19 - 08 - 2026

مدينة ترفيهية قرب الأهرام؟؟!! حضارة مصر في خطر

مدينة ترفيهية قرب الأهرام؟؟!! حضارة مصر في خطر

نداء إلي السيد رئيس الجمهورية

الحكومة المصرية تعلن عن تأسيس شركة "نيفيرا مصر" كمطور عام لطرح ٨ آلاف فدان لإنشاء مدينة ترفيهية وسياحية بالقرب من الأهرامات.!!

إن صح ذلك الأمر فأقم علي الأهرامات وحضارة مصر الفرعونية بمنطقة الجيرة مأتمًا وعويلاً.

إن القيام بمثل هكذا أفعال دون الرجوع للدراسات العلمية والبحثية ودون الرجوع لأولي الأمر من المختصين في علوم  الجيولوجيا و كيمياء التربة والبيئة وعلماء الآثار، يُعد خطأً فادحاً، ربما ستدفع الدولة المصرية ثمنه حتي قيام الساعة.

فقد انتبهت للخبر و استوقفتني عبارة "مدينة سياحية بجوار الأهرمات".

أثناء دراستي للتربة الجيرية لأجل نيل درجة الدكتوراة والعوامل المؤثرة عليها وخصائصها الهشة جداً، ومن أهمها انها تربة كلسية تحتوي علي Calcium carbonate بنسب عالية جداً، وغالباً ما تكون تربة قلوية PH 7--9 تقريباً.

ساقتني تلك الرحلة البحثية لقراءة موضوعات بحثية غزيرة ذا صلة بموضوع دراستي المنصب علي إستخلاص العناصر الأرضية النادرة Rare Earth Elements (REEs) والعناصر النووية (اليورانيوم والثوريوم U, Th) من خام الفوسفات.  ومما قرأته، أربعة أبحاث علمية مستفيضة عن تربة منطقة أهرامات الجيزة وقد توصلت الدراسات البحثية لما يلي:

- تُعتبر منطقة هضبة الجيزة واحدة من أهم المواقع الأثرية في العالم، إذ تحتضن تراثًا إنسانيًا فريدًا يتمثل في الأهرامات وتمثال أبو الهول والمقابر المزخرفة المحيطة بها.

وبالرغم من الجهود المستمرة في الترميم والحماية، ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في إقامة حفلات صاخبة وعروض ضوئية وألعاب نارية ورحلات ضجيجية في محيط المنطقة الأثرية، مما أثار تساؤلات علمية حول مدى تأثير هذه الأنشطة على استقرار الآثار وسلامة مكوناتها الحجرية واللونية.

أولًا: آليات التلف الناتجة عن الحفلات الصاخبة والألعاب النارية:-

١. الجسيمات السامة والملوثات المعدنية: Toxic Particles and Metallic Contaminants : تطلق الألعاب النارية جسيمات دقيقة وغازات محملة بعناصر ثقيلة مثل الباريوم والنحاس والرصاص، تترسب على الأسطح الحجرية والألوان الجدارية، مسببة تغير لونها وتكوّن قشورا ملحية سوداء أو رمادية يصعب تنظيفها دون إتلاف الطبقات الأصلية.

٢. الإنبعاثات الناتجة عن التفاعلات الكيميائية: Chemical Reactions Emissions

تتفاعل أكاسيد الكبريت والنيتروجين المنبعثة من المفرقعات مع كربونات الكالسيوم المكوِّنة للأحجار الجيرية، مما يؤدي إلى تكوين أملاح الكبريتات والنترات، وهي مركبات قابلة للذوبان تسبب تآكل السطح وتقشّر النقوش والرسومات.

٣. الصدمة الحرارية: Thermal Shock Effects

اللهب والانفجارات ينتج عنهما ارتفاع حراري مفاجئ يتبعه انخفاض سريع، مما يؤدي إلى تمدد وانكماش متكرر لسطح الحجر، وهو ما يسبب تشققًا دقيقًا في الطبقات الخارجية، خاصة في الأجزاء الدقيقة لتمثال أبو الهول ومداخل المقابر.

