منذ فترة وأنا أرغب فى كتابة المقال السياسى نظرا للظروف الاقتصادية القائمة والخانقة التى تعكر صفو المواطن غير القادر من الطبقة فوق المتوسطة بتعريفاتها الحالية وليس السابقة والمتوسطة والفقيرة ناهيك عن الطبقة المعدمة. وذلك خوفا من تأثير تلك الظروف الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية والمعيشية ونتائجها السلبية على التوافق والتلاحم الوطنى الذى يحتاجه الوطن الآن أشد الاحتياج نظرا للظروف والتحديات التى تواجهه داخليا وخارجيا.
ولكن الأغرب أن هناك حالة غير عادية متصاعدة وخطيرة تجتاح السوشيال ميديا منذ فترة ليست بالقليلة، تؤجج الطائفية وتكرس التعصب الأعمى وتعمق الانقسام بين أبناء الوطن الواحد وتدعو جهارا نهارا لرفض الآخر ليس كمختلف فى العقيدة (وهذا طبيعى) ولكن لمجرد أنه إنسان يشترك مع الآخر (أى آخر) أيا كانت عقيدته فى الإنسانية التى جبلنا عليها الله سبحانه وتعالى. وهذا لو تعلمون خطر كل الخطر أكثر من اى قضية أخرى حتى لو كانت المشكلة الاقتصادية!! وذلك لأن اللعب على وتر التعصب والتطرف والطائفية ورفض الآخر خاصة الدينى، هو الباب الذهبى تاريخيا الذى يتم من خلاله الاختراق الاستعماري، والطريق المتاح لكل قوى الشر التى تريد هدم الوطن لصالح مصالح ذاتية وتنظيمية تتحالف مع كل من يسعى لإضعاف الوطن وهدمه! ولكن والحمد لله، فمهما كانت الظروف الطائفية مستحكمة ومسيطرة كان الشعب المصرى يتماسك بهويته متعددة المصادر وبمركبه الحضارى المتعدد والمتطور فيسقط الطائفية ويتخطى المؤامرة.
ولكن هنا وبكل صراحة لابد من التنبه والانتباه إلى متغير جديد قلب المعادلة وأربك كل الحسابات. وهو وجود السوشيال ميديا. فما هى الحكاية؟ الحكاية ياسادة قبل السوشيال ميديا ومنذ بدايات العمل بالنظام السياسى الذى كان يعتمد على النظام الطائفي والذى كان يعتبر أن المسيحيين طائفة مثل طوائف الحرفيين ويمثلها البطريرك. وحتى دخول الصحافة خاصة اوائل القرن العشرين، لم تكن هناك وسائل لممارسات طائفية يتم تداولها شعبيا بين المسلمين والمسيحيين إلا بعد ظهور الصحافة الطائفية الإسلامية والمسيحية (التى كان وراءها الاستعمار الانجليزى) والتى كانت تتصادم وتتصارع حتى وصلت الأمور إلى مواجهة طائفية بعقد المؤتمر القبطى باسيوط ١٩١١ وتم الرد عليه بالمؤتمر الإسلامى فى الإسكندرية.
ولكن لم تكن تلك المواجهات الطائفية على المستوى الشعبى ولكنها كانت بين النخبة الوطنية والنخبة المتحالفة مع الإنجليز.
حتى خرج لطفى السيد بشعار (مصر للمصريين) فى مواجهة شعارات متطرفة من قبيل (مصر للمسلمين). ثم كانت ثورة ١٩١٩ التى أعلنت عن اللحمة المصرية الأصيلة، وصولا لتلك المتغيرات والتطورات السياسية العالمية بظهور (الديمقراطية وحقوق الإنسان فى حياة توفر له حرية العقيدة الدينية) والأهم ظهور السوشيال ميديا. هنا أصبحت هناك وسائل غير مسبوقة أعطت كل واحد الحرية فى أن يقول ما يشاء وقتما يشاء ضد من يشاء بعيدا عن المواجهات الجسدية التى لا تتوافق مع الأقليات والأكثرية العددية. هنا تمخض الوضع عن ظهور شخصيات مريضة لا علاقة لها بصحيح الدين ولا بقيمه العليا ولا تدرك معنى الإنسان والإنسانية وأهمية التلاحم الوطنى، ولا يعنيها خطورة التشرذم والتفتت الذى يهدد سلامة الوطن أى سلامة كل المصريين!
وللأسف وفى ظل هذا المناخ المريض وجد كل متعصب وكل رافض للاخر الفرصة لتصفية حسابات وهمية يصورها لهم خيالهم الطائفى المريض، تصورا أنهم يدافعون عن الدين وهم لا يعرفونه من قريب أو من بعيد، غير انهم يحاولون إثبات ذاتهم المريضة. هنا لابد من دق كل نواقيس الخطر وإضاءة كل الاضواء الحمراء خوفا على الوطن. لأنه لا يمكن لوطن أن يتصدى لكل المخاطر التى تحيط بنا فى ظل هذه الظروف المتأججة طائفيا والمشتعلة تعصبا والتى لن تكون نتائجها فى صالح أحد. هنا لابد من التدخل الفورى من المؤسسات الدينية التى لا تزال تتعامل مع الوضع بشكل تقليدى ورسمى ومن قبيل إبراء الذمة. فلا حل غير التبشير والدعوة لفكر دينى صحيح يعيش العصر ويستوعب المتغيرات، ويدرك أن مقاصد الأديان هي التعددية الدينية وحرية العقيدة والوحدة الإنسانية. وعلى الأجهزة العمل السريع لوضع الأمور فى نصابها القانونى والوطني. فمصر وطن كل المصريين شاء من شاء وأبى من أبى فهذه هى طبيعة هويتنا الحضارية وتاريخنا المشترك. حفظ الله مصر وشعبها العظيم القنوع والمحب للحياة.
-----------------------------
بقلم: جمال أسعد






