بينما كنت أفكر في الرد على الأستاذ أشرف راضي في مقاله المعنون "هل يمكن الخروج من أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني دون الاشتباك مع الواقع؟، جاءتني من غزة صورة تختصر، ربما أكثر من صفحات طويلة، المأزق الذي نختلف حوله. إسرائيل تهدد غزة مجددًا بالغارات والإخلاء والاغتيالات بسبب طائرات ورقية وبالونات تعبر من القطاع يطلقها الأطفال، توقفت أمام المشهد لا لأنه نكتة عن دولة مدججة بالسلاح تخاف طائرة من ورق، بل لأنه يكشف شيئًا أكثر جدية عن معنى القوة نفسها: من يمتلك القوة لا يفرض الواقع فقط، بل يمتلك أيضًا سلطة تعريفه.
في حالتنا الفلسطينية الواقع ليس بريئا ولا محايدا؛ صنعته القوة وفرضت حدوده، ثم أصبح مطلوبًا من الفلسطيني أن يتعامل مع هذه الحدود باعتبارها تعريفا للممكن، ودعوته للاشتباك مع الواقع، وهنا ينتقد راضي مقالي "ما العمل بعد غزة؟ هل نريد ادارة الهزيمة أم استعادة المشروع الوطني التحرري؟" بأنني أسيرة "السردية الفلسطينية" ولم أقدم برنامجًا واضحا لـ "ما العمل؟"، المفارقة بالنسبة لي أن الخبر القادم من غزة يعيد السؤال إلى نقطة أكثر بداهة: أي واقع يريده منا؟
هنا يبدأ خلافي الحقيقي مع راضي: لسنا مختلفين حول ضرورة رؤية الواقع كما هو؛ نحن مختلفان حول ما إذا كانت السياسة تبدأ بالتكيف مع حدوده أم ببناء القدرة على تغييرها.
ماذا فعل بنا "الممكن"؟
في مقاله يعود أشرف راضي إلى النقاش الذي بدأناه حول أزمة مشروع التحرر الفلسطيني، لكنه هذه المرة يضع الخلاف بيننا في صيغة تبدو لي شديدة التبسيط: هو ينحاز إلى السياسة والواقع وما تسمح به موازين القوى، بينما بقي نقدي، بحسب قراءته، أسير "السردية الفلسطينية" والحقوق والشعارات، من دون إجابة واضحة عن سؤال «ما العمل؟»، ومن هنا يستدعي فلسطينيي 1948 والانتخابات الإسرائيلية، وتجارب الهند وجنوب أفريقيا، ثم عبد الله أوجلان، ليؤكد أن السياسة تبدأ مما يمكن تحقيقه، لا مما نريده أو نعتقد بعدالته.
لكنني لا أختلف مع راضي على ضرورة الاشتباك مع الواقع، من يستطيع أصلًا أن ينكر الواقع الفلسطيني اليوم؟ نحن نخرج من واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخنا، بميزان قوى مختل إلى حد غير مسبوق، وبنظام سياسي فلسطيني فقد الكثير من قدرته على الفعل، وبتحولات إقليمية أعادت رسم خرائط القوة من حولنا، إنكار هذا كله ليس راديكالية، بل عجز عن رؤية ما حدث لنا.
الخلاف يبدأ في اللحظة التالية: ماذا نفعل بهذه المعرفة؟
هل نقرأ ميزان القوى لكي نعرف الحدود التي ينبغي أن نتحرك داخلها، أم لكي نعرف من أين نبدأ تغييره؟ وهل يصبح ما يستطيع الفلسطيني انتزاعه اليوم هو نفسه تعريف ما يحق له أن يبني مشروعه السياسي من أجله غدًا؟
هنا تصبح كلمة "الممكن" بحاجة إلى المساءلة.
قبل أن يطالبنا راضي بمزيد من الواقعية، من حقنا أن نطالب الواقعية نفسها بكشف حساب، ماذا فعل بنا "الممكن" الذي حكم السياسة الفلسطينية طوال أكثر من ثلاثة عقود؟
لا أقصد بالممكن هنا أوسلو وحدها، بل المنطق السياسي الذي ظل يخفض الهدف كلما اختل ميزان القوى، من دون أن يسأل متى يصبح الحفاظ على الممكن إدارة مستدامة للخسارة.
فأين الدولة الفلسطينية، ماذا بقي من الأرض التي يفترض أن تقوم عليها؟ ماذا فعل الاستيطان بالضفة؟ أين أصبحت منظمة التحرير؟ وما الوظيفة التي تؤديها السلطة اليوم بعد أن انفصل بقاؤها عن المسار الذي قيل إنها مرحلة مؤقتة فيه؟
هذه ليست "سردية فلسطينية"، هذه نتائج سياسية ينبغي أن تخضع للمحاسبة.