٤. الاهتزازات الصوتية والهيكلية:  Acoustic and structural vibrations

مكبرات الصوت الضخمة والذبذبات الناتجة عن الانفجارات تؤدي إلى اهتزازات دقيقة تنتقل عبر طبقات التربة إلى كتل الأحجار، مسببة انفصالًا مجهريًا في البنية البلورية، وهي ظاهرة خطيرة على الأسطح التي تحتوي على شروخ قديمة.

٥. الإضاءة الشديدة (الهالوجين والليزر) High-Intensity Lighting (halogen and laser) and its Impact on Limestone Rocks : تعرض الأسطح الحجرية والألوان العضوية لإضاءة قوية ومستمرة يؤدي إلى تلاشي الأصباغ بفعل التحلل الضوئي، إضافة إلى رفع درجة حرارة السطح بشكل موضعي مما يُضعف طبقة الجصّ الحاملة للألوان.

ثانيًا: المخاطر على المقابر والألوان الجدارية:-

تُعد مقابر هضبة الجيزة بمثابة متاحف مفتوحة تضم زخارف جدارية دقيقة رسمت بألوان عضوية ومعدنية حساسة جدًا للعوامل البيئية.

إن تراكم الكربون الأسود Balck Carbon أو ما يسمي ضمنياً بـ (السخام) الناتج عن الألعاب النارية يؤدي إلى اسوداد الألوان وفقدان التدرج اللوني الأصلي، بينما تسهم الرطوبة المصاحبة للملوثات في تكوين طبقات ملحية جديدة تسبب انفصال الألوان وتقشّرها مع الزمن. كما أن الإضاءة القوية تسرّع من عملية البهتان الضوئي للأصباغ القديمة، مما يُفقد الرسومات قيمتها الجمالية والتاريخية.

وقد استجاب الرئيس مبارك في بداية التسعينات لطلب مجموعة من العلماء والمرممين الآثريين لنقل تدريبات الرماية النارية من نادي الرماية المجاور لهضبة الأهرامات، التي كانت  تُجرى باستخدام أسلحة ثقيلة مُحدِثة موجات تصادمية واهتزازات أرضية متكررة، مما أثار قلق الخبراء واللجان الأثرية والهندسية والجيولوجية في ذلك الوقت بشأن تأثيرها على استقرار الكتلة الحجرية لتمثال أبو الهول والأهرامات.

وأظهرت الدراسات الهندسية والأثرية المتخصصة التي أُجريت على الأحجار الجيرية المكوِّنة لهضبة الهرم أن هذه الصخور ذات طبيعة مسامية دقيقة، تتأثر سلبًا بالترددات العالية والذبذبات المستمرة، ما قد يؤدي إلى تفككها المجهري وتوسع الشروخ القديمة أو نشوء أخرى جديدة بمرور الزمن.

وبناءً على تلك النتائج العلمية، لم يتردد الرئيس مبارك وأصدر قرارًا بنقل تدريبات الرماية إلى موقع أكثر بُعدًا عن نطاق المنطقة الأثرية حفاظًا على استقرار الأحجار وضمانًا لاستمرار توازنها الطبيعي دون إجهادات إضافية.

فكيف بحكومة الدكتور مدبولي أن تطرح مدينة سياحية بالقرب من منطقة الأهرامات، ولم يتطرق أحد لدراسة الأثر البيئي والهندسي لأعمال الحفر والاهتزازات الناتجة عن عملية الإنشاءات لتقوم بعد ذلك مدينة سياحية بصخبها وحركتها وحفلاتها، تلك التي تسبب أضررًا بالغة السوء للآثار التاريخية وحضارة صمدت آلاف السنين.
---------------------------------
بقلم: 
د. أحمد عبد العزيز بكير

مراجع أساسية تُحيل للمصادر العلمية والبحثية التي تم الاستناد عليها في كتابة المقال.

Hickey, C. et al., Toxicity of particles emitted by fireworks, Environmental Research (PMC).

BYU study on fireworks air quality (summary).

Vidović, K., Impact of air pollution on outdoor cultural heritage objects, PubMed review (2022).

Preusser et al., GCI/EAO Environmental Monitoring Program at the Great Sphinx of Giza

Getty Conservation Institute / Technical bulletins on light and stone conservation; Stone Conservation: An Overview of Current Research.

مقالات اخرى للكاتب

مدينة ترفيهية قرب الأهرام؟؟!! حضارة مصر في خطر