حين شرعتُ في كتابة الحلقة الجديدة من حكايات «عطفة المحبة»، كنتُ أعدّ نفسي للكتابة عن ابنة أم سلامة عطيات، تلك التي كانت تقاسمها الشقة نفسها. جلستُ أستدعي تفاصيلها من طيات الأيام، وأسترجع ما بقي في الذاكرة من حكاياتها، وبدأت أكتب.
ثم توقفت.
في تلك الليلة، جاءني الشيخ عبدالله الرزيقي في المنام.
لم يأتِ غاضبًا ولا مخاصمًا، بل كان عتابه هادئًا، كصاحب حق قديم لا يحتاج إلى ضجيج ليسترده. وكأنه استوقفني عند باب العطفة وقال بصوته الدافئ:
«كيف تبدأين الحكايات ولا تبدأين بي؟»
استيقظتُ وأنا أبتسم، وشعرتُ أنه محق.
فبعض الناس لا يمرون بالمكان كعابري سبيل، بل يصبحون جزءًا من روحه ، وإذا كانت «عطفة المحبة» قد احتفظت في خاطري بوجوه كثيرة، فإن الشيخ عبدالله كان من أكثرها حضورًا؛ لم يكن يسكن العطفة فحسب، بل كان صوته يدخل بيوتها، ويجمع أهلها على شيء أعمق وأجمل من تفاصيل الحياة اليومية كان يجمعها علي كتاب الله.
أغلقتُ مؤقتًا دفتر ابنة أم سلامة، وفتحتُ دفتر الشيخ عبدالله وعزمت علي عدم الالتزام بترتيب الشقق والبيوت عند الحديث عنهم، المهم انهم يتشاركون جميعا في الحكاية حتي وإن كان بعضهم لا يسكن العطفة ولكنه يشبههم في أشياء كثيرة.
كان الشيخ عبدالله يسكن إحدي شقق العطفة وكان رجلًا يفرض حضوره من غير تكلف، مهيب الطلعة، قوي البنيان، وفي وجهه وقار يليق برجل دين قضى عمره في معية القرآن. ومع ذلك لم تكن هيبته تُبعد الناس عنه، بل كان قريبًا من القلوب، وكانت محبة أهل العطفة له تسبقه أينما حلّ.
فقد الشيخ بصره وهو طفل، لكن غياب الضوء عن عينيه لم يظلم دنياه ، حفظ القرآن الكريم في كُتّاب قريته بمحافظة الغربية، ثم ارتحل إلى القاهرة ليدرس العلوم الشرعية في الأزهر الشريف، وبعد أن أتم دراسته، كان بمقدوره العودة إلى جذوره الدافئة في القرية، لكنه اختار القاهرة لتكون مستقره ومقامه.
تزوج إحدى قريباته، وأنجب ولدًا وبنتين ، تزوجت الابنتان في القرية، أما ابنه محمود فتزوج إحدى بنات بلدتهما، واختار أن يعيش مع أبيه في الشقة نفسها.
كان محمود ضابطًا في الجيش، بينما كان والده إمامًا لمسجد «السايس» القريب من العطفة في شارع سوق السلاح.
ومسجد «السايس» ليس مجرد مسجد عابر في ذاكرة المكان، بل هو جامع الأمير ألجاي اليوسفي، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى سنة 774 هجرية، في عهد السلطان الأشرف شعبان، مسجد مملوكي عريق تنطق حجارته بالتاريخ؛ بأبوابه العظيمة، وساحته الواسعة، وقبته ومئذنته وسبيله، وكل تفصيلة فيه تحمل شيئًا من القاهرة القديمة.
وللمسجد حكاية أخرى حفظتها الذاكرة الشعبية، وأوردها علي باشا مبارك في «الخطط التوفيقية». فقد شاع في عصر محمد علي باشا اعتقاد بأن أحد أعمدة المسجد يحمل سرًا للشفاء. كان الناس يتوافدون عليه، ويسكبون الماء الممزوج بعصارة الليمون على العمود، ثم يلعقونه طلبًا للشفاء.
وظل الاعتقاد يتردد بين الناس حتى وقعت حادثة سرقة لإحدى النساء أثناء زيارتها للعمود، فبُني حائط يحجبه عن المترددين، ومع مرور الزمن تراجع ذلك الاعتقاد، وبقي نصف العمود ظاهرًا كأثر من زمن بعيد، حين كانت الحكايات الشعبية تختلط بالمقدس وتصنع لنفسها طقوسًا خاصة.
لكن بالنسبة إلى أهل العطفة، لم تكن الحكاية الأهم في المسجد هي حكاية العمود. كانت الحكاية في الرجل الذي وقف في محرابه.
الشيخ عبدالله.
الرجل الذي فقد بصره صغيرًا، ثم وقف يقود الناس في صلاتهم. كان يعرف طريقه إلى المسجد دون أن يحتاج إلى من يقوده، ويحفظ القرآن من مصحف أودعه الله في قلبه وذاكرته.
