لم تكن روسيا يومًا حليفًا نزيهًا لمصر، كما أنها لم تكن في يوم من الأيام في مواجهة حقيقية مع النظام الدولي، حتى عندما كانت تتبنى خطابًا سياسيًا يوحي بذلك. والتاريخ المصري الحديث يقدم شواهد عديدة على أن موسكو كانت تتحرك، في نهاية المطاف، وفق حسابات مصالحها الاستراتيجية، لا وفق اعتبارات الصداقة أو التحالف المجرد.
فحينما غضبت أمريكا علي عبدالناصر ولم تمول السد العالي، دخلت علي استحياء، وكانت تبني مترًا واحدًا في اليوم، ولاحظ المهندس سعيد حلمي رئيس لجنة السد، فطلب من عبد الناصر إسناد أمر البناء للمرحوم عثمان أحمد عثمان، وبالفعل كان يبني في اليوم الواحد ١٥٠م، منذ بداية وضع حجر الأساس عام ١٩٦٠ حتي اكتماله في يونيو ١٩٧٠.
اليوم يُعاد المشهد بأدوات أخري، بنفس المتورطين (روس وأمريكان)، بأدوات جديدة وهي حرمان مصر من مصادر التيار الكهربي المتنوعة، وإرغامها علي العيش في ظلام. فتارة تخرج علينا إسرائيل بخبر تخفيض كميات الغاز المسال لمصر بنسبة ٥٠% لدواعي أعمال الصيانة المبهمة والمتكررة، بلا جدول زمني، ما يعود بالسلب علي آداء محطات توليد الكهرباء.
وتارة تخرج علينا وكالات الأنباء العالمية باتهام "روساتوم" عملاق صناعة المفاعلات النووية العالمي وتسببها في وجود عيوب إنشائية في خرسانات حاويتي قلب المفاعلين ٢ و ٣.
والمعلوم أن روساتوم ما هي إلا ذراع من أذرع الدولة العميقة في روسيا، فيما يبدو الأمر قد ذهب بعيدًا كون الشركة قد أخطأت في تقنيات "الصبة الخرسانية لوعاء المفاعل" وهذا أمر مثير للسخرية. فحين نجد نفس المشكلة قائمة في مفاعل "كريكووي" التركي المتوقف منذ عامين نصل عندها إلي خيوط مؤامرة روسية مكتملة الأركان.
أري وبحكم تخصصي أن الأمر يتعدي الخطأ الإنشائي، بل هناك مشكلة كبري تتعلق بالمكونات الرئيسية للمفاعل النووي مثل قلب المفاعل Reactor Core، أو المهدئات Moderators أو قضبان التحكم Control Rods أو المبردات Coolant والأخطر والأهم Pressure Vessels وعاء الضغط الذي يحوي بداخله كل ماسبق، وأحد هذه المشكلات أو كلها إن وجدت، يعني تأجيل إستحقاق تسليم المفاعل لأربعة سنوات علي الأقل.
إستوقفني خبر توقف المفاعل التركي منذ عامين لأسباب شبيهة بأسباب مفاعل الضبعة، فتيقنت أن روسيا التي لا تقدح من رأسها تريد مشاركة المنظومة العالمية في توريط مصر وتجويعها طاقوياً، مثلما فعلت الصين تماماً مع كوبا التي تحتضر الآن بسبب الحصار الأمريكي لأكثر من ستة أشهر علي انقطاع الكهرباء عنها، حيث طلبت مساعدة الصين فلم تجدها بعد وعود بالوقوف في وجه الولايات المتحدة والحؤول دون قطع التيار الكهربي في عموم كوبا، لكنه كان دربًا من خيال فهوي.
لا تأمنوا للروس والصين فكلاهما جرزان الأمريكان.
---------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير






