ستبقى قضية مياه النيل والتوسعات الإثيوبية في أطماعها فيه على حساب دول المصب (مصر والسودان)، محل نزاع والباب الواسع لمشروعات السيطرة على كل قطرة مياه تصل إلى مصر والسودان، طالما تم التعامل مع القضية بنفس الأسلوب الذي اتسم به موقف القاهرة والخرطوم بضبط النفس، في وقت تستغل فيه أديس أبابا كل ثانية لفرض المزيد من السيطرة على حياة المصريين والسودانيين المائية.
إعلان اثيوبيا عن خطة لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق ليس مفاجأة لأحد، وحتما تعلم به كل الجهات والخبراء في كلا دولتي المصب، فهناك حديث لم ينقطع عن هذه المشروعات منذ سنوات طويلة، بل دخلت على الخط إسرائيل التي يهمها دخول مصر في نزاع مع أي دول أخرى، لإبعادها عن دورها الإقليمي في القضايا الراهنة على مستوى الشرق الأوسط.
مؤكد أن مصالح تل أبيب وأديس أبابا تتلاقى في استمرار تنفيذ إثيوبيا لأطماعها في مياه النيل، حتى لو وصل الأمر إلى منع قطرة مياه إلى الأراضي المصرية، ومن هنا يتأكد أن قضية مياه النيل هي قضية حياة وموت بالنسبة لمصر، ومسؤولية تاريخية على أي نظام وحكومات في مصر، وسيحاسب التاريخ كل تقصير يتم في قضية حقوق أجيال قادمة في أي تفريط أو تهاون في حقوق مصر المائية.
واثيوبيا أعلنت مؤخراً عن مخطط لبناء مزيد من سدود الطاقة الكهرومائية والري لتسريع التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع إنتاج الكهرباء، وتقوية الدور الريادي للبلاد في مجال التكامل الإقليمي من خلال الربط الكهربائي العابر للحدود.
ولم يكن هذا بجديد، فمنصة "ناتسيف" الإسرائيلية كشف قبل أسابيع عن أن اثيوبيا تعتزم تنفيذ مشروعات سدود جديدة في المجرى الأعلى لنهر النيل الأزرق، وستضم سدود "ماندويا" و"كرادوبي" و"بيكو آبو"، وجميعها تقع في مناطق أعلى من موقع سد النهضة.
وموقع هذه السدود الجديدة يؤكد أنها مشروعات مكملة لسد النهضة الذي دخل بكامل مراحله العمل بكامل طاقته، ومن طرف واحد، وسط تجاهل اثيوبي تام لكل المطالب المصرية والسودانية، دون الالتفات لأي مخاوف من القاهرة والخرطوم، بشان حقوقهما المائية في النيل.
الخطر الجديد في مشروعات أديس أبابا الجديدة، جاء فيما قالته منصة "ناتسيف" الإسرائيلية، في أواخر يوليو الماضي أن السدود الجديدة ستمنح أديس أبابا سيطرة غير مسبوقة على تدفق مياه النيل الأزرق، الذي يُسهم بنحو 59% إلى 68% من مياه نهر النيل، الذي تعتمد عليه مصر لتغطية نحو 97% من احتياجاتها المائية.
وإثيوبيا لم تتورع في الإعلان عن أطماعها المستمرة في مياه النيل، فسبق أن أعلنت الحكومة الإثيوبية عبر وكالتها الرسمية للأنباء ونقله موقع "أفريكا إنتليجنس" عن مخطط لرفع طاقتها التخزينية إلى 224 مليار متر مكعب، من خلال إنشاء 3 سدود جديدة، سعتها المستهدفة نحو 140 مليار متر مكعب، وهو ما يقارب ضعف سعة سد النهضة، والتي تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب.
يضاف إلى ذلك ووفق تحليل خبراء من بينهم الخبير المائي والغذائي الدكتور نادر نور الدين أن من بين أهداف المشروعات الإثيوبية، إطالة عمر سد النهضة من 70 إلى 200 سنة، من خلال الحد من تدفق طمي النيل إلى السد والتي تصل إلى 136.5 مليون طن طمي تأتي من النيل الأزرق، وتتدفق إلى بحيرة السد.
فكرة ضبط النفس مع اثيوبيا لم يعد لها مجال لأنها توظف كل دقيقة في تشييد مشروعاتها المائية، وهو ما شهدناه على مدى الـ15 عاما الأخيرة، ومع بدء أحدث ثورة 25 يناير 2011، ولم تتوقف للحظة في استكمال بناء سد النهضة، حتى أصبح واقعا على الأرض ودخل مرحلة الإلزام لمصر والسودان، في وقت مازالتا تعولان على التفاوض الدبلوماسي، بينما إثيوبيا تسير في سياسة فرض الأمر الواقع.
صحيح أن مصر أعلنت رفضها للمشروعات الإثيوبية وهو ما قاله الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري "إن مصر لن تسمح لإثيوبيا ببناء سدود جديدة على نهر النيل"، إلا أن الهجوم الإثيوبي، انطلق إعلامياً من اللحظة الأولى مستهدفاً مصر، التي أكدت وتؤكد تخوفاتها من تأثر حصتها المائية "55.5 مليار متر مكعب"، من مياه النيل، والهجوم الإثيوبي هدفه مد الجدل عقد أخر من الزمان حتى تنتهي اثيوبيا من مشروعاتها الجديدة، لاستمرار أزمة سد النهضة بين البلدين التي بدأت منذ نحو عقد ونصف.
ومن المهم قراءة ومواجهة الموقف الإثيوبي مبكراً، فالهجوم اتخذ نفس المواقف السابقة، مدعياً أن الرفض المصري لمشروعات أديس أبابا، هو تصعيد كبير في الخطاب المصري، ويهدف إلى تقييد حق الدولة الإثيوبية الواقعة على المنبع في تنفيذ مشروعات التنمية داخل أراضيها.
ومن المهم إدراك ما تحمله المواقف الإثيوبية من مخاطر، فقد دعا مراقبون اثيوبيون إلى المضي قدماً ونفعل ما فعلناه مع سد النهضة الإثيوبي الكبير، والمضي قدماً في بناء مزيد من السدود، والسيادة والاستخدام الشامل للمياه وحق الدول الإثيوبية في تحقيق التنمية المستدامة، وتحقيق طموحات إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية.
-------------------------------
بقلم: محمود الحضري