أنا مستعدة لمساءلة المقاومة المسلحة عن نتائجها وكلفتها وأخطائها، بل أعتقد أن ذلك أصبح ضرورة فلسطينية لا تحتمل التأجيل، لكن لماذا لا تخضع «الواقعية السياسية» للامتحان نفسه؟ لماذا يُسأل السلاح دائمًا: ماذا حققت؟ بينما يكفي التسوية والمفاوضات وإدارة الممكن أن تقول إنها أكثر واقعية لكي تُعفى من تقديم حصيلتها؟
المشكلة ليست في الواقعية، المشكلة في واقعية لا تراجع نتائجها.
لكن أي واقع نريد تغييره؟
مساءلة «الممكن» لا تعني الهروب إلى السردية، كما يذهب راضي، بل تبدأ من سؤال أكثر أولية: ما طبيعة الواقع الذي نحاول تغييره؟ فلا توجد سياسة بلا تعريف للصراع الذي تتحرك داخله، وحين نصف الصهيونية باعتبارها مشروعا استعماريا استيطانيا، فنحن لا نستعيد محفوظات الهوية الفلسطينية ولا نرفع شعارا في وجه ميزان القوى؛ نحن نحدد طبيعة العلاقة بالأرض والسكان والاستيطان، والاقتلاع، والقانون، والقوة، وإذا أخطأنا في تشخيص هذه العلاقة، فسنبني بالضرورة سياسة تتعامل مع نتائجها بدل أن تواجه أسبابها.
أقر، نحن الفلسطينيون استخدمنا السردية أحيانا لتعويض غياب السياسة، وحوّلنا الذاكرة والحقوق والتضحيات إلى لغة تكرر نفسها من دون أن تنتج قوة، وهذا يستحق النقد، لكن الوجه الآخر للمشكلة لا يقل خطورة: أن تتحول السياسة إلى إدارة يومية لما يسمح به الأقوى، ثم نسمي ذلك بالواقعية.
لا أريد سردية تحل محل السياسة، لكنني لا أريد أيضا سياسة تفقد القضية التي قامت من أجلها، هذا النقد لا أقوله من موقع يقف خارج الأزمة الفلسطينية، أما تذكير راضي بانتمائي الفكري إلى الجبهة الشعبية، فلا أراه تناقضًا مع هذا النقد، بل أن نقده لا يقتضي التنصل منه، على العكس، الجبهة جزء من الأزمة التي أتحدث عنها، مثل فتح وحماس وبقية الفصائل، وإن اختلفت مواقعها ومسؤولياتها، فالانتماء إلى تاريخ سياسي لا يمنحه حصانة من المساءلة، المشكلة ليست في البحث عن فصيل ثالث، بل في السؤال عما إذا كانت البنى التي صنعت النظام الفلسطيني قادرة على إعادة تأسيس نفسها، أم أنها ستعيد إنتاج أزمتها بالأسماء والآليات ذاتها.
عندما يصبح الصندوق تعريفًا للممكن
يظهر هذا المأزق اليوم في الحديث عن الانتخابات الفلسطينية والتحالفات باعتبارها المخرج الأكثر واقعية من أزمة الشرعية، نذهب إلى الصندوق، تتغير الوجوه، تتشكل التحالفات، ثم نعلن أن السياسة عادت.
لكن أي انتخابات؟ وفي أي نظام سياسي؟ ولأي مشروع؟
طرح رائد حسنين، من داخل غزة، أسئلة أراها أكثر إلحاحًا من سؤال موعد الصندوق نفسه: أي غزة ستنتخب؟ من سيعيد بناءها؟ كيف ستتصل سياسيًا بالضفة والقدس؟ ومن يملك القرار الوطني؟
أنا أيضا، أطرح الأسئلة نفسها، ولا يعني ذلك أني أرفض الانتخابات، لكن الانتخابات تنتج ممثلين؛ لا تنتج، من تلقاء نفسها، مشروعًا وطنيًا، وإذا دخلناها بالفصائل نفسها، وبالبنى نفسها، وبعلاقات القوة والتمويل والوصاية نفسها، فقد نغير توزيع المقاعد من دون أن نغير شيئًا جوهريًا في النظام.
وهنا يعود "الممكن" مرة أخرى، كون الانتخابات ممكنة لا يجعلها بالضرورة مدخلًا للخروج من الأزمة، السؤال هو: ماذا ستغير؟ وأي قوة ستراكم؟ وهذا ينطبق أيضا على الصوت الفلسطيني في انتخابات الكنيست القادمة.
