24 - 08 - 2026

من قاع المدينة إلى قاع الهامور.. المساواة هي الحل

من قاع المدينة إلى قاع الهامور.. المساواة هي الحل

لم يكن صعود ما عُرف مؤخرًا باسم «جروب الهامور» على موقع فيسبوك مجرد ظاهرة من ظواهر السوشيال ميديا، ولا مجرد مساحة افتراضية يتبادل فيها الناس الحكايات والتعليقات والآراء. وراء الانتشار الواسع للجروب، الذي جذب مئات الآلاف من المتابعين، حكاية أكبر من منشور أو ترند عابر، حكاية مجتمع يشعر قطاع من أبنائه بأن المسافة بينهم وبين الفرصة قد أصبحت أطول من اللازم.

ولعل المفارقة اللافتة أن ما يحدث في «قاع الهامور» على العالم الافتراضي، يمكن أن نربطه بما جرى ويجري في «قاع المدينة» على أرض الواقع، حيث يعيش ملايين المصريين في ظروف صعبة، ويكافحون من أجل أبسط حقوق الحياة الكريمة، بينما تبدو أمامهم أبواب الفرص مفتوحة لفئات بعينها أكثر من غيرها.

المشكلة ليست في أن هناك من يملك أكثر، فاختلاف القدرات والأرزاق سنة من سنن الحياة، ولا في أن هناك رجال أعمال أو أصحاب ثروات نجحوا في تكوين ثرواتهم. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن قواعد اللعبة ليست واحدة، وأن الطريق إلى النجاح ليس متاحًا بالقدر نفسه للجميع.

حين يغيب تكافؤ الفرص، يبدأ الإحساس بالظلم في التراكم. وحين يتسع الفارق بين من يملك القدرة على الوصول إلى كل شيء، ومن لا يجد طريقًا إلى أبسط الأشياء، فإن المجتمع يبحث، بطريقة أو بأخرى، عن منافذ للتعبير عن غضبه وأسئلته. وفي عصر السوشيال ميديا، تصبح هذه المنافذ أسرع انتشارًا وأوسع تأثيرًا.

من هنا يمكن فهم جانب من ظاهرة «الهامور». فالجروب، أيًا كانت الآراء حول ما ينشر فيه أو طبيعة النقاشات التي تدور داخله، لم يصنع من فراغ. إنه ابن لحظة اجتماعية يشعر فيها كثيرون بأن هناك عالمًا لا يعرفون عنه إلا القليل، عالمًا من المال والنفوذ والامتيازات، بينما يقفون هم في الطرف الآخر يتابعون المشهد من بعيد.

وبالمثل، فإن «قاع المدينة» ليس مجرد وصف جغرافي أو اجتماعي للمهمشين والفئات الأكثر احتياجًا. إنه تعبير عن مواطن مصري قد يعمل طوال اليوم ولا يستطيع أن يوفر لأسرته ما يطمح إليه، وعن شاب يمتلك الطموح لكنه لا يجد الفرصة، وعن فتاة متفوقة قد تتعثر لأن ظروف أسرتها لا تسمح لها بأن تبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها آخرون.

وهنا تظهر القضية الأهم: المساواة ليست أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يحصل الجميع على فرصة عادلة للوصول إليها.

العدالة الاجتماعية لا تعني معاقبة الناجحين، ولا سحب ما يملكه الأغنياء، ولا تحويل المجتمع إلى نسخة واحدة متشابهة. العدالة تعني أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون الفرص التعليمية والاقتصادية والمهنية متاحة على أساس الكفاءة والاستحقاق، وأن يشعر المواطن البسيط بأن نجاحه ممكن، لا أن يكون مجرد استثناء نادر.

مصر لا ينقصها الطموح، ولا تنقص أبناءها القدرة على النجاح. ما تحتاجه هو تضييق المسافة بين «قاع المدينة» و«قاع الهامور»، ليس بإسقاط أحد من فوق، وإنما برفع من هم تحت، وفتح الطرق أمام الجميع.

فإذا كان مئات الآلاف قد وجدوا في فضاء إلكتروني مكانًا للتعبير عن أسئلتهم ودهشتهم وغضبهم، فعلينا أن نقرأ الرسالة الأعمق خلف الظاهرة، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة الظاهرة نفسها. الرسالة تقول ببساطة: نريد أن نفهم، نريد أن نشارك، ونريد أن نشعر بأن لنا مكانًا عادلًا في هذا الوطن.

وفي النهاية، لا يمكن بناء مجتمع مستقر وقوي على الإحساس الدائم بأن هناك «مصرين»: مصر للفرص والنفوذ، ومصر للانتظار والحرمان. مصر التي نريدها هي مصر التي يجد فيها ابن القرية وابن الحي الشعبي وابن المدينة الجديدة، الغني والفقير، المتعلم والعامل، فرصة عادلة لأن يصبح أفضل.

قد تختلف الحكايات، وقد تتغير أسماء الجروبات، وقد تتبدل موجات السوشيال ميديا، لكن الحقيقة ستظل واحدة: المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص هي الطريق الأكثر أمانًا لبناء الثقة بين المصريين.

وحين يشعر كل مواطن أن القانون يحميه، وأن الفرصة لا تُغلق في وجهه بسبب فقره أو مكان ميلاده أو علاقاته، لن نحتاج إلى «قاع» يصرخ في وجه «قاع» آخر.

سنكون جميعًا في وطن واحد، تجمعنا الفرص قبل أن تفرقنا الامتيازات.

حفظ الله مصر والمصريين.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

من قاع المدينة إلى قاع الهامور.. المساواة هي الحل