26 - 08 - 2026

بعد حرب الثلاثة أعوام بالمنطقة ما مصير العرب؟

بعد حرب الثلاثة أعوام بالمنطقة ما مصير العرب؟

يكاد يجمع المفكرون أن العالم في تحول، وأن الأيام المقبلة تحمل معها رياح التغيير، وأن منطقة الشرق الأوسط ستكون منها البداية ..

معركة طوفان الأقصى سرّعت من (ديناميكية التغيير) وباتت القضية الفلسطينية المعادل الموضوعي لأي انتخابات بالعالم بعد أن كانت اتفاقية أوسلو قد ألغت مشروع (دولة فلسطين) وجعلت منها (شأنا فلسطينيا) وباتت الدعوات إلى التطبيع مع العدو الصهيوني جزءا من يوميات القادة العرب، وبات هناك كتاب مختصون يحثون القيادات العربية  للاسراع بـ (التطبيع) وكنموذج ماكتبه الإعلامي الكويتي الشهير  أحمد الجار الله في افتتاحية جريدة السياسة الكويتية قبل أسبوع من معركة طوفان الأقصى بعنوان (محمد بن سلمان اعقلها وتوكل) يحث فيها ولي عهد السعودية محمد بن سلمان للذهاب للتطبيع مع الكيان الصهيوني. ويؤكد له بأن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب إنما هي (شأن فلسطيني)..!

لم تكن معركة طوفان الاقصى حدثا (مفاجئاً) إنما كانت الظروف الدولية في تطور لمواجهة التفرد الأميركي حيث الصين التي باتت نواة لمشروع القطبية الجديد، وبات اليسار ينهض في أميركا اللاتينية من جديد، وباتت دولا كثيرة تعلن الخصومة مع الولايات المتحدة مثل إيران والبرازيل وكولومبيا وغيرها، في ذات الوقت هناك نزعة للتخلص من الهيمنة الإقتصادية والعسكرية الأميركية مثل دول أوروبا وكندا وغيرها ..

لم يكن مجيء ترامب رئيساً للولايات المتحدة بولايتين، وكأنه سياق تقليدي بهذه الدولة، إنما أنتجته ظروف أميركا الجديدة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وحتى الدينية، والذي يشير مجيئه إلى  بداية زوال الحضارة الغربية ..

الحرب التي قادتها أميركا وإسرائيل على إيران تمثل جزء من تخبط الولايات المتحدة في قراراتها، والتي جعلت أغلب الشعب الأميركي يقر بأن هذه ليست حرب أميركا ، إنما هي (حرب إسرائيل).

هذا القرار، غرز قدم الولايات المتحدة في حرب بمنطقة ساخنة الأحداث، وعميقة الأزمات، جعلت المحللين يصرون على أن نتائجها ستكون كارثة على أميركا ومصيرها بعد استنزاف قواها. وكشفت مواطن ضعفها وأوصلت ديونها إلى (40) ترليون دولار(!!).

الدول العربية - بأجمعها - لا تبدو أنها تملك مشروعا مستقبليا لشعوبها ،ولم تدرك حتى اللحظة (ماذا لو انسحبت القوات الأميركية من المنطقة)؟

يبدو أن جميع القادة العرب يغمضون عيونهم، ولا يريدون معرفة مصير بلدانهم. حتى الآن هم غائبون عن المشهد فليس فيهم من أنتج حلاً، أو خطط لاتفاق، أو تجمع أو حتى دعوة لأي مشروع، إنما (ينتظرون المنتصر بالحرب كي يلتحقوا به) والمضي معه فيما يخطط. لا شك هذه القضية موضع تساؤل لدى الأوساط النخبوية في البلدان العربية وخارجها. فكيف لأمة يبلغ عدد سكانها 500 مليون نسمة غير قادرة على التفكير في مستقبلها ؟!

لا أعرف إن كان العرب قد أدمنوا (الكسل) أو (الاتكاء) على غيرهم، بسبب طول مدد الاستعمار على بلدانهم والذي أمتد لقرون..

** هل استفاق العرب؟

كنت أظن أن المملكة العربية السعودية قد أفاقت من غفوتها يوم استضافت  على أرضها ثلاث قمم استثنائية أو تاريخية؛ أبرزها القمم الثلاث في الرياض عام 2022 مع الصين (السعودية - الصينية، الخليجية - الصينية، والعربية - الصينية)، وكذلك قمم مكة الثلاث عام 2019 (الخليجية الطارئة، العربية الطارئة، والقمة الإسلامية)، بالإضافة إلى حزمة قمم نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لبحث تطورات قطاع غزة، كما أعادت العلاقة مع إيران وغيرها .

