23 - 08 - 2026

الانتخابات الفلسطينية: تجديد الشرعية أم إعادة إنتاج الأزمة؟

الانتخابات الفلسطينية: تجديد الشرعية أم إعادة إنتاج الأزمة؟

تدخل الساحة الفلسطينية استحقاقاً انتخابياً جديداً في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ القضية الفلسطينية، ففكرة الانتخابات من حيث المبدأ تمثل حقاً ديمقراطياً وضرورة وطنية لتجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات على أساس الإرادة الشعبية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: *هل نريد الانتخابات؟ بل: أي انتخابات نريد؟ وتحت أي مرجعية؟ ومن يضمن نزاهتها ونتائجها؟*

فإجراء انتخابات في ظل الاحتلال وتحت ضغط الاعتداءات الإسرائيلية ومصادرة الأراضي والاستيطان والتهجير وفي ظل انقسام فلسطيني ومؤسسات فقد بعضها شرعيته الانتخابية منذ سنوات يجعل الاستحقاق أكثر من مجرد عملية اقتراع إنه اختبار حقيقي لطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على استعادة ثقة الشعب.

هل يبدأ الإصلاح من رأس الهرم؟

إذا كان الهدف هو إعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية فهل من المنطقي أن تبدأ العملية بانتخابات المجالس المحلية أو التشريعية قبل انتخاب رئيس يمتلك تفويضاً شعبياً واضحاً؟.

لقد انتهت الولاية الانتخابية للرئيس محمود عباس منذ سنوات، كما أن المجلس التشريعي لم يعد يمتلك الصلاحية التي كان يستمدها من الانتخابات السابقة، ومن هنا تبرز ضرورة طرح السؤال بصراحة: *أليس انتخاب الرئيس، باعتباره رأس السلطة التنفيذية، خطوة أولى أكثر انسجاماً مع مفهوم تجديد الشرعية، على أن تتبعها انتخابات المجلس التشريعي وبقية المؤسسات وفق جدول زمني واضح ومتفق عليه وطنياً؟*

لكن المشكلة لا تتوقف عند مؤسسة الرئاسة أو المجلس التشريعي إذ إن المشهد الفلسطيني برمته يحتاج إلى إعادة تأسيس ديمقراطية شاملة.

منظمة التحرير أولاً.. لا على هامش المشهد

يبقى السؤال الأهم: لماذا لا تكون منظمة التحرير الفلسطينية نقطة الانطلاق الأساسية في عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

فالمنظمة تاريخياً هي الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني رغم التباين الموجود وتمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات، وهي التي يفترض أن تشكل المرجعية السياسية الوطنية العليا.

وعليه فإن تفعيل منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية كما طرح في حوارات  القاهرة سنة 2005  وإعادة تشكيل المجلس الوطني عبر انتخابات حقيقية حيثما أمكن، أو عبر آليات توافقية مؤقتة في الأماكن التي يتعذر فيها الاقتراع يجب أن يكون في مقدمة الأولويات.

فلا يمكن الحديث عن تجديد الشرعية الفلسطينية بصورة مكتملة فيما يبقى جزء أساسي من الشعب الفلسطيني وفي مقدمته ملايين الفلسطينيين في الشتات، خارج دائرة المشاركة الفعلية في صناعة القرار.

انتخابات تحت الاحتلال.. من يضمن حرية الناخب؟

هنا تكمن واحدة من أخطر الإشكاليات كيف يمكن إجراء انتخابات فلسطينية حرة ومستقلة، بينما الاحتلال الإسرائيلي يملك القدرة على اعتقال المرشحين والناشطين ومداهمة المناطق الفلسطينية وفرض القيود على الحركة وتهجير السكان ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني ومحاولة فرض واقع سياسي وجغرافي جديد في الضفة الغربية؟

بل إن السؤال الأكثر خطورة هو: *هل سيكون الاحتلال مجرد طرف خارج العملية الانتخابية أم أن قدرته على التحكم بالأرض والحركة والاعتقال ستجعله بصورة غير مباشرة عاملاً مؤثراً في تحديد من يستطيع الترشح ومن يستطيع ممارسة حملته الانتخابية ومن يستطيع الوصول إلى الناخبين؟*

فالانتخابات التي لا يستطيع فيها المرشح والناخب ممارسة حقهما بحرية كاملة تبقى معرضة للطعن السياسي مهما كانت الإجراءات الفنية والتنظيمية سليمة، ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تخفِ سياساتها الرامية إلى إضعاف السلطة الفلسطينية بل القضاء عليها كلياً وتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض وصولاً إلى مشاريع ضم أجزاء من الضفة الغربية وفي ظل ذلك تصبح الانتخابات الفلسطينية مرتبطة بصورة مباشرة بالصراع على مستقبل الأرض والقرار والوجود الفلسطيني.

هل تستطيع الانتخابات تحقيق ما يريده الفلسطينيون؟

الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة لا يبحث فقط عن صندوق اقتراع إنه يبحث عن الأمن والحرية والكرامة وعن وقف العدوان وحماية الأرض من المصادرة و وقف الاستيطان وإنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي على أسس وطنية، ومن هنا فإن أي انتخابات لا تفضي إلى مشروع سياسي قادر على مواجهة الاحتلال وحماية الحقوق الوطنية ستبقى، مهما كانت نتائجها عاجزة عن معالجة جوهر الأزمة فالانتخابات وسيلة وليست غاية والغاية هي إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ليكون قادراً على تمثيل الشعب والدفاع عن حقوقه لا مجرد إنتاج طبقة سياسية جديدة تتولى إدارة الأزمة القائمة.

