يواجه المجتمع الإسرائيلي حاليا أعمق مراحل الانقسام والشرخ الداخلي في تاريخه الحديث، وهو الواقع الذي تبلور كأبرز ملامح الإرث السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الحاسمة المقررة في 27 أكتوبر 2026، يتحول هذا التشرذم المجتمعي والسياسي من مجرد خلافات حزبية إلى تهديد مباشر لبنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية.
لم يعد صعود بنيامين نتنياهو وطول فترة بقائه في سدة الحكم مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل تحول إلى حقبة أعادت هندسة المجتمع الإسرائيلي من الداخل، فبينما يرى فيه أنصاره حاميا لعقيدة الأمن القومي ومثبتا لركائز اليمين، يرى فيه خصومه مهندس التفتيت الاجتماعي الأكبر، ومع دخول البلاد الأجواء الساخنة لانتخابات أكتوبر 2026، يطفو على السطح إرث نتنياهو الحقيقي، دولة مثقلة بالحروب الخارجية، لكنها ممزقة بصراعات الهوية في الداخل!
بدأت ملامح هذا الانقسام الحاد تأخذ طابعا مؤسسيا منذ خطة التعديلات القضائية التي قادتها حكومته اليمينية، والتي خلقت شرخا عميقا بين معسكرين: الأول يدافع عن الصبغة العلمانية والليبرالية للدولة، والثاني يندفع نحو تعزيز نفوذ التيارات الدينية والقومية المتطرفة، هذا الصراع أفقد الشارع ثقته في المنظومة القضائية، بل وأحدث هزات غير مسبوقة داخل لواء الخدمة العسكرية الاحتياطية، مما جعل التماسك الداخلي في مهب الريح.
جاءت التطورات الميدانية الأخيرة لتفجر أعقد ملفات الهوية داخل إسرائيل؛ وهو ملف إعفاء اليهود المتدينين (الحريديم) من الخدمة العسكرية، وفي ظل استمرار الضغوط الأمنية، تحول رفض الحريديم للاندماج في الجيش إلى نقطة غليان في الشارع، تُرجمت إلى احتجاجات واسعة وقوافل غاضبة قطعت الطرق الرئيسية.
لقد وضع هذا الملف نتنياهو في مأزق متبادل: إما إرضاء حلفائه المتطرفين لضمان بقائه السياسي، أو الاستجابة لغالبية المجتمع والجيش الذين يطالبون بتوزيع عادل للأعباء.
حيث تعكس استطلاعات الرأي لعام 2026 هوية دولة تكاد تنفصل إلى نصفين؛ حيث يصف ثلثا الإسرائيليين أداء نتنياهو في إدارة الأزمات والحروب الأخيرة بأنه مخيب للآمال، وتتزايد الدعوات لتشكيل لجان تحقيق رسمية في الإخفاقات الأمنية الكبرى، ومع ذلك، يمتلك نتنياهو كتلة تصويتية مستعدة لدعمه في الانتخابات المقبلة، مستفيدا من تشرذم قوى المعارضة التي يتنافس قادتها - مثل غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لابيد - على تزعم المشهد البديل دون الاتفاق على جبهة موحدة.
ويتسم السلوك السياسي لنتنياهو بقدرة فائقة على المناورة والهروب من الأزمات المحلية عبر تدويل الصراع واستغلال التوترات الإقليمية لترميم شعبيته المتدهورة، لكن هذه الاستراتيجية القائمة على إدارة النزاع لا حله، تركت إسرائيل بلا رؤية واضحة لـ اليوم التالي، فبينما يصر اليمين المتطرف داخل حكومته على توسيع البؤر الاستيطانية وضم الأراضي، تحذر القيادات العسكرية السابقة من أن غياب الأفق السياسي والتمسك بعقدة الخلاص سيقودان البلاد إلى استنزاف اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.
أمام هذا الانسداد، يبدو أن استراتيجية نتنياهو المفضلة هي المماطلة وشراء الوقت والهروب إلى الأمام بانتظار انتخابات الكنيست الحاسمة، حيث يراهن رئيس الوزراء على أن إبقاء حالة "اللا حرب واللا سلم" وملف "اليوم التالي" معلقا، سيمكنه من حشد قاعدته الانتخابية اليمينية تحت شعار حماية إسرائيل من الضغوط الخارجية، لكن هذا الرهان الحزبي الضيق يأتي على حساب تآكل الردع الإسرائيلي وتعميق عزلتها الدولية.
وعندما تفتح صناديق الاقتراع في أكتوبر المقبل، لن يصوت الإسرائيليون على برامج اقتصادية أو خطط أمنية فحسب، بل سيصوتون على هوية دولتهم المستقبلية.
إن الإرث الأبرز لسنوات حكم نتنياهو الطويلة ليس الانتصارات التكتيكية أو التحالفات المتقلبة، بل هو نجاحه في تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي داخلي، تاركا خلفه مجتمعا يخشى بعضه بعضا، ودولة تبدو ديمقراطية في صناديقها، لكنها منقسمة بعمق في وجدانها!
------------------------------------
بقلم: د. أحمد حساني






