21 - 08 - 2026

٤٠ تريليون دولار من الديون.. عندما تفقد الوصفة الاقتصادية الأمريكية مصداقيتها لدى الآخرين

٤٠ تريليون دولار من الديون.. عندما تفقد الوصفة الاقتصادية الأمريكية مصداقيتها لدى الآخرين

إن تجاوز الدين الوطني للولايات المتحدة الأمريكية عتبة ٤٠ تريليون دولار لم يعد مجرد رقم ضخم في الكتب الاقتصادية؛ بل بات مؤشراً على مشكلة بنيوية في نموذج الحوكمة الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لتقرير حديث لصحيفة واشنطن بوست، فإن الدين الأمريكي سيتجاوز هذه العتبة خلال هذا الأسبوع، وذلك قبل عدة أشهر من التقديرات السابقة. وفي الوقت نفسه، تجاوزت التكلفة السنوية لفوائد الدين تريليون دولار؛ وهو رقم يقارب حجم الموازنة السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون».

هذه الأرقام تضع أمام الدول التي قدّمت، لسنوات، الوصفة الاقتصادية الأمريكية باعتبارها نموذجاً مثالياً للتنمية، سؤالاً أساسياً: إذا كان هذا النموذج قد قاد مصمميه والمدافعين عنه إلى هذا الحجم الهائل من الديون والعجز في الموازنة وتكاليف الفوائد، فلماذا ينبغي وصف الوصفة نفسها لدول أخرى، من دون مراعاة اختلافاتها التاريخية والاجتماعية والمؤسسية؟

وبالطبع، ينبغي التمييز بين «الدين» و«الإفلاس». لماذا لم تُفلس الولايات المتحدة بشكل كامل حتى الآن، رغم هذا الدين الذي لا يمكن تصوره؟

يمتلك الاقتصاد الأمريكي، بفضل مكانة الدولار، وعمق أسواق رأس المال، والقدرة الضريبية، والدور العالمي للخزانة الأمريكية، قدرات لا تمتلكها كثير من الدول. وقد فرض الأمريكيون، عبر ممارسات اقتصادية ملتوية، تضخمهم على الأسواق العالمية، وقاموا بتوزيع هذه الكلفة وتحميلها للآخرين. لكن، مع ذلك، هناك مسألة أكثر أهمية، وهي مسار الدين وبنيته: فعندما يرتفع الدين بوتيرة تتجاوز التوقعات، ويظل عجز الموازنة مرتفعاً جداً، وتلتهم تكلفة الفوائد جزءاً متزايداً من إيرادات الحكومة، فإن ذلك لم يعد مجرد رقم، بل يصبح تحذيراً جدياً بشأن الاستدامة المالية.

حتى سوق سندات الخزانة الأمريكية لا يتعامل مع هذا الوضع بلا مبالاة. ففي الأيام الأخيرة، وصلت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات، كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يفرض مزيداً من الضغوط على الحكومة والشركات والأسر.

وفي مثل هذه الظروف، ينبغي الحديث بصراحة أيضاً عن خطأ نظري في السياسات الاقتصادية الإيرانية.

خلال العقود الأربعة الماضية، تشكل تيار بين بعض الخبراء الاقتصاديين في إيران، قدّم الخصخصة القصوى، وتقليص حجم الدولة، والاتباع الواسع لمنطق الرأسمالية باعتبارها المسار الرئيسي لإصلاح الاقتصاد. وفي هذا التصور، يبدو وكأن زيادة حصة السوق وتقليص دور الدولة سيقودان الاقتصاد تلقائياً إلى مزيد من العدالة. وهذه المقولة تحتاج إلى نقد جاد.

فالعدالة الاقتصادية في الفكر الإسلامي ليست مرادفاً للرأسمالية، كما أن الخصخصة لا تساوي، بحد ذاتها، العدالة. ففي المنطق الإسلامي، تُعترف الملكية الخاصة، لكن الملكية والإنتاج والثروة تُعرَّف ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية، ومنع الظلم، والحيلولة دون الاحتكار، والحفاظ على المصالح العامة. فالعدالة لا تعني فقط أن تنسحب الدولة ويقرر السوق؛ بل تعني أن تُصمَّم البنية الاقتصادية بطريقة تحول دون احتكار القوة والثروة والفرص الاقتصادية من قبل مجموعة محدودة.

