وفكريا وبيئيا - لكنها ربما امتلكت الكثير من التكاتك والتروسيكلات - من أرسل يسأل اهل الفتوي: هل الدعاء على أحمد موسى حلال أم حرام؟ هولاء الذين يطفون على سطح التكتوك والموتسيكلات والتُمْنّايات ليسوا أهل مصر الحقيقيين. هؤلاء طافحون وطافون فقط على السطح وكأنهم النجوم - بما يكسبونه آخر اليوم من مئات جنيهات سهلة يسيل لها لعاب هذه الطوائف! أحمد موسي ياقوم صحفي مصري يعمل بالأهرام.. والآن يقدم برنامجا تليفزيونيا حقق من ورائه شهرة وانتشارا. يفتقر إلى المصداقية وغالبية المشاهدين والمتابعين لا يتفقون مع ما يطرحه. هذه وجهة نظر، تقابلها وجهة نظره هو وفريق معه يؤيده. تحبونه أم تكرهونه، تتفقون معه أم تختلفون.. ترفضون ما يقدمه أم تقبلونه، تتهمونه بالمنافقة والمجاملة والمداهنة للنظام، أم تعتقدون بصحة مايقوله، حيث يرى وفريق معه أنه يساند الدولة المصرية، كونها في رأيهم تتعرض لمؤامرة ينبغي مواجهتها، هذا تقديركم.. هذا كل ما في الموضوع. صحفي ومذيع تليفزيوني يطرح وجهة نظره على الناس.. لماذا تصنعون منه بطولة في غير محلها؟ تتحدثون عن أحمد موسى (ليس هيكل ولا مصطفي أمين) الصحفي الذي قضى عمرا في صحافة الحوادث، ثم رزقه الله برنامجا تليفزيونيا حقق له شهرته وجنى رزقا لا أعرف مقداره وأظن أنه لا يهم أحدا سوى مصلحة الضرائب على الدخل (هل لدى هذه المصلحة نسخة من تعاقده الحقيقي مع قناة صدى البلد، ويتم محاسبته ضريبيا كما ينبغي؟) هل يصح سؤال كهذا عن رأي المفتي في الدعاء على موسى لمجرد أنه مرفوض شعبيا كما كان موسى صبرى في زمن السادات؟ هل الدعاء لأحمد بالشفاء حرام وهل يجوز الدعوة عليه لإهلاكه؟ هل هذه هي الأسئلة؟ هل يجب معاملة الهوامير الاجتماعية في البلد بمنطق الغل والتشفي والحسد، أم بمنطق الاتفاق والاختلاف والنقد المباح؟ هل من حق أحد أن يشمت في المرض؟! جرى الكثير للمصريين، لكننا لم نتوقع توحشه بهذه الطريقة: أن يتحول هوامير القمة إلى ممارسات بساريا القاع. أغلب الهوامير في النهاية تصبح بساريا.. ولكن بسلوكها وتصرفاتها! وللحديث بقية.
-------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