يعود راضي إلى فلسطينيي 1948 ليقول إنهم مواطنون اكتسبوا حقوقًا داخل الدولة لا يمكن مطالبتهم بالتفريط فيها، وإن صعود اليمين يجعل المشاركة في الانتخابات ضرورة لحماية هذه الحقوق، وربما للمساهمة في إنتاج حكومة أقل تطرفا، نظريا لا خلاف على ضرورة الدفاع عن الحقوق التي انتزعت لفلسطيني الداخل بنضالهم، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك، فإذا كان راضي يطالبني بأن أغادر السردية إلى النتائج، فلنطبق منطقه على المشاركة في الكنيست أيضا، لا يكفي أن تكون المشاركة ممكنة، ولا أن تمنح الفلسطيني قدرة على التأثير في بعض السياسات، لكي تصبح في ذاتها استراتيجية سياسية، السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد عقود من هذه التجربة هو: ما حدود القوة التي أنتجتها؟ ماذا استطاعت أن تحمي، وأين عجزت، وماذا تغير في العلاقة البنيوية بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين؟ الواقعية التي تحاسب المقاومة على نتائجها مطالبة بأن تحاسب الانتخابات والتسوية والعمل البرلماني بالصرامة نفسها.
هناك فرق لا يجوز محوه بين منع الأسوأ وتغيير الواقع الذي ينتج الأسوأ، قد يكون إسقاط حكومة أشد تطرفا مصلحة مباشرة لفلسطينيي الداخل، وقد يكون التصويت وسيلة للدفاع عن حياة الناس وحقوقهم، لكن هذا شيء، وتحويل انتظار حكومة إسرائيلية "أقل يمينية" إلى نافذة لاستعادة المبادرة الفلسطينية شيء آخر.
هنا يصبح "الممكن" الإسرائيلي هو الذي يرسم، من جديد، حدود الفعل الفلسطيني: أفضل ما نستطيع فعله أن نؤثر في درجة تطرف الحكومة التي تحكمنا.
لا أطالب فلسطينيي 1948 بالاختيار بين المواطنة وهويتهم الفلسطينية، ولا أضع المشاركة والمقاطعة في اختبار للوطنية، رغم أن الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة يخبرانا بأن المسألة أعمق: من ذلك، فكيف يستخدم الفلسطيني ما انتزعه من حقوق ومواقع داخل النظام من دون أن يتحول النظام نفسه إلى سقف لخياله السياسي؟ فهل يمكن للانتخابات أن تكون أداة لحماية الناس وتقليل الخسائر وانتزاع الحقوق، تلك الأسئلة لا تجيب وحدها عن سؤال التحرر، والخلط بين الوظيفتين هو بالضبط أحد وجوه "واقعية الممكن" التي أحاول مساءلتها.
حين تتحول التجارب التاريخية إلى وصفات
لا أختلف مع المبدأ الذي يدعو له راضي هو أن حركات التحرر ليست محكومة بأداة واحدة في نضالها ضد المستعمِر، وأنها قادرة على تغيير موازين القوى في حالة إعادة ترتيب العلاقة بين المقاومة المدنية والمسلحة. فمراجعة الأدوات والاستراتيجيات تصبح واجبا عندما تتغير شروط الصراع، المشكلة في استدعاء تجارب تاريخية ونقلها الي تجربة أخري دون الأخذ في الاعتبار الفروقات والاختلافات في بنية الصراع نفسه.
يستدعي راضي عبد الله أوجلان، وقبله غاندي ومانديلا كنماذج ووصفات جاهزة للحالة الفلسطينية، بينما إذا استدعينا نحن أصحاب "السرديات" نفس النماذج أو نماذج مشابهة كالتجربة الجزائرية في مناهضة الاستعمار الفرنسي، أو التجربة الفيتنامية في مقاومة الاحتلال الأمريكي، سيتهموننا بالرومانسية الثورية، وسيتم تفنيد استدعاءنا التاريخي للصراع القائم في فلسطين، وإن يكن سنقوم بمساءلة الاستدعاءات نفسها التي قدمها راضي كنموذج للتجربة الفلسطينية.
لا نستعير نهاية التجربة وننسى تاريخها، وفي نموذج أوجلان يحتاج منا النظر بحذر في التجربة، فما يجري في الحالة الكردية لا يمكن نقله ببساطة إلى فلسطين باعتباره برهانا على أن اللحظة قد حانت للانتقال من السلاح إلى السياسة، هناك فارق جوهري بين حركة تعيد النظر في استراتيجيتها ضمن صراع تاريخي مع دولة قائمة، وبين أن يطلب من شعب واقع تحت الاحتلال والاستيطان أن ينزع إحدى أدوات قوته بينما يحتفظ الطرف الآخر بتفوقه العسكري الكامل وبحق استخدامه متى شاء.