ولم يكن القرآن عنده مجرد عبادة يؤديها، بل كان حياة كاملة تمتد من المسجد إلى البيت.
ففي كل خميس، كانت شقته تتحول إلى مقرأة.
كان اليوم يبدأ مختلفًا ، بتحضيرات الضيافة من أهل البيت ثم يتوافد تلاميذ الشيخ من المسجد، وأبناء العطفة والجيران بعد صلاة العشاء ، ويجلسون في صحبته، ثم تبدأ التلاوة.
كان يصحح القراءة، ويضبط الحركات، ويرد القارئ إلى الصواب إذا أخطأ ، وكان في طريقته ما يجعل القرآن قريبًا من الناس؛ فالخطأ لم يكن عيبًا، وإنما فرصة ليتعلم صاحبه كيف يقرأ كلام الله على الوجه الصحيح.
وكان للقرآن في ذلك البيت فرحتان؛ فرحة في منتصف القراءة، وفرحة أكبر عند الختم. تُعد الحلوى، ويُجهز الأرز باللبن، وتدور المشروبات بين الحاضرين، فيتحول ختم القرآن إلى يوم من أيام الفرح التي تحفظها الذاكرة.
ولم ترحل هذه العادة برحيل الشيخ، بل حافظ عليها ابنه محمود، وكان حافظا للقرآن الكريم مثل والده وكان من يقوم بالتصحيح مع كبار رجال الدين بالمقرأة واستمر من بعده ابنه سليم علي نهج جده ووالده.
وإذا دخلنا الغرف المغلقة في المنزل تختلف الصورة ؛ لأن البيوت لا تكون دائمًا على صورة واحدة، ولا يمكن اختزال أهلها في صفة واحدة.
كان محمود رجلًا جادًا وحازمًا في كل أمور حياته. وربما أسهمت حياته العسكرية التي يعيشها في عمله في ترسيخ هذه الصرامة؛ فقد اعتاد النظام والانضباط والالتزام، فكان يتعامل مع تفاصيل الحياة بمنطق واضح: ما ينبغي أن يحدث يجب أن يحدث، وما لا ينبغي فعله لا مجال فيه للتساهل.
لكن محمود لم يكن رجلًا قاسيًا في المطلق، ولم يكن فظًا كما قد توحي به صرامته في التعامل بعض بل كان رجلًا محترمًا، متزنًا، يقدم الخير لجيرانه وبارا بأهل قريته و يعرفه الناس بذلك، وكانت له مكانته وهيبته بين من حوله.
غير أن الإنسان قد يكون شيئًا في أعين الناس، وشيئًا آخر تمامًا في عيون أقرب الناس إليه.
وهكذا كانت زوجته وابنتاه ترى صرامته من داخل البيت؛ حيث لا يبدو الحزم دائمًا فضيلة، وحيث يمكن للكلمة الجادة أن تثقل قلبًا صغيرًا، حتى لو لم يقصد صاحبها أن يؤذي.
بعد وفاة زوجة الشيخ، ظل عبد الله يعيش مع ابنه محمود وزوجته وأبنائه.
وكان الأحفاد يتناوبون اصطحاب جدهم إلى المسجد؛ البنات في صلاتي الظهر والعصر، والفتيان في المغرب والعشاء والفجر.
كان المشهد من الخارج يحمل قدرًا كبيرًا من الدفء: حفيد يمسك بيد جده الكفيف، يمشي معه من البيت إلى المسجد، ثم يعيده بعد الصلاة.
لكن الطريق نفسه كان يخفي حكاية صغيرة لا يعرفها الجد.
كانت إحدى بنات محمود تتألم من صرامة أبيها، ولا تعرف كيف تعبّر عن غضبها أو اعتراضها حكت لي ونحن صغار أنها وحين يأتي دورها في اصطحاب جدها إلى المسجد، كانت تجد في الطريق فرصة صغيرة لتفريغ ما بداخلها.
لم تكن العطفة نفسها مكانًا واسعًا أو متشعبًا؛ كانت شارعًا صغيرًا مغلقًا، لكن الطريق من البيت إلى المسجد كان يخرج إلى شوارع الحي المحيطة بها. وهناك، في ذلك الطريق القصير، كانت الطفلة تتوه بجدها قليلًا.
تبتعد به عن المسار، ثم تعود به إلى الطريق المؤدي إلى المسجد.
ربما لم تكن تفكر يومها في الأمر بكل هذا التعقيد. كانت طفلة تحمل غضبًا أكبر من قدرتها على التعبير عنه، فوجدت في ذلك الطريق القصير وسيلة طفولية للتمرد.
لكن ما يوجع في المشهد الآن أن الرجل الذي كانت تمسك بيده لم يكن يعرف شيئًا عن ذلك ، كان يثق بيد حفيدته.
