درسنا وتعلمنا أن للدعاية وللإعلام قواعد وأصول. كلاهما علم وضع له علماء كبار أسس ومنهجية. لكن يبدو أن الدراسة النظرية شيء والواقع في بعض البلاد شيء آخر. قرأنا عن الإعلام الصهيوني الطليعي منذ القرن التاسع عشر الذي كان أهم ذراع لتأسيس الكيان المحتل لفلسطين والذي لم يتمكن الإعلام العربي أبدا من اللحاق به. استطاع هذا الإعلام كسب الرأي العام العالمي مؤيدا لاغتصاب الصهيونية فلسطين. عرفنا عن إعلام الثورة الروسية الذي كان في مقدمة أدواتها قبل وبعد قيامها وكان عاملا فعالا في حشد الشعب السوفييتي – بعد ذلك – لتحقيق أحلام الثورة في نشر الاشتراكية وتطبيق النظرية في دول عديدة من العالم. عرفنا ليبمان وبيرنيز اللذين وضعا أسس الإعلام الأمريكي وطوراه بما جعله في المقدمة ومازال.
الدعاية ليست الإعلام. فرق كبير بينهما، لكن الحدود بين المجالين تداخلت حتى أصبح من الصعب التمييز بين الخبر الذي يراد به إطلاع الجمهور، والخطاب الذي يراد به توجيه الجمهور، بين الحقيقة التي تبحث عن طريقها إلى الناس، والتفاصيل المنتقاة التي تستدعى لخدمة غاية محددة. الإعلام في جوهره معرفة قبل أن يكون تأثير. وظيفته أن ينقل إلى الناس ما يجري، وأن يضع أمامهم المعلومات والوقائع والتفسيرات المختلفة، وأن يساعدهم على تكوين رأيهم بأنفسهم.
أما الدعاية فتبدأ عادة من هدف معد مسبقا، ثم تبحث عن الكلمات والصور والوقائع التي تخدم تلك الهدف وتدفع الجمهور في اتجاه الاقتناع به. الإعلام يسأل: ماذا حدث؟ كيف حدث؟ لماذا حدث؟ ثم يترك مساحة للعقل لكي يحكم، بينما تبدأ الدعاية من سؤال مختلف: ماذا نريد من الجمهور أن يعتقد أو يشعر أو يفعل؟ ثم تبني رسالتها على هذا الهدف. الدعاية تنتقي من التفاصيل ما يخدم رسالتها وتتجاهل ما يناقضها. الخطر لا يكمن في الكذب الصريح، يكمن في نصف الحقيقة، في الحقيقة التي تنتزع من سياقها، في تكرار فكرة واحدة حتى تبدو لكثرة ترديدها وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
هنا تظهر الدعاية الضارة بصاحبها. الدعاية ليست نافعة لمجرد أنها تصل إلى عدد كبير من الناس، وليست ناجحة لمجرد أنها تثير ضجة أو تتصدر الحديث العام. قد تحقق حملة دعائية انتشارا، لكنها تترك وراءها صورة سلبية عن صاحبها، أو تفقد الجمهور ثقته به، أو تدفع خصومه إلى توحيد صفوفهم ضده. إن التأثير السريع ليس التأثير الناجح، الضجيج ليس الإقناع. الدعاية أشبه بسهم يصيب هدفه في اللحظة الأولى، ثم يرتد أثره على مطلقه عندما يكتشف الناس دوافعه وأساليبه.
الدعاية الناجحة، لا تقوم على كثرة الصراخ، إنما على فهم الجمهور واحترام عقله. تعرف لمن تتجه، ما الذي يشغله، ما اللغة التي يفهمها، ولا تستغل خوفه أو جهله بصورة مبتذلة. تعتمد على رسالة واضحة، تستخدم الأدلة حين تكون الأدلة مطلوبة، تعرف أن بناء الثقة أصعب بكثير من صناعة الإثارة. تدرك أن السمعة تبنى ببطء بينما تهدم بسرعة، أن الجمهور يغفر الخطأً في معلومة، لكنه لا يغفر اكتشافه أن من يخاطبه كان يتعمد تضليله.
مؤخرا ظهر نوع من الدعاية التي تقسم الشعب، إلى شعب طيب وشعب خطر، إلى وطنيين وخونة، إلى شرفاء وفاسدين، مع إلغاء المساحات الرمادية التي توجد فيها معظم الحقائق الإنسانية والسياسية. الخطاب الشعبوي ينجح أحيانا لأنه يخاطب المشاعر، ويقدم تفسيرا بسيطا للمشاكل، ويمنح الجمهور إحساسا بالانتماء إلى معسكر أخلاقي. تهدف الدعاية الشعبوية إلى حشد المؤيدين، وإضعاف المعارضين، إلى رفع شعبية شخص أو جماعة. غير أن خطر هذه الدعاية يبدأ عندما يتحول تبسيط الحقيقة إلى تشويه، عندما يصبح الغضب تجاه شريحة مجتمعية غاية في ذاته، عندما ينظر إلى كل من يخالف الرأي باعتباره عدوا لا مواطنا مختلفا في الرؤية.