إسرائيل ليست تركيا، ونزع السلاح الفلسطيني تحت ميزان القوة الإسرائيلي ليس هو التحول السياسي الذي اختاره أوجلان في سياقه الكردي، والأمر نفسه ينطبق على غاندي ومانديلا، ليس من الإنصاف اختزال استقلال الهند أو إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في انتصار "المقاومة السلمية"، غاندي قاد تيارا هائلا للعصيان المدني واللا عنف، لكن استقلال الهند جاء في سياق أوسع من النضال السياسي والجماهيري، ووجود تيارات أخرى استخدمت العنف والعمل المسلح، فضلًا عن التحولات التي أصابت الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية.
أما جنوب أفريقيا، فالمؤتمر الوطني الأفريقي نفسه انتقل بعد عقود من النضال السياسي إلى تأسيس جناحه المسلح "أومخونتو وي سيزويUmkhonto we Sizwe " الذي أسس عام 1961، وكان مانديلا من أبرز مؤسسيه، قبل أن يأتي التفاوض لاحقا في سياق مقاومة داخلية، وعقوبات وعزلة دولية، وتحولات في موازين القوى، السلاح وحده لم يحرر الشعوب، ولا المقاومة السلمية وحدها فعلت ذلك، ما تكشفه هذه التجارب أن التحرر كان حصيلة تفاعل أدوات متعددة مع تغير موازين القوى والبيئة الدولية، لا انتصارًا خالصا لأداة واحدة.
السؤال الفلسطيني اليوم، ليس أيهما نختار، السلاح أم السياسة، وإنما: من يحدد وظيفة كل أداة، وفي أي استراتيجية، وتحت أي شروط نتخلى عنها؟ لأن التخلي الطوعي عن أداة بعدما أدت وظيفة سياسية شيء، وانتزاعها من الطرف الأضعف بينما تبقى قوة المستعمِر بلا قيد شيء آخر تماما.
لقد جرب الفلسطينيون تقريبا كل هذه الأدوات. حملوا السلاح، وخاضوا الانتفاضات، وأضربوا وقاطعوا وتفاوضوا، وذهبوا إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وبنوا حركة تضامن عالمية واسعة، ومع ذلك بقيت المشكلة الأساسية قائمة: لم نستطع جمع هذه الأدوات داخل استراتيجية وطنية تجعل كل واحدة منها تضيف إلى الأخرى بدل أن تنفيها.
من يملك جواب "ما العمل"؟
يعاتبني راضي لأنني طرحت سؤال ما العمل؟ من دون أن أقدم برنامجا جاهزا، وكأن على كاتب مقال أن يخرج من جيبه خطة للتحرر كي يكتسب نقده شرعية سياسية، لكن السؤال عندي يبدأ قبل البرنامج نفسه: من يملك حق صياغة ما العمل الفلسطيني؟ فمشروع التحرر لا يكتبه فرد، ولا يحتكره فصيل، ولا تقرره سلطة؛ بل يفترض أولًا إعادة بناء المؤسسة الوطنية التي يستطيع الفلسطينيون، في غزة والضفة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948 واللجوء والشتات، أن يصوغوا من خلالها مشروعهم، ويختاروا ممثليهم ويحاسبوهم.
ومع ذلك، يمكن تحديد نقطة البداية: إعادة بناء التمثيل الفلسطيني، واستعادة القرار الوطني، وإخضاع أدوات النضال جميعها للمساءلة السياسية: ماذا تضيف إلى قدرتنا على الصمود والفعل وتغيير ميزان القوى؟ وهنا أعود إلى جوهر خلافي مع راضي. أنا لا أنكر الهزيمة ولا اختلال ميزان القوى، ولا أرفض الاشتباك مع الواقع؛ أرفض فقط أن تتحول الهزيمة من واقع ينبغي تغييره إلى مرجعية تحدد لنا ما يجوز أن نريده.
فالسياسة التحررية لا تسأل فقط: ماذا نستطيع أن نفعل اليوم في ظل ضعفنا؟ بل تسأل أيضًا: ماذا ينبغي أن نبني اليوم كي لا يبقى ضعفنا هو واقعنا غدًا؟
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم: ما الممكن؟
السؤال هو: من يرسم حدود الممكن الفلسطيني، وكيف نبني القوة التي تمنع الأقوى من احتكار تعريف الواقع والممكن معًا؟
---------------------------------
بقلم: بيسان عدوان






