- اعتذرتْ له لجنة الاختبار لأنه فوق مستوىٰ الأسئلة !!
عرفه عامة الناس من خلال برامجه الإذاعية والتليفزيونية لسنوات طويلة؛ ولكن فئة منهم عرفوه عن قرب.. هم أهل الله وخاصته؛ أهل القرآن، فتتلمذوا علىٰ يديه بالآلاف في عدد من دول الخليج العربي.
رحلته مع كتاب الله بدأت وهو في الخامسة من عمره، وامتدت لأكثر من سبعين عامًا.. بدأت برؤيا لجدته بأنه سيكون "محمدًا" حافظًا للقرآن الكريم، ثم بشيخه الذي اصطفاه وفضله علىٰ أخيه الأكبر، والمحافظ الذي كرَّمه وعُمره ثماني سنوات، وأخيرًا مدير مدرسته الذي طرده وحرمه من التعليم العام.. فكانت يد الله التي وجهته ليمشي قُدمًا في خدمة كتابه العزيز.
أتقن القراءات العشر الكبرىٰ، فكان الأول علىٰ معاهد القراءات في مصر.. أجاد علوم التفسير والبلاغة واللغة والخطابة والحديث والفقه.. والشِّعر، فاعتذرت له لجان الاختبار بقولها: أنت فوق مستوىٰ الأسئلة !!
اختارته السعودية مدققًا فنيًّا للمصحف الشريف بمجمع الملك فهد، وانتقته "سلطنة عُمان" ليكون القارئ الأول للسلطان "قابوس"، ثم اصطفته الإمارات كي ينضم لكوكبة الكوادر المتميزة للعمل بالهيئة للعامة للشؤون الإسلامية والأوقاف.
عُرضت عليه مناصب إدارية عدة.. فاعتذر ليكون لصيقًا بكتاب الله يُعلمه للناس.. حيث يبدأ يومه قبل صلاة للفجر وينهيه بعد صلاة العشاء بقليل، أثرىٰ المكتبة الإسلامية بعدد من مؤلفاته في علوم التجويد والقراءات وفن الإلقاء والوقف والابتداء.
كما حباه الله بمَلكة الشِّعر.. فأهدته قريحته ما يَقرب من ألفٍ وثلاثمائة بيت في "القراءات العشر المتواترة".. وحاكىٰ الإمام الشاطبي تحت عنوان: "السّلامية في الأحكام التجويدية".
يعتز أيما اعتزاز بوضعه للمصحف بالقراءات العشر الكبرىٰ عام 1996.. والذي سُجل بمجمع البحوث للإسلامية بمصر تحت مُسمىٰ "عمل فريد من نوعه".
وله اجتهادات في عِلم "الوقف والابتداء"، ووضع لها مؤلفًا.
أتاه الله بسطة في العِلم والجسم، ووهبه صوتًا نديًّا ثم ابتلاه فيه.. ثم اختبره ربه ثانيةً فاحتسب عنده ابنًا وابنة في ريعان شبابهما.. وكان صابرًا راضيًا.
تسأله عن حكمته التي يؤمن بها فيقول: "ومن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين".
شارك بالتحكيم في عدد من المسابقات الدولية في حفظ وترتيل القرآن، وحصد الكثير من التقدير والتكريم ومحبة الناس.. وله مقترحات عدة في كيفية تيسير تعليم كتاب الله.

•• نسأله عن نشأته فيقول:
نشأتُ في أسرة ريفية بسيطة بقرية (كفر الفرعونية) التابعة لمحافظة المنوفية، لوالدٍ كان مزارعًا بسيطًا.. لم ينجب طيلة عشر سنوات، ثم بَشَّرته جدتي بولدٍ اسمه "محمد" سيكون حافظًا للقرآن !! وفعلًا تحققت الرؤيا.. وكنتُ أذهب مع أخي الأكبر للحفظ عند أحد المشايخ؛ وعمري وقتها نحو خمس سنوات، وكانت مهمتي مؤانسة أخي ذهابًا وإيابًا.
فوجئ والدي بالشيخ يصطفيني ليُحفّظني ويُعيد أخي الأكبر، قائلًا: الصغير يستوعب أفضل من الابن الكبير !!
حال وصولي لسن الثامنة ختمت القرآن كاملًا بفضل الله، وحصلتُ علىٰ شهادة تقدير من "المحافظ" عام 1959 ومعها خمسة جنيهات.. كانت لها قيمة كبيرة آنذاك.