لكن جميع هذه القمم باتت مجرد (تاريخ) فحين تم استهداف المصالح الأميركية على أرضها هرعت لاتفاقية دفاع مع الباكستان، وكأنها لم تنفق (350) مليار دولار على استيراد الأسلحة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا (!) حيث تبين أنه ليس لها جيش، وليس لديها  سلاح تدافع به عن أرضها، وآخر مشروع لها (اتفاقية الدفاع المشترك) بينها وبين الباكستان وتركيا !!

دول الخليج عموما ليست في موضع (السؤال) فهذه مجرد (محميات) بريطانية ثم أميركية، بمساحة أراضٍ صغيرة ومعظمها صحراء، وبعدد نفوس مهما كان نمطّهُ فلن يصل  إلى مليون، أو أقل، مثل دولة قطر حيث إجمالي عدد نفوسهم 3.37 مليون نسمة فيما السكان الأصليون لايتعدى عددهم (380) ألف نسمة، ماعدا السعودية التي يقارب عدد السكان الأصليين 20 مليون نسمة، أقعدتهم دولتهم عن أي عمل نافع يذكر، فمجرد نفط يباع وأموال تصرف بلا هدى، وخير شاهد على ذلك أن جميع الأطباء في المملكة أجانب (!). أما الإمارات فمشكلة، حيث عدد نفوسها أقل من المليون ومعهم عشرة ملايين أجنبي (!).

الدول العربية الأخرى غارقة في أزماتها، خاصة تلك التي عصف بها الربيع العربي، وكان المعول على دولة مصر بتاريخها وعدد نفوسها وموقعها وثقافة شعبها وقوتها العسكرية وسلاحها أن تاخذ دورها الريادي، لكنهم اغرقوها بأزمات اقتصادية كبيرة تفوق إمكانياتها.

حلف الناتو فوض تركيا لترعى مصالحه بالمنطقة (وإن لم يكن تفويضاً رسمياً). والولايات المتحدة رحبت باتفاق "تركيا وباكستان والسعودية" باعتبار أن دول المنطقة ستهتم بأمنها دون الحاجة للآخرين. وإيران رأت في الاتفاق إعلاناً بهزيمة أمريكا بعد عجزها عن تحقيق انتصار عسكري، وحتى اقتصادي.

أمريكا ذهبت إلى الخطة (ج) بنزع سلاح محاور المقاومة عبر استخدام "الضغط" على حكومات الدول التي تتواجد على أراضيها (محور المقاومة) وهي العراق، لبنان، اليمن، وغزة. وسرعان ما استجابت حكومات هذه الدول ورفعت شعار (السيادة) كعنوان للضغط، وكحجة أمام الملأ فقط لاغير. إن الذي دفع قادة هذه الحكومات للموافقة على المخطط الأميركي الإسرائيلي بالضغط لنزع سلاح المقاومة، ليس عن (قناعة) بالمخطط، فهي تعلم أنه يصب لصالح اسرائيل، ولكن القادة العرب لايملكون (الصبر) لبضعة أيام، لذلك خسروا جميع المعارك أمام العدو الصهيوني، ثم عادوا ليجلدوا أنفسهم بدعوى (الخيانة) أو (هذه أمريكا العظمى).

والسؤال :-ماذا لو الذي وقع على إيران وقع على إحدى دولنا العربية؟

48 عاماً من الحصار بـ 6 آلاف عقوبة من قبل دولة متفردة بالعالم (أميركا)، ثم هجمات عسكرية أمريكية إسرائيلية، قتلت الصفوف الأولى والثانية والثالثة للقيادات السياسية والعسكرية والحكومية ، ودمروا بناهم التحتية، وقطعوا عنهم الماء والكهرباء، وضربوا جميع مطاراتهم (؟) حتما سيخرج زعماؤنا العرب ويجهشون بالبكاء ويقولون "99% من الموقف بيد أميركا"، ثم يتوحلون بطين التطبيع أسوة بمن سبقهم..

كنا نتصور أن الدول العربية بعد أن خرجت من مربع الاستعمار في تفكيرها وبدأت تكوّن وعيها العربي ستنهض، لتكون مركزا دوليا أهم من أوروبا نفسها بما تمتلكه من تاريخ وجغرافيا، وثروات اقتصادية وبشرية لكن عبثاً كان تفكيرنا ..

إنّ كل الأحزاب القومية والدينية والمادية والليبرالية التي اعتنقها العرب وكافحوا من أجلها لم يرقوا، إلى متبنياتها بعد تطويرها وتدجينها، وبدلا من ذلك أحلوا بها اللعنة، واعتقدوا أنها وراء تخلفهم، بل وجاهروا بقتل قادتها.

