27 - 08 - 2026

مضيق هرمز من ممرّ بحري إلى ورقة استراتيجية بيد إيران

مضيق هرمز من ممرّ بحري إلى ورقة استراتيجية بيد إيران

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرّ جغرافي بين الخليج الفارسي وبحر عُمان؛ بل تحوّل إلى أحد أهم المتغيرات الاستراتيجية في معادلة الأمن الإقليمي، وتجارة الطاقة، والعلاقات بين إيران والولايات المتحدة. وتُظهر التطورات الأخيرة أن أهمية هرمز ينبغي أن تُدرس على ثلاثة مستويات متزامنة: الأمن والسيادة، والردع العسكري، والورقة الاقتصادية السياسية.

وأهم ما يلفت الانتباه في هذا السياق، هو طرح مسألة «إعادة فتح مضيق هرمز مقابل قبول الشروط الإيرانية». وتحمل هذه اللغة رسالة سياسية واضحة: تسعى طهران إلى تحويل قدراتها الجيوسياسية في واحد من أهم مسارات الطاقة الحيوية في العالم إلى ورقة للتفاوض والضغط السياسي. وفي هذا الإطار، ينتقل مضيق هرمز من موقع جغرافي إلى «أصل جيوسياسي» يؤثر في حسابات الطرف المقابل بشأن كلفة الضغوط والعقوبات والعمل العسكري.

ومن منظور الردع أيضاً، فإن ابتعاد القطع العسكرية الأميركية عن نطاق المياه الإيرانية ليس مجرد تحرك تكتيكي، بل يحمل رسالة استراتيجية. وتتمثل رسالته الداخلية في تعزيز الاعتقاد بأن معادلة الردع في المنطقة قد تغيرت مقارنة بالماضي، وأن الوجود العسكري الأميركي لم يعد قادراً على التحرك من دون احتساب الكلفة والمخاطر. أما على المستوى الخارجي، فالرسالة أكثر وضوحاً: أي عمل عسكري ضد إيران يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز ساحة المعركة، وأن يؤثر في أمن الملاحة وتدفق الطاقة في الخليج الفارسي وحتى أبعد من ذلك.

وفي هذا السياق، يكتسب دور عُمان أهمية خاصة. فأي حوار بشأن إدارة المضيق، أو الترتيبات البحرية، أو المصالح الاقتصادية الناجمة عن حركة العبور، في حال تحققه، يمكن أن يخرج قضية هرمز من إطار نزاع ثنائي محض بين إيران والولايات المتحدة، ويحوّلها إلى قضية مرتبطة بحقوق ومصالح الدول الساحلية والأطراف الإقليمية المعنية. ومن شأن هذا النهج أن يفتح قدرات دبلوماسية جديدة لإدارة الأزمة.

ومن المنظور الاقتصادي، تتجاوز أهمية هرمز حدود المنطقة بكثير. فهذا المضيق أحد المسارات الحيوية لنقل النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل، وارتفاع أقساط التأمين على السفن، وتفاقم الضغوط التضخمية في الاقتصاد العالمي. ولذلك، وحتى من دون الدخول في سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق، فإن قدرة إيران على إحداث اضطراب أو توجيه تهديد موثوق ضد تدفق الطاقة يمكن أن تشكل بحد ذاتها أحد عناصر الردع الاقتصادي.

ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل ملاحظة أساسية: إن القوة الجيوسياسية لمضيق هرمز تتحول إلى ورقة ضغط فعالة عندما يتحقق توازن بين القدرة على فرض قيود على الملاحة وبين التكاليف الاقتصادية والسياسية المترتبة على استخدام هذه القدرة. فالإغلاق طويل الأمد للمضيق لن يؤثر في الولايات المتحدة وحلفائها فحسب، بل سيطال أيضاً اقتصادات دول المنطقة، وفي نهاية المطاف الاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن قرار الإغلاق طويل الأمد للمضيق يزيد أكثر من إمكانية إرغام الولايات المتحدة على قبول الشروط الإيرانية.

وفي النتيجة، يفرض العقل الاستراتيجي التعامل مع هرمز ليس بوصفه مجرد أداة للإغلاق، بل باعتباره ورقة للردع والمساومة. فأحياناً لا تكمن قيمة السلاح الاستراتيجي في استخدامه، بل في أن يدرك الطرف المقابل أن استخدامه ممكن في حال تجاوز الخطوط الحمراء.

ويمكن صياغة الرسالة الأساسية لتطورات هرمز على النحو الآتي: لا يمكن ضمان أمن الطاقة في الخليج الفارسي من دون أخذ أمن إيران ومصالحها في الاعتبار. وإيران، بما تمتلكه من موقع جغرافي فريد، وعمق استراتيجي إقليمي، وقدرات عسكرية وبحرية، تشكل جزءاً لا يتجزأ من معادلة أمن مضيق هرمز.

وبالتالي، ينبغي النظر إلى مضيق هرمز لا باعتباره «نقطة ضعف» بالنسبة إلى إيران، وإنما باعتباره أصلاً استراتيجياً؛ أصلاً يمكن، إذا اقترن بالدبلوماسية والردع والإدارة الاقتصادية والحساب الدقيق للكلفة، أن يتحول في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية إلى إحدى أهم أوراق القوة الوطنية الإيرانية.
-------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي - إيران

مقالات اخرى للكاتب

مضيق هرمز من ممرّ بحري إلى ورقة استراتيجية بيد إيران