يُكمل الشيخ محمد سلّام: انتقل والدي للعمل بالقاهرة وقدّم لي بالتعليم العام (المدني).. ودرستُ حتىٰ الصف الثاني الثانوي؛ حين حدثت حادثة فارقة في حياتي، حيث اتُهمت ظلمًا بإتلاف قابس كهربائي (فيشة) بالصف، وكان المدير غليظ الطبع؛ فطردني من المدرسة؛ وأجبرني علىٰ التوقيع علىٰ إقرارٍ يمنع التحاقي بأي مدرسة تعليمية أخرىٰ !!
صرتُ شابًا بلا دراسة ولا عمل.. وكنتُ قد تركت مراجعة القرآن فتفلّت مني !! ولم يكن والدي يعلم تلك الفحيعة.. حيث قام بتقديم أوراقي بعد انتهاء الخدمة العسكرية بـ "معهد قراءات شبرا".. وهو المعهد الأم لجميع المعاهد الرسمية التابعة للأزهر الشريف.. ومدة الدراسة ثماني سنوات !!
كاد يُغشىٓ علىٰ والدي حين اكتشف مصيبتي ونسياني لكتاب الله.. وقتها قذف الله في قلبي العزيمة لإعادة حفظه ومراجعته مدة شهرين متواصلين.. أُسَمّع علىٰ زوجتي يوميًّا جزءًا.. وقد كنتُ وقتها أبًا لطفلين.. تُوفيا وهما في ريعان شبابهما.. أسأل الله لهما الرحمة.
نظرًا لإتقاني حفظ القرآن الكريم برواية الإمام "حفص عن عاصم".. فقد اختصرتُ مدة الدراسة بالمعهد لست سنوات بدلًا من ثمانية، ثم اختارني الشيخ "صلاح الكاشف" - رحمه الله وكان كفيفًا - لأُصاحبه.. فكنتُ أقرأ عليه أمهات الكتب في علوم القراءات؛ واللغة العربية؛ والتفسير؛ والفقه؛ والحديث؛ والمصطلح؛ والبلاغة؛ والخطابة.. مما كان له عظيم الأثر في إثراء عقلي.. ثم تخرجتُ من المعهد وكنتُ الأول علىٰ جميع معاهد القراءات، وهذا مسجَّل بسجلات الأزهر الشريف.
•• عن أهم المحطات بحياته لخدمة كتاب الله يقول:
كنتُ من المؤسسين لنقابة القراء في مصر، وحصلتُ علىٰ شيخ مقرأة بالقراءات العشر الكبرىٰ، ورُشحت للقراءة بإذاعة القرآن الكريم، ثم أُصبتُ بالتهاب شديد في الأحبال الصوتية فتأثر صوتي.. فوهبتُ جُلّ وقتي وجهدي لتعليم كتاب الله.
سافرتُ للعمل بالسعودية لتدريس "علم التجويد"، ثم رشحني "مجمع فهد لطباعة المصحف" للعمل مدققًا فنيًّا.
بعدها تم اختياري لأكون القارئ الأول للسلطان "قابوس بن سعيد" سلطان عُمان من ضمن أربعة آلاف متقدِّم.
ولا أنسىٰ كيف اعتذرتْ لي لجنة الاختبار قائلة: ما كان لنا أن نسألك؛ فأنت فوق مستوىٰ الأسئلة !!
بفضل الله فتحت مدرسة لتعليم القرآن هي الأولىٰ من نوعها بالسلطنة وتحديدًا في مدينة "صلالة".. وبنعمة من الله تعَلم علىٰ يدي أكثر من تسعين بالمئة من أهل هذه البلدة الطيبة.. رجالًا ونساءً وشبابًا.
عام 2002 تقريبًا.. جاءتتي دعوة كريمة من الصديق "سالم خلفان المنصوري".. وكيل الدائرة الخاصة للشيخ زايد - رحمه الله - فتوجهتُ للإمارات العربية للعمل بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف.

•• وماذا عن المشاركات والتكريمات التي حصلتُ عليها ؟
- كنتُ أُلقي الدروس بالمساجد ومنها عرفتني الإذاعة، فقدّمتُ عدة برامج إذاعية.. وشاركتُ بالتحكيم في مسابقة "صندوق تكافل أبوظبي".. ومسابقة "راشد بن عويضة".. ومسابقة "الجابري".. ومسابقة "الهاملي".. و "معهد أبوظبي لتحفيظ القرآن".. ومسابقات نادي "تراث الإمارات" في رمضان.
أما عن التكريمات.. فقد كرمني سمو الشيخ "سلطان بن زايد" ممثل سمو الشيخ زايد رئيس الدولة، وكرمتني وزارة التربية والتعليم والهيئة العامة للأوقاف.. ووزارة التعليم بالسعودية.. ولا ننسىٰ تكريم السلطان "قابوس بن سعيد" بسلطنة عُمان.
(تبسيط علم التجويد..)
