24 - 08 - 2026

قاع الهامور.. عندما يصنع الخيال عالمًا موازيًا للواقع!

قاع الهامور.. عندما يصنع الخيال عالمًا موازيًا للواقع!

ما يحدث تحت عنوان «قاع الهامور» على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر يستحق أن نتوقف أمامه قليلًا. ليس لأن الأمر يتعلق بترند جديد سيظهر غدًا ويختفي بعد أيام، وإنما لأن الظاهرة تكشف جانبًا من علاقتنا الجديدة بالعالم الافتراضي، وكيف أصبح الخيال الرقمي قادرًا على صناعة عالم كامل له شخصياته وحكاياته وصراعاته.

الفكرة في ظاهرها بسيطة. عالم متخيل مستوحى من أجواء «سبونج بوب»، لكن المصريين لم يدخلوه كمشاهدين. دخلوا إليه ليعيشوا فيه.

فهذا يتخيل نفسه مسؤولًا، وذاك يتعامل كأنه عمدة القرية، وثالث يرى نفسه صاحب القرار في مدينة، ورابع يرفع سقف الخيال فيتقمص دور حاكم دولة. هناك مواطنون يشكون، ومسؤولون يردون، وأصحاب مصالح، وشخصيات نافذة، وكأننا أمام مجتمع كامل يعيش تحت الماء.

قد تبدو المسألة في البداية مجرد لعبة أو مساحة للضحك، لكن انتشارها بهذا الشكل يقول إن العالم الافتراضي لم يعد مجرد وسيلة للتسلية. لقد أصبح مساحة بديلة يستطيع الإنسان أن يصنع فيها صورة مختلفة لنفسه، وأن يعيش أدوارًا قد لا يجد إليها طريقًا في الواقع.

في الحياة الحقيقية توجد حدود كثيرة. الوظيفة تحدد موقعك، والمال يحدد جزءًا من اختياراتك، والسلطة موزعة على درجات، وهناك من يملك القرار وهناك من ينتظر نتائجه.

أما في العالم الافتراضي فالأمر أكثر سهولة.

بضغطة واحدة تستطيع أن تمنح نفسك منصبًا، وبمنشور تستطيع أن تنشئ قضية، وبصورة تستطيع أن تبني شخصية، وبمجموعة من المتابعين تستطيع أن تشعر للحظات أنك أصبحت صاحب نفوذ.

وهنا تصبح السخرية وسيلة للتعبير عن الواقع.

المواطن الذي لا يستطيع أن يكون مسؤولًا في الحقيقة يمكنه أن يصبح مسؤولًا في العالم المتخيل. والذي لا يملك سلطة اتخاذ القرار يستطيع أن يصنع لنفسه قرارًا افتراضيًا. والذي يشعر أنه مجرد رقم في مجتمع كبير يمكنه أن يتحول في العالم الرقمي إلى شخصية لها اسم ودور وجمهور.

ولذلك ربما يكون نجاح «قاع الهامور» مرتبطًا بهذا المزج بين الخيال والواقع.

فالناس لا تضحك من الشخصيات المتخيلة وحدها، وإنما تضع داخلها شيئًا من حياتها اليومية.

المشكلة الحقيقية تتحول إلى موقف ساخر. الموظف يتحول إلى شخصية. المدير يصبح مادة للتندر. صاحب النفوذ يصبح «هامورًا» بالمعنى الشعبي للكلمة، بينما المواطن البسيط يجد لنفسه مكانًا في هذا العالم ولو من باب السخرية.

وهنا يصبح العالم الافتراضي أشبه بمرآة كبيرة. قد تكون المرآة مشوهة أو مضحكة، لكنها في النهاية تعكس شيئًا من الواقع.

ومن اللافت أن الإنسان في العالم الرقمي أصبح قادرًا على صناعة حياة موازية لنفسه. قد لا يكون في الواقع رجل أعمال، لكنه يستطيع أن يعيش هذه الشخصية في عالم افتراضي. وقد لا يكون صاحب قرار، لكنه يستطيع أن يتخيل نفسه حاكمًا. وقد لا يمتلك مدينة، لكنه يستطيع أن يبني مدينة كاملة على شاشة هاتفه ويضع لها سكانًا ومسؤولين وقوانين.

المفارقة أن هذا العالم الموازي لا يحتاج إلى أموال ولا قصور ولا مكاتب فخمة. يحتاج فقط إلى خيال وشاشة واتصال بالإنترنت.

لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط العالم المتخيل بالعالم الحقيقي، ويصبح الإنسان غير قادر على التمييز بين الشخصية التي يؤديها على الشاشة وبين شخصيته في الحياة.

وهنا لا بد من قدر من الحذر في قراءة الظاهرة.

ليس كل ترند تعبيرًا عن أزمة اجتماعية كبرى، وليس كل موجة سخرية مقدمة لتحول سياسي أو اجتماعي. مواقع التواصل تصنع ظواهرها بسرعة شديدة، وقد تمنح موضوعًا بسيطًا حجمًا هائلًا ثم تنتقل إلى غيره في أيام قليلة.

لكن ذلك لا يعني أن الظاهرة بلا دلالة.

فالإقبال الكبير على صناعة العوالم الافتراضية يؤكد أن الناس تبحث عن مساحة للخيال والتعبير والهروب من ضغوط الحياة اليومية. والشباب على وجه الخصوص أصبحوا يعيشون جزءًا معتبرًا من حياتهم على الشاشات، حيث يستطيعون إعادة تشكيل صورتهم كما يريدون.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام جيل يريد أن يغير الواقع أم جيل يريد أن يصنع واقعًا بديلًا يعيش فيه؟

ربما الأمران معًا.

فالخيال قد يكون مجرد تسلية، لكنه أحيانًا يكون تعبيرًا عن رغبة حقيقية في امتلاك ما نفتقده. من لا يملك سلطة يتخيلها، ومن لا يجد فرصة يصنع لنفسه فرصة افتراضية، ومن يشعر بأنه مهمش يستطيع في العالم الرقمي أن يجد جمهورًا يستمع إليه.

ولهذا فإن «قاع الهامور» ليس مجرد حكاية عن سمك يعيش تحت الماء.

إنه حكاية عن الإنسان الذي اكتشف أن بإمكانه أن يبني عالمًا كاملًا عندما تضيق أمامه مساحة الواقع.

وقد يختفي الترند بعد فترة كما اختفت غيره من الظواهر، لكن فكرة العالم الموازي ستبقى معنا. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة نستخدمها ثم نغلقها، وإنما أصبحت جزءًا من حياتنا وشخصياتنا وطريقة تعبيرنا عن أنفسنا.

وفي عالم «قاع الهامور» تستطيع أن تكون ما تريد.

قد تكون في الواقع مواطنًا ينتظر القرار، لكنك هناك صاحب القرار.

قد لا تكون قادرًا على إدارة شارع، لكنك تستطيع أن تدير مدينة.

وربما لا تستطيع أن تحكم قرية، لكن لا أحد يمنعك من أن تصبح حاكمًا لدولة كاملة على شاشة هاتفك.

وهذه هي المفارقة التي تجعل الحكاية ساخرة ومثيرة للتأمل في الوقت نفسه.

في العالم الحقيقي قد لا تملك منصبًا، أما في العالم الافتراضي فالمناصب مجانية.

وربما لهذا السبب وجد كثيرون طريقهم إلى قاع الهامور.
---------------------------------
بقلم: محمد سعد عبداللطيف
* كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية ،والصراعات الدولية

مقالات اخرى للكاتب

قاع الهامور.. عندما يصنع الخيال عالمًا موازيًا للواقع!