يلجأ بعض الدعاة – المذيعين - إلى لغة السباب والإهانة لاستثارة جمهور المؤيدين ودفعهم للتفاعل، وهذه الطريقة تمنح صاحبها صورة الشخص الجريء. لكن هذا النوع من التأثير يحمل في داخله سما بطيء المفعول. حين تصبح الإهانة أسلوبا دائما، يتراجع مضمون الرسالة لحساب شخصنة الصراع، يبدأ الجمهور في تقييم المتحدث من خلال أخلاقه وأسلوبه بدلا من تقييم القضية التي يدافع عنها.
الأخطر أن السباب يحول الخصم إلى ضحية، فالإنسان الذي يتعرض للهجوم الشخصي يستطيع أن يدافع عن سياساته ومواقفه، وأن يحول الدفة إلى حوار إنساني وأخلاقي: لماذا يهينني هؤلاء؟ لماذا لا يناقشون أفكاري؟ عندها تنتقل المعركة من ميدان الحقائق إلى ميدان المشاعر، ويجد المهاجم أو المذيع نفسه، منح خصمه فرصة لكي يؤلب عليه الرأي العام.
أما الجهة التي ترعى هذا النوع من الدعاية أو تموله، فإنها تدفع ثمنا أكبر مما تتصور. الراعي لا يقيم فقط بما تقوله منصته، إنما بما يسمح لها أن تقوله وكيف تقوله. إذا رأى الجمهور أن مؤسسة إعلامية ما، تشتهر بالسباب والاتهام، فإن صورتها تتآكل تدريجيا، يتحول اسمها من مصدر للمعلومات إلى رمز للاستقطاب. عندها توصم بصفات تبقى في تاريخها وفي مصداقيتها لدى الرأي العام، ويصبح من الصعب أن تقول الحقيقة حتى في اللحظة التي تحتاج فيها إلى أن يصدقها الناس، ولن يصدقها الناس.
هذا النوع من الدعاية، يعد نوعا جديدا في مجاله، عرفنا الدعاية البيضاء المؤيدة لصاحب الصوت الدعائي، والدعاية السوداء التي توجه ضد الخصوم، والدعاية الرمادية التي تخلط بين الاثنين لدس السم في العسل، لكن هذا النوع الذي أتحدث عنه هو دعاية السباب والصراخ وشتم الناس على الهواء. وهذا بعيد عن أي دعاية مصنفة، كما أنها ليست دعاية شعبوية، فالدعاية الشعبوية أقرب الناس بتبسيط مشكلات المجتمع، لكن ليس بمبدأ، نحن مع الناس وهم ضد الناس، أو وصف فئة معينة باعتبارها الشعب الحقيقي، ونبذ الآخرين من هذا التعريف.
عندما تكون الدعاية موجهة لإرضاء جهة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية نافذة، لا تكون الرسالة موجهة إلى الجمهور وحده، بل تكون رسالتان في وقت واحد: رسالة معلنة للجمهور، ورسالة ضمنية إلى الجهة صاحبة النفوذ. يظهر ذلك في طريقة وصف الشخصيات، في تجاهل ملفات معينة، في التركيز المكثف على أخطاء الخصوم، وفي استخدام عبارات تحمل حكمًا مسبقا، لا تقديم الوقائع.
أخطر مراحل الانزلاق في هذا النوع من الدعاية، عندما يصبح رجل الدعاية مطالبا باستمرار، بأن يكون أكثر إثارة من الأمس. إذا كان السباب يجذب نوعا معين من الجمهور، يصبح السباب جزءا من المنتج، إذا كان التخوين يرفع المشاهدات، يصبح التخوين لغة معتادة، إذا كانت المبالغة في الأداء والصراخ أمام الكاميرا يزيد التفاعل، تتحول المبالغة إلى منهج. هنا لا تكتفي الدعاية بمخاطبة جمهور موجود، بل تبدأ بصناعة جمهور على صورتها، جمهور ينتظر منها الغضب والسباب والهجوم، وربما يعاقب الجمهور رجل الدعاية إذا تراجع يوما عن أسلوبه وحاول أن يكون أكثر اعتدالا.