•• أعود لأسأله عن السبيل لكسر الحاجز النفسي بين المسلم المعاصر وعلم تجويد القرآن الذي يُعد من أشرف العلوم.. لكونه فرض عين علىٰ كل مسلم.. فيقول ضيفي:
علىٰ المُعلم أن يترفق بالدارس، فلا يطلب منه تطبيق الأحكام بكل دقة وهو في بداية مراحل التعلم، فلابد أن يقف علىٰ مستواه العلمي والعقلي، ويعطيه الأخكام شيئًا فشيئًا، أمّا التنفير فدليل عدم خبرة المُعَلم.
•• إلىٰ أي مدىٰ يقبل عِلم التجويد الاجتهاد فيه ؟
- التجويد عِلم "توقيفي"؛ أي نزل به "سيدنا جبريل" - عليه السلام - من عند رب العالمين، وبدوره نقله لـ "النبي" -صلىٰ الله عليه وسلم- ومنه للصحابة والتابعين، وهكذا حتىٰ وصل إلينا.. أي أن هذا الأمر فيه اتباع: "فإذا قرأناه فاتبع قرآنه".
وعلىٰ هذا فلا اجتهاد لنا في هذا المجال ولا في "عِلم القراءات" ولا فيما هو منقول بالتواتر.
لكن باب الاجتهاد مفتوح في مسائل أخرىٰ مثل: علامات "الوقف والابتداء" بالمصحف الشريف لأنها "توفيقية" من صُنع علمائنا السابقين الذين وفقهم الله لوضعها.. ولي بعض الاجتهادات في ذلك.
فمثلا قوله تعالىٰ:
رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان" (النمل: 44).. هنا يجب وضع علامة وقف بعد كلمة نفسي؛ وإلا يكون المعنىٰ أنها ظلمت نفسها بإسلامها مع سيدنا سليمان -عليه السلام-.
كذلك في قوله تعالىٰ:
"لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه.." (الفتح: 9).. حيث لابد من وضع علامة وقف بعد "وتوقروه"، وذلك لأن التعزير والتوقير للرسول، بينما التسبيح لله، ومع عدم وضع علامة الوقف يصبح المعنىٰ منسحبًا علىٰ أن التسبيح كذلك للرسول -صلىٰ الله عليه وسلم- والتسبيح لا يكون إلا لله.
وأيضًا في قوله تعالىٰ:
" ختم الله علىٰ قلوبهم وعلىٰ سمعهم وعلىٰ أبصارهم غشاوة" (البقرة: 7).. حيث وضعت علامة "صِلَىٰ" فوق كلمة سمعهم؛ وهي تعني: "الوصل أَوْلَىٓ".. وأنا أقول: بل الوقف أَوٰلَىٰ، لأن الختم علىٰ القلوب والسمع؛ بينما الغشاوة علىٰ الأبصار، بدليل وجود علامة الرفع علىٰ كلمة "غشاوة".. أما في حال الوصل تصبح الغشاوة علىٰ القلوب والسمع والأبصار.. وهنا لابد من نصب الأبصار لكونها حالًا !! وعلامة النصب ليست موجودة بالمصحف الشريف.
وعلىٰ هذا يكون الوقف بعد "سمعهم" أَوْلَىٰ ليستقيم المعنىٰ والإعراب، و"الواو" هنا استئنافية وليست عاطفة تقتضي المغايرة والمشاركة في الحُكم كما يَعلم أهل اللغة.

•• ما تقولونه يوضح الارتباط الوثيق بين علم التجويد والتفسير واللغة العربية؛ فما رأيكم فيمن يُدرِّس علم التجويد وهو غير مُلم بهذه العلوم ؟
- خطأ كبير؛ فلا يصح مثلًا أن يُعلم الناس "والعاديات ضبحًا" وهو لا يفهم معناها، وليَعْلم أن القرآن حُجّة علىٰ اللغة وليس العكس، والإمام العظيم "ابن الجذري" يقول:
فكل ما وافق وجه نحوٍ
وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن
فهذه الثلاثة الأركان
بمعنىٰ أن أركان قراءة القرآن الصحيحة هي "موافقة القراءة للغة العربية" ولو بوجه (أحيانًا هناك أكثر من وجه للإعراب للكلمة الواحدة في اللغة العربية) وموافقة "الرسم العثماني" ولو احتمالًا، وكذلك موافقة "السند".. فإذا اختل ركن من هذه الأركان الثلاث أصبحت القراءة "شاذة".
وهناك قراءات شاذة جُمعت لتُعرَف؛ لكن لا يُقرأ بها.. وإن كان يُؤخذ بها في عِلم "الفقه" من ناحية الاستنباط.