فيما تكّدس تركيا وايران وإسرائيل، أسلحة لتواجه التحديات التي تمر بها المنطقة والعالم، اتجه القادة العرب إلى نزع سلاح أحد  أهم  مصادر قوتهم وهي (المقاومة) التي كانت ومازالت سبب التحول في المنطقة والعالم، وإعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية والإقليمية بعد فترة طويلة من التراجع والتهميش والاقصاء.

** ماذا بعد نزع سلاح المقاومة؟

حين  تسأل القادة العرب عن مرحلة مابعد (نزع سلاح) المقاومة ياتيك الجواب "لكل حادثة حديث" (!!). مثلهم مثل الجندي الذي كلما اشتدت المعركة وقرب النصر راح  يفكر أن يقع أسيرا بيد عدوه ويتخلص من المسؤولية.

في العراق مأساة تشبه مآسي الدول العربية الأخرى ، حيث يواجه العراقيون التحول بالمنطقة بعملية سياسية بائسة، بعد أن سقط حملها إلى الأرض وبات الرئيس الأميركي ترامب، يختار من يشاء، ويحذف من يشاء من المسؤولين وليس لنا سوى (السمع والطاعة)..

وجوارنا (سوريا) بعد أن يبس عودهم بسبب الحصار العربي، وانفاق المليارات العربية من أجل اسقاط حكومة بشار، وجاؤوا لهم بحاكم (مصنوع) في معامل الإرهاب، سارع للعلاقة مع إسرائيل قبل أن يبلط شارعاً واحداً بدمشق.

أكثر جملة تزعجني (نجنب دولنا الحرب الدائرة بالمنطقة ) وكأنما  الحرب ليست من أجل قضيتنا التي كبرت في أحشائنا (فلسطين). وكأنما اختباءنا  خلف عباءات نسائنا سيجعل رئيس وزراء العدو الصهيوني نتنياهو يخجل ولا ينشر خريطة (إسرائيل الكبرى) ..

** وختاماً.. روشتة للقادة

وأنا أختم أقول للقادة العرب:

1- لابد أن يدرك القادة العرب أن قوة الأمة لا تعني تخلي الدول عن سيادتها، وإنما أن تعرف أين تكون السيادة. الدولة العربية القوية تحتاج إلى محيط عربي قوي، والمحيط العربي القوي يحتاج إلى دول مستقرة وقوية.

2- أن يستفيد القادة العرب من المنجز الذي تحقق على يد محاور المقاومة، سواء بالانتصار على الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة، أو على الكيان الصهيوني وجعله منطلقا لنصرة الشعب الفلسطيني وقضايا الأمة العادلة الاخرى ..

3-على القادة العرب اليوم أن ينتقلوا من “التضامن في البيانات” إلى “التضامن في المصالح والقرارات والأفعال”. لاستعادة الأمة جزءاً من وزنها وتأثيرها في عالم شديد التنافس.

4- الخلافات بين الحكومات العربية استنزفت طاقة الأمة لعقود. وليس المطلوب أن تتطابق السياسات في كل شيء، وإنما أن نتعلم إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة أو قطيعة أو صراع.

5- الاهتمام بالشعوب لا بالأنظمة فقط، الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالأمن وحده، بل يحتاج المواطن العربي إلى تعليم جيد، وفرص عمل، وعدالة، وخدمات، وكرامة، وأمل بالمستقبل.

6- العالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى. والدول العربية تمتلك المال والطاقة، والموقع الجغرافي، والأسواق، والموارد البشرية، لكنها لا تستثمر هذه الإمكانات بما يكفي في مشروع مشترك.

7- الإسلام مصدر قوة للأمة به ارتفع شأن الأمة، وازدهرت حضارتها، لذا يجب ترسيخ العقيدة الإسلامية في نفوس شعوبنا، وأن لاتكون مدعاة للخلافات والفتن.

8- أن يعلم القادة العرب أن الدفاع عن مصالح الأمة وحمايتها، لايكون باستقدام الأجنبي للمنطقة، فالأمة التي لا تحمي نفسها بنفسها تكون نهباً للاخرين.

9- الانفتاح على دول جوار الأمة والإستفادة من خبراتهم في كافة المجالات مقدرين التاريخ المشترك والمصالح المشتركة.
------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
* مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ـ العراق

مقالات اخرى للكاتب

بعد حرب الثلاثة أعوام بالمنطقة ما مصير العرب؟