22 - 08 - 2026

عجاجيات | السطو على طفولتي

عجاجيات | السطو على طفولتي

موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب لم يكن فقط عبقريا فى ألحانه بل كان أيضا عبقريا فى كلامه وأفكاره فهو صاحب مقولة: يظل الرجل طفلا حتى تموت أمه فيشيخ، والشيب غزا رأسى بعد أن انتقلت أمى إلى رحمة الله.

وحتى عندما أحاول السباحة ضد تيار العمر واختلس لحظات أعود فيها إلى طفولتى اكتشف أن كل الأماكن التى أحببتها ولعبت فيها لم تعد موجودة وحتى الموجودة منها يصعب أن أعيش فيها ما عشته طفلا

فكيف لى الآن أن ألعب فى حديقة قصر عابدين كما كنت أفعل فى طفولتى، وكيف لى أن أجلس بالساعات فى المدخل الرخامى لقصر عابدين تحت شرفته الرئيسية المطلة على الميدان الذى طالما شاهدت فيه العروض العسكرية لقواتنا المسلحة، بل إن حديقة عابدين الشعبية المطلة على شارع الشيخ ريحان والتى طالما جلسنا ولعبنا فيها لم تعد متاحة.

وأين لى بنافورة المياه الملونة فى ميدان التحرير والتى كنا نتحلق حولها ونستمتع بالسميط والملح بدقة والترمس، وأين لى بساعة الزهور الرائعة التى كانت أمام مجمع التحرير، وأين لى بالجلوس على كورنيش النيل قبالة فندق شبرد إلى ما بعد منتصف الليل.

ولو تنازلت عن اللعب بحكم السن والخشونة والهشاشة، هل يمكن أن اتجول فى حدائق الحرية والأندلس والاورمان وحديقة الحيوان، وهى الحدائق التى شهدت أجمل وأمتع أيام طفولتنا.

وأين لى بدور السينما التى جعلتنى أحب الفن وصوت الموسيقى، كلها مع الأسف الشديد ضاعت فى الوباء مثل هنادي دعاء الكروان، وهى سينما الشرق (السيدة زينب) وسينما اولمبيا (شارع عبدالعزيز) وسينما الحلمية (الحلمية الجديدة) وسينما الأهلى (السيدة زينب) وسينما ايزيس وسينما الهلال (شارع قدري) و سينما ستار (لاظوغلي) وسينما حديقة ريو (باب اللوق)

وأين لى بمحطة قطار باب اللوق التى كنت أزورها بانتظام أكثر من مرة فى الأسبوع، للتوجه إلى منزل خطيبتى وزوجتى لاحقاً فى مصر القديمة محطة الملك الصالح ، والتى انطلقت منها ذات صباح إلى حلوان مع أفراد عشيرة جوالة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية للمشاركة في معسكر الإختيار بمركز إعداد القادة.

حتى مدرسة زهر الربيع الإبتدائية المشتركة أصبحت مدرسة يابانية، ومدرسة مصطفى كامل الإعدادية (قصر مصطفى كامل فى شارع نوبار) أشك كثيرا أنها ما زالت قائمة كمدرسة مجانية.

كيف لى أن أحكى لاحفادي عن طفولتى ومواقع الأحداث التي عشتها لم تعد موجودة أصلا، وإن وجدت لم تعد كما كانت ولم تعد متاحة حتى لاستعادة ما كان من قبيل النوستالجيا أو الحنين الماضى.

أعلم أن اصابع الزمن لها تأثيرها وأن التطوير مطلوب شريطة ألا يقتلع الماضى من جذوره، ولا ينبغى نسيان حقيقة أن الإنسان أى انسان نقطة التقاء بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأحسب أن الدول أيضا كذلك.
-----------------------------
بقلم: 
عبدالغني عجاج


مقالات اخرى للكاتب

عجاجيات | السطو على طفولتي