يمكن للسوق أن يكون محركاً للإنتاج والمنافسة والابتكار؛ لكن السوق من دون تنظيم، وسياسات لمكافحة الاحتكار، وسياسات اجتماعية، ورقابة فعالة، لا ينتج العدالة بالضرورة. وكما أن الدولة الكبيرة وغير الكفؤة لا تعني بالضرورة توسيع نطاق العدالة.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تكون القضية الأساسية في الاقتصاد الإيراني هي الاختيار التبسيطي بين «الدولة» و«السوق»؛ بل ينبغي البحث عن نموذج للحوكمة الاقتصادية يتناسب مع المبادئ الإسلامية، والقدرات الوطنية، وحقائق الاقتصاد العالمي.

إذا كان من المفترض أن نتعلم من التجربة الأمريكية، فعلينا أن ننتبه إلى أن الاقتصاد الأمريكي، رغم امتلاكه أكبر سوق لرأس المال في العالم، والدولار بوصفه عملة احتياط دولية، وقوة اقتصادية هائلة، يواجه اليوم ديوناً تقترب من ٤٠ تريليون دولار (أربعين ألف مليار دولار)، وتكلفة فوائد تتجاوز تريليون دولار.

وعليه، لماذا ينبغي وصف النموذج الاقتصادي لمثل هذه البنية لإيران من دون نقد أو تكييف محلي؟

المسألة، بالطبع، ليست رفض الاستثمار الخاص أو الملكية الخاصة بشكل كامل؛ بل رفض النسخ الأيديولوجي لنموذج اقتصادي معين. إن إيران بحاجة إلى اقتصاد يتم فيه تعزيز القطاع الخاص الحقيقي والمنتج، وتبتعد الدولة عن إدارة الشركات غير الضرورية، ولكن في الوقت نفسه لا تتراجع الدولة عن التنظيم، وصياغة السياسات، وتأمين العدالة الاجتماعية، وحماية المصالح العامة.

والأكثر مرارة أن جزءاً مهماً من الإدارة الاقتصادية للبلاد خلال العقود الماضية تأثر بهذه الرؤى المحدودة والسائدة؛ في حين أن استمرار مشكلات مثل التضخم، وانخفاض القدرة الشرائية، وضعف الإنتاجية، والخصخصة الإشكالية، والاحتكار، وعدم المساواة، يبيّن أن الوصفات المتكررة لا تنتج بالضرورة نتائج مختلفة.

اليوم، نحن بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة جادة: لا اقتصاد حكومي غير كفؤ، ولا رأسمالية منفلتة؛ بل اقتصاد منتج، قائم على العدالة، ومناهض للاحتكار، ومستند إلى القدرات الداخلية.

فالاقتصاد الذي يريد أن يصف وصفة لإيران، عليه أولاً أن يجيب عن سؤال: هل هدف الاقتصاد هو مجرد زيادة الثروة، أم بناء مجتمع يتمتع بالثروة والفرص والعدالة؟

ولعل الأهم من ذلك كله، أن تجربة الـ٤٠ تريليون دولار الأمريكية تمثل تحذيراً واضحاً: لا ينبغي لأي دولة أن تعتبر النموذج الاقتصادي لدولة أخرى مقدساً وغير قابل للنقد، لمجرد أنها تمتلك قوة سياسية واقتصادية.

إن الوصفة الاقتصادية لأي دولة ينبغي أن تكون قابلة للتقييم أيضاً في ميزان أداء تلك الدولة نفسها؛ وميزان الأداء الأمريكي اليوم، على الأقل في مجال الدين والعجز المالي، ليس شيئاً يمكن وصفه للآخرين من دون نقد.
------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
كاتب صحفي وأكاديمي ـ إيران

مقالات اخرى للكاتب

٤٠ تريليون دولار من الديون.. عندما تفقد الوصفة الاقتصادية الأمريكية مصداقيتها لدى الآخرين