بعد فترة يصبح هذا النوع من الدعاية أسيرا للجمهور، بقدر ما يكون الجمهور أسيرا له. الوسيلة التي تبني شعبيتها على الاستقطاب تضطر إلى المواصلة كي لا تخسر جمهورها، في هذه اللحظة تبدأ الدعاية في أكل صاحبها من الداخل. دعاية السباب ليست موقفا سياسيا، ولا دليلا على قوة الجهة التي تناصرها الدعاية، كما أن ارتفاع الصوت لا يعني ارتفاع قيمة الحجة. حين يصبح الشخص أهم من الفكرة، حين يتحول النقد إلى إهانة، تبدأ الدعاية في نقل الجمهور من التفكير في القضية إلى التفكير في الأشخاص. في هذه اللحظة قد ينجح الخطاب في جذب الانتباه، لكنه يفشل في بناء احترام طويل الأمد.
للسباب وظيفة شعبوية واضحة، يمنح الجمهور إحساسا بأن المتحدث جريء، يقول ما لا يقوله الآخرون، فهو يهين خصومه. لهذا بعض الخطابات الدعائية تجعل من السخرية والإذلال الشخصي جزءا من هويتها. هذا الانتشار قصير الأجل يحمل ثمنا باهظا، لأن الجمهور الذي تعود على الجرعة العالية من الإثارة يحتاج إلى جرعة أعلى في المرة التالية. ما كان بالأمس مثيرا يصبح اليوم عاديا، وما كان بالأمس سبابا كبيرا يصبح اليوم لغة معتادة، حتى يجد صاحب الدعاية نفسه مضطرا إلى مزيد من التصعيد لكي يحافظ على انتباه جمهوره.
هذا النوع من الدعاية يحشد جمهوره على كراهية خصم معين، كما حدث كثيرا ضد رؤساء وأمراء، لذلك يصبح التراجع عن هذا الحشد الكاره إسقاطا لشعبيته. بالتالي يخسر الثقة ويفقد شيئا لا يمكن شراؤه بسهولة، المصداقية. وأشد ما يضر المؤسسة الإعلامية أن يأتي يوم تقول فيه الحقيقة فعلا، فلا يصدقها الناس، لأن الجمهور لا يحكم على الرسالة وحدها، إنما يحكم عليها من خلال الأشخاص الذي يطلقون رسائلها.
لهذا النوع من الدعاية نماذج سابقة في دول أخرى، كانت مهمتها الأساسية نشر الرواية الرسمية وتعبئة المجتمع حول أهداف السلطة. لم يكن سؤال وسائل الدعاية تلك، ماذا يريد المواطن أن يعرف؟ بل ما الرسالة التي يجب أن تصل إلى المواطن؟ هنا يصبح الجمهور متلقيا لا شريكا في عملية الاتصال القائمة على مرسل ومستقبل. كان الهدف في تلك الدول ليس إقامة حوار مع المجتمع، إنما تشكيل وعيه وتوجيه مشاعره ومواقفه بما يخدم النظام. تحولت وقتها الصحافة والإذاعة والسينما والملصقات إلى أدوات متكاملة لصناعة رواية واحدة، وإقصاء الروايات الأخرى.
لم يكن القائم على الدعاية يسأل: هل اقتنع الناس؟ إنما يسأل: هل وصلت الرسالة؟ لا يهتم كثيرا بأن يناقشه الجمهور، يهتم بأن يسمعه الجمهور. لا يرى النقد ضرورة لتصحيح مساره، يراه تشويشا أو عداء. ليس للمواطن حق السؤال، إنما المواطن مجرد هدف اتصالي مطلوب التأثير فيه.
هذا النوع من الدعاية قد يكون فعّالًا في المدى القصير. لكنها لا تستطيع إلغاء مشكلات المجتمع. بل يزداد الانفصال بين الدعاية والواقع، ويزداد فقدان الثقة، فيبحث المواطن عن مصادر أخرى للمعلومات، حتى لو كانت غير موثوقة. أخطر نتائج هذا الأسلوب ليس أن تقول السلطة للناس: لا تتحدثوا، إنما أن تجعلهم يشعرون بأن الحديث لا جدوى منه. حين يقتنع المواطن أن صوته لن يصل، وأن الأسئلة لن تغير شيئا، يحدث نوع من الانفصال بين المجتمع ومؤسساته. أما بالنسبة للجهة الراعية، فقد يبدو هذا النظام الدعائي مريحا في البداية لأنه يمنحها إعلاما مطيعا، لكنه يتحول مع الزمن إلى عبء عليها. فالإعلام الذي اعتاد مدح السلطة يفقد القدرة على تحذيرها. والإعلامي الذي يخشى نقل الأخبار السيئة يصبح جزءا من المشكلة بدل أن يكون جهاز إنذار مبكر لها.
الإعلام الذي لا يسمع للرأي العام، يجعل السلطة نفسها صماء.
------------------------------
بقلم: رفعت رشاد






