كما أعتدت أن أقدم لكم طرح مختلف يكشف عن الهوة بين وعي الشارع ومكاشفة السلطة، لننظر من نافذه مختلف على هوة جديدة نمت في غفلة من انشغال العالم بأحداث متلاحقة حيث تتسع الهوة يوماً بعد يوم بين وجدان الشارع اللاتيني وبين موازين القوة الفعلية في عواصم صنع القرار.
بينما تواصل شعوب قارة المليون ممر وثورة ونضال طقوس تعاطفها الجارف مع القضية الفلسطينية وتحديداً في معاقل الجاليات الكبرى تعيد الحكومات الصاعدة صياغة الجغرافيا السياسية بمنطق بارد تحكمه صفقات الأمن والبراجماتية الاقتصادية والولاء لواشنطن هذا التناقض الصارخ يكشف عن فجوة عميقة بين ما يعتقده الناس وما تفرضه حقائق المصالح مرسماً مشهداً يتآكل فيه رصيد فلسطين التاريخي في فناء أمريكا اللاتينية الخلفي.
لطالما ظلت أمريكا اللاتينية تُقرأ خطأً في الوعي العربي بوصفها قلعة يسارية صلبة ومستدامة مناهضة للسياسات الإسرائيلية. غير أن زلازل السنوات الأخيرة كشفت عن هشاشة هذه الأسطورة أمام زحف اليمين الصاعد وتغير الأولويات الاستراتيجية.
في بوينس آيرس وبوغوتا قفز اليمين المتطرف الجديد إلى السلطة ليقلب الطاولة بالكامل حيث تحولت الأرجنتين بقيادة خافيير ميلي إلى رأس حربة أمني واستخباراتي لإسرائيل عبر ما يُعرف بـ "اتفاقيات إسحاق" بينما فاجأت كولومبيا برئاسة أبيلاردو دي لا إسبيريلا الجميع بالتراجع عن إرث القطيعة ذاهبة إلى أبعد نقطة دبلوماسية عبر الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان والتمهيد لنقل السفارة إلى القدس.
وفي سانتياغو عاد اليمين بقيادة خوسيه أنطونيو كاست لتطوي سنوات من الجفاء وتغلق باب المقاطعة العسكرية والتجارية.
أما في كاراكاس تآكلت خطوط العداء القديمة لمصلحة انفتاح قنصلي حذر حيث تقف البرازيل بقيادة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وحيدة في الخندق الأخير متمسكة بالملاحقات القضائية أمام محكمة العدل الدولية رغم تواضع النتائج السياسية المباشرة.
إن أخطر ما تكشفه هذه التحولات ليس فقط خسارة الدبلوماسية الفلسطينية لكتلتها الحرجة من الأصوات الأممية بل هو اتساع الفجوة بين الوجدان الشعبي والواقع السياسي. فالجاليات العربية الكبيرة والشعوب اللاتينية الحالمة بالتغيير تجد نفسها عاجزة عن كبح جماح حكومات جديدة تبيع الشعارات الأيديولوجية بثمن بخس مقابل الاندماج في المنظومة الأمنية والتكنولوجية الغربية.
تغلق أمريكا اللاتينية تدريجياً صفحة التضامن الصاخب لتفتح صفحة البراجماتية القاسية وبين وهم العاطفة الجياشة وحقائق المصالح العميقة، تجد القضية الفلسطينية نفسها أمام حتمية قاسية البحث عن أدوات اشتباك جديدة تتجاوز الخطابات العاطفية وتدرك جيداً أن السياسة لا تُبنى على نبض الشوارع وحدها بل على قسوة المصالح وتوازنات القوة.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
-----------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