ماذا عن المقاومة؟

لا يمكن فصل أي استحقاق سياسي فلسطيني عن قضية المقاومة سواء اتفقنا أو اختلفنا حول أشكالها وأساليبها، فالمقاومة أصبحت جزءاً من المعادلة الفلسطينية خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال والعدوان، وبالتالي فإن محاولة تحويل الانتخابات إلى أداة لإقصاء قوى سياسية أو فرض شروط مسبقة على مشاركتها أو تحويل الصندوق إلى وسيلة لنزع الشرعية عن شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني ستعيد إنتاج الانقسام بدلاً من إنهائه، المطلوب هو أن تكون الانتخابات مدخلاً إلى التوافق الوطني لا أداة لتصفية الحسابات السياسية.

والسؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح هو: *هل ستسمح القوى الفلسطينية بأن يكون الصندوق حكماً بين الفلسطينيين أم ستدخل الانتخابات بشروط مسبقة تجعل نتائجها محددة سياسياً قبل أن تبدأ؟*

الائتلاف الوطني... فرصة أم مجرد عنوان؟

الإعلان عن تشكيل ائتلاف وطني فلسطيني في مواجهة هيمنة السلطة يمكن أن يشكل تطوراً مهماً إذا كان هدفه توسيع المشاركة السياسية وفتح المجال أمام قوى وشخصيات مستقلة، لا استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، لكن العبرة ليست في تشكيل الائتلافات ولا في رفع الشعارات بل في قدرتها على حماية العملية الانتخابية ومنع التلاعب بها.

فإذا كان هناك تخوف من تدخلات خارجية أو من توجيه النتائج لصالح طبقة سياسية محددة، فإن المواجهة لا تكون برفع الاتهامات فقط وإنما بوضع آليات واضحة للرقابة والشفافية وضمان تكافؤ الفرص ورفض الإقصاء السياسي وإشراك مختلف القوى الوطنية في مراقبة العملية الانتخابية من بدايتها حتى إعلان النتائج.

الشتات الفلسطيني؟ هل يبقى خارج الصندوق؟

يبقى الفلسطيني في الشتات السؤال الأكبر في أي عملية لإعادة بناء الشرعية: كيف يمكن الحديث عن تمثيل الشعب الفلسطيني بينما يبقى ملايين الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية غير قادرين على المشاركة الكاملة في انتخاب المؤسسة التي يفترض أن تمثلهم؟

إن تجاهل الشتات يعني عملياً استمرار الفصل بين الفلسطينيين داخل الوطن والفلسطينيين خارجه، بينما القضية الفلسطينية في جوهرها قضية شعب واحد أينما وجد.

ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للمجلس الوطني الفلسطيني وتطوير منظمة التحرير يجب ألا تكون قضية مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات، بل جزءاً أساسياً من مشروع الإصلاح السياسي.

الشرعية لا تُستعاد بصندوق واحد

المشكلة الفلسطينية اليوم ليست نقصاً في المؤسسات بقدر ما هي أزمة شرعية وثقة ووحدة وطنية، لدينا رئاسة انتهت ولايتها الانتخابية ومجلس تشريعي فقد صلاحياته الانتخابية ومجلس وطني يحتاج إلى إعادة بناء وتمثيل ولجنة تنفيذية وأطر سياسية تحتاج إلى تجديد وسلطة تواجه ضغوط الاحتلال والتدخلات الخارجية والانقسام الداخلي، وفي مثل هذه الحالة فإن الذهاب إلى انتخابات جزئية من دون معالجة أصل المشكلة قد يؤدي إلى *تجديد بعض الواجهات من دون تجديد النظام السياسي نفسه.* المطلوب ليس انتخابات شكلية بل مسار وطني متكامل يبدأ بإعادة بناء منظمة التحرير وتجديد الشرعيات الرئاسية والتشريعية والوطنية وضمان مشاركة غزة والضفة والقدس والشتات ووضع قواعد تمنع الإقصاء والتدخل الخارجي وتضمن أن يكون القرار الفلسطيني نابعاً من الإرادة الفلسطينية.

أخيراً: أي انتخابات نريد؟

إن الانتخابات الفلسطينية ليست مجرد استحقاق قانوني أو موعد سياسي، إنها معركة على معنى الشرعية الفلسطينية نفسها فإما أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي على أساس المشاركة والشراكة والوحدة الوطنية، وإما أن تتحول إلى عملية لإعادة إنتاج الطبقة السياسية ذاتها تحت عناوين جديدة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: *من سيفوز في الانتخابات؟ بل: من يملك القرار الفلسطيني؟ ومن يحدد شروط اللعبة؟ وهل سيكون الشعب الفلسطيني هو صاحب الكلمة الأخيرة، أم أن الاحتلال والتدخلات الخارجية ومراكز النفوذ ستبقى حاضرة في تحديد من يصل ومن يُستبعد؟

إن فلسطين اليوم بحاجة إلى شرعية لا تستمد قوتها من الخارج ولا من ترتيبات مفروضة ولا من واقع الأمر الواقع، بل من الشعب الفلسطيني نفسه، والطريق إلى ذلك يبدأ من إعادة بناء البيت الفلسطيني بأكمله وفي مقدمته منظمة التحرير، ثم تجديد جميع المؤسسات عبر انتخابات حرة ونزيهة وشاملة بحيث يصبح الصندوق أداة للوحدة الوطنية لا وسيلة لتكريس الانقسام ويصبح القرار الفلسطيني ملكاً للفلسطينيين وحدهم.

فالشرعية التي لا تُنتخب بإرادة الشعب لا تكفي لمواجهة احتلال يسعى إلى مصادرة الأرض والقرار معاً.
-------------------------------------
بقلم: يوسف أبو سامر موسى
باحث وكاتب سياسي/ فلسطين

مقالات اخرى للكاتب

الانتخابات الفلسطينية: تجديد الشرعية أم إعادة إنتاج الأزمة؟