والرجل الذي أمضى عمره في تعليم الناس الصواب، كان يسير في ذلك الطريق مستسلمًا ليد صغيرة، لا يعرف أنها تحمل في داخلها غضبًا لا علاقة له به.
ولم تكن تلك الطريقة الوحيدة التي حاولت بها البنات الهروب من صرامة أبيهن.
كنّ يخرجن صباحًا في بعض الايام بحجة الذهاب إلى المدرسة، ثم يذهبن للتنزه بعيدًا عن أعين الأب الذي كان يحرص على النظام والانضباط ، ومع الوقت تأثرت دراستهن، وصارت الأم وهي سيدة طيبة وبشوشة محبوبة من جيرانها ولكنها ربما كانت مع زوجها ضعيفة أو مستسلمة لا تستطيع مواجهته فتخفي بعض التفاصيل خشية أن تتسع دائرة الخلاف داخل البيت، ولكن كان لهذا الفعل اثار في اتساع الفجوة بين الأب وأسرته.
وبالنسبة للبنات حين ضاقت المساحة أمامهن، مع عدم قدرتهن على فهم المخزي من صرامة الأب.. بدا الزواج كأنه باب للخروج.
فأقبلن على أول خاطب يطرق الباب، لا بالضرورة لأنهن وجدن فيه الرجل الذي يحلمن به، وإنما لأن فكرة الرحيل من البيت كانت في حد ذاتها تبدو كأنها نجاة.
لكن الحياة لا تضمن أن يكون الباب الذي نهرب منه أقل قسوة من الباب الذي ندخله.
انفصلت إحدى البنات عن زوجها بعد أن أنجبت طفلين وعادت بهما إلى بيت أبيها في عطفة المحبة.
وهكذا دارت الحياة دورة كاملة؛ البيت الذي كان يومًا مصدرًا للرغبة في الرحيل، صار بعد سنوات الملاذ الذي تعود إليه ابنته حين تضيق بها الدنيا.
وربما هذه هي الحكاية الحقيقية التي تخبئها البيوت القديمة: أنها لا تحمل خيرًا خالصًا ولا شرًا خالصًا، وإنما تحمل بشرًا يخطئون ويصيبون، يحبون ويقسون، يحنّون أحيانًا ويعجزون أحيانًا أخرى عن التعبير عن محبتهم بالطريقة التي يحتاجها من يعيشون معهم.
وفي بيت الشيخ عبدالله، كان هناك هذا التناقض الجميل والمؤلم في آن واحد؛ قرآن يتلى، ومقرأة تجمع الناس، وحلوى وأرز باللبن في أيام الختم، وفي الجانب الآخر أب شديد الانضباط، وأم تحاول أن توازن البيت، وبنات يبحثن عن مساحة صغيرة لأنفسهن.
ولعل محمود نفسه لم يكن يرى في صرامته ما كانت زوجته وابنتاه ترينه.
فهو لم يكن يظن أنه يؤذيهن؛ كان على الأرجح يظن أنه يحميهن بالطريقة التي يعرفها، وأن الحزم هو الطريق الصحيح لتربية الأبناء. لكن النوايا الطيبة لا تمنع دائمًا أن تصل المشاعر إلى الآخرين بصورة مختلفة.
وهذه واحدة من أكثر الحقائق الإنسانية التباسًا: قد يحبنا أحدهم بطريقته، بينما نحتاج نحن إلى أن يحبنا بطريقة أخرى.
أما الشيخ عبدالله، فظل في قلب كل ذلك كأنه نقطة هدوء.
عاش عمره مع القرآن، وجعل من بيته مكانًا يجتمع فيه الناس، ومن صوته في المسجد شيئًا مألوفًا في ذاكرة أهل العطفة.
حين أفكر فيه الآن، لا أتذكره فقط إمامًا مهيبًا في محراب مسجد السايس، ولا شيخًا يجلس بين الناس يصحح تلاوتهم.
أتذكر يده وهي تبحث عن يد حفيده.
أتذكر صباحات الطريق إلى المسجد.
أتذكر بيتًا يستقبل المقرأة كل خميس، وأصوات التلاوة وهي تتعالى بين جدرانه، ثم رائحة الحلوى والأرز باللبن في يوم الختم.
وأتذكر رجلًا فقد بصره صغيرًا، لكنه لم يفقد القدرة على أن يدل الآخرين على الطريق ، وربما لهذا جاءني في المنام.
لم يكن عتابه أن أكتب عنه أولًا فحسب، وإنما كان تذكيرًا بأن الذاكرة لا تسير دائمًا وفق الترتيب الذي نضعه لها، وهناك أبواب لا يجوز أن نمر بها دون أن نطرقها.
أما باب الشيخ عبدالله الرزيقي، فقد جاءني صاحبه بنفسه، وطرق الباب أولًا .. ففتحته.
------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