•• نُلقي نظرة سريعة علىٰ ما أثريتم به المكتبة الإسلامية القرآنية خاصة.
- بتواضع العلماء يقول: لي كتاب (بصآئر حول سور القرآن الكريم) يفيد طلاب العِلم؛ حيث يُعطي القارئ بصيرة كاملة عن سور القرآن الكريم من حيث أسمائها وعدد حروفها كلماتها وعدد آياتها ومكان نزولها والمعنى الإجمالي للسورة والمتشابهات بها مع غيرها وما نزل فى فضلها من أحاديث نبوية؛
ومؤلَّفي: "المختصر الوجيه" خاص بتوجيه القراءات علىٰ اختلافها أصولًا وفرشًا؛ وقصيدة: "غاية الغايات" شرحتُ فيها "طيّبة النشر" فى القراءات العشر للإمام "ابن الجزرى"؛ ومؤلَّفي: "الاقتباس" ذكرتُ فيه كيف تؤدّىٰ الكلمات المختلَف فيها لحفص وطرقها؛ وفي كتابي: "نظم الروايات" جمعتُ فيه القراءات العشر الصغرىٰ حسب ورود آيات القرآن الكريم فى المصحف الشريف؛ ولي أيضا: "المتشابهات" مقتبسة من قصيدة الإمام "السّخاوي" فى متشابهات القرآن.
•• للقرآن الكريم أربعة عشر قراءة منها عشرة كُبرىٰ.. ومع ذلك نجد انتشارًا واسعًا للقراءة برواية الإمام "حفص عن عاصم".. فلماذا ؟!
- "وحفصٍ وبالإتقان كان مفضّلًا".. هكذا جاءتنا الإجابة علىٰ لسان الإمام "الشّاطبي" -رحمه الله- ففهم الناس أن قراءة "حفص" مفضلة علىٰ جميع القراءات !! مع أن الإمام "الشاطبي" قال أن قراءة "حفص" مفضلة علىٰ قراءة الإمام "شُعبة عن عاصم"؛ وكل منهما راويان عن الإمام" عاصم".
نضيف لذلك انطلاق ألسنة الناس بهذه القراءة نتيجة أن "علم القراءات" تعرض للإهمال سنوات طوال، فاهتم الناس بقراءة واحدة هي "رواية حفص".. حتىٰ ظنوا أن مَن لم يقرأ بها فقد" لَحَنَ" أي أخطأ.
ولقد تعرضتُ أنا شخصيًّا لهذا الموقف.. ففي إحدىٰ البلدان الخليجية حينما حاولت القراءة برواية أخرىٰ - وأنا أجيد القراءات العشر - اعتقد البعض أنني قد "لَحَنْتُ" أي أخطأت !!
ومع ذلك بفضل الله يوجد بمصر المعهد الأول لعلم القراءات؛ بفروعه الكثيرة وعلمائه ذوي المؤلفات القيمة في هذا المجال.. كما يقرؤون في بلاد المغرب برواية "ورش وقالون"؛ وفي السودان برواية "الدُّوري عن عمرو المصري".
لكنّي أنبه علىٰ الذي أتقن رواية "حفص" أن يتقن كذلك "شُعبة" حتىٰ يتم بذلك قراءة الإمام "عاصم" كاملة.
بعد ذلك يمكنه الشروع في تعلم رواية أخرىٰ.. وقتها سيدرك أن قواعد التجويد عند باقي الأئمة لا تختلف كثيرًا عن "حفص" إلا في القليل: كهاء الضمير؛ وفتح الإمالة؛ وغيرها مما يعرفه الدارسون.
•• أطلق البعض علىٰ العرب صفة "عرب مستعجمون" أو "عجم مستعربون" نظرًا لابتعاد اللسان العربي عن نطق اللغة العربية بطريقة سليمة وإتقان مخارج حروفها وصفاتها !! فهل توافقونني علىٰ أهمية تدريس مادة التجويد مع المراحل الأولىٰ لتعليم الطفل حتىٰ تستقيم لغته ويُقوَّم لسانه.. باعتبار أن التعليم في الصغر كالنقش علىٰ الحجر؟
- يبتسم شيخي بعد تفكير بسيط قائلًا: لابد أولًا من تأهيل المُعلم وتدريبه وإلحاقه بدورات متخصصة؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ولقد اختبرتُ بنفسي العديد من معلمي التجويد في مختلف مراكز تحفيظ القرآن.. ووجدتُ قلة منهم يؤتمن إليهم، والباقون يحتاجون تدريبات لرفع المستوىٰ، ونفس الأمر ينسحب علىٰ معلم اللغة العربية والتربية الإسلامية بالمدارس.
----------------------------------------
حاورته بأبوظبي: حورية عبيدة






