19 - 08 - 2026

طفرة في ترجمة الأدب العربي ولكن

طفرة في ترجمة الأدب العربي ولكن

طفرة ولكن. هذا ما يمكن التعليق به سريعاً على ما تشهده حركة ترجمة الأدب العربي الراهنة، والتي تجلى أحدث حلقاتها في مبادرة "أصوات عربية" التي أطلقت دار العربي" للنشر في القاهرة دورتها الثانية قبل أيام بشراكة مع الإتحاد الأوروبي. ويبدو أن الحكم على هذه المبادرة والدور الذي يمكن أن تلعبه في التعريف بالأدب العربي المعاصر لا يزال يحتاج إلى المزيد من الوقت، مع ملاحظة أن من شملتهم قائمة الترشيح التي أطلقتها مبادرة "أصوات عربية" في دورتها الثانية، بدوا متفائلين بها ومرحبين باختيار أعمالهم لتكون تحت أعين الناشرين في أوروبا، على أمل أن تحظى بالترجمة إلى لغة أو أكثر، ما يفتح الباب أمام انتشارهم خارج دائرة لغة الضاد على اتساعها. وأنا شخصياً أجد في هذه المبادرة نافذة أمل في اتجاه مزيد من الحضور لأدب العربية المعاصر على مستوى العالم، ولنا في نجيب محفوظ نموذجاً ساطعاً، فبفضل ترجمة أدبه، خصوصا إلى الإنجليزية والفرنسية، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1988. والأمل ليس في هذه المبادرة وحدها، فهناك مؤسسات في السعودية والإمارات وقطر ومصر تعمل بجد في السنوات الأخيرة على ترجمة الأدب العربي إلى لغات مختلفة، بعدما قطعنا شوطا معتبرا في نقل آداب من لغات مختلفة إلى لغتنا العربية.

نقول طفرة ولكن في ضوء أن الأمور في هذا المجال لم تصل بعد إلى ما نطمح إليه. فمثلا عندما تحدثت مع الروائي المصري المقيم في لندن شادي لويس عقب فوز  ترجمة روايته "على خط جرينتش" مؤخراً بجائزة جيمس تيت بلاك البريطانية، وجدته أقرب إلى الإحباط منه إلى الزهو. وشعوره هذا لا يخص تجربته الشخصية فحسب، وإنما يخص مجمل الجهود المبذولة لترجمة الأدب العربي والتي لا تزال ذات طابع فردي أكثر منها ذات طابع مؤسساتي. الرواية ترجمتها كاثرين هولز لدار "بيرين" وفازت الترجمة بالجائزة بعد منافسة مع 500 عمل. يقول شادي لويس: "هناك في السنوات العشرين الأخيرة طفرة فيما يمكن تسميته "أدب العالم" في الغرب، ترتبط بصعود مفاهيم مثل تفكيك المركزية الغربية، ومن خلالها يفترض أن تتيح دور النشر اختيارات أكثر تنوعاً للجمهور. فيستطيع القارئ أن يشتري رواية من تايوان أو ديوان شعر من فلسطين أو مذكرات من جنوب أفريقيا وهكذا. ولذلك هناك رواج نسبي في حركة الترجمة من العربية للغات الأوروبية وغيرها. لكنه حراك محدود جداً، ومرتبط بالأحداث السياسية. فمثلاً بسبب الإبادة في غزة أصبح هناك اهتمام بترجمة ونشر الأدب الفلسطيني هذه الأيام. لكن تظل الطبعات محدودة إذ أنها لا تزيد عادة عن 300 نسخة. الاستثناء الوحيد في الأدب المصري المعاصر هو روايات علاء الاسواني. وهكذا يتحرك الأدب العربي المترجم في هامش ضيق جداً من جمهور خاص. أما بخصوص الترجمات التي تفوز بجوائز فهي تأتي في سياق الاهتمام بموضوعات الجندر والمثلية الجنسية وقضايا الحرب، وأدب السجون. هناك بالمناسبة رواج لترجمة أدب السجون المصري هذه الأيام. وبالنسبة إلى فوز جوخة الحارثي فهو الاستثناء الذي لا ينفي القاعدة، وقد جاء أيضاً في إطار أدب القضايا، باعتبار أن موضوع رواية "سيدات القمر هو النساء في بيئة معينة. وبالنسبة إلى مبادرة "أصوات عربية"، أقول إن دور النشر الغربية لا تعمل وفق ما تتصوره تلك المبادرة، وبالتالي لا أعتقد أنها ستحقق اختراقاً ملحوظاً. دور النشر يبحث عنها المترجم أو الوكيل، وليس العكس. أعني أنه لا توجد دار نشر تبحث عن كتاب لتنشره. وأرى أن المؤسسات العربية يمكن أن تدخل في شراكات مع مؤسسات مماثلة في اللغات الأخرى. وهذا بالتأكيد مفيد. مشكلة الترجمة من العربية أنه لا يوجد مبادرات عربية لدعم هذه الترجمات. يعني مثلاً لو أن دار نشر بريطانية تريد أن تترجم كتاباً من الدنمارك ستجد دعماً يغطي كلفة الترجمة وبعض مصاريف النشر من مؤسسات دنماركية. ولو أن الدار نفسها فكرت في أن تترجم كتاباً عربياً لن تجد أي منحٍ من مؤسسات عربية. وبالتالي تقضل دار النشر كتاباً دنماركياً متواضعاً على كتاب من أمهات الكتب العربية. 

السردية الكبرى

وفي السياق ذاته رأى الناقد والشاعر المصري حاتم الجوهري أن الأدب العربي هو جزء من السردية الكبرى للذات العربية، ونقل هذا الجزء للآخر عبر الترجمة للقيام بعملية المثاقفة والتأثير فيه، ليس مجرد إجراء لغوي لنقل المعني. وقال الجوهري إن أزمة الأدب العربي ليست ذاتية بقدر ما هي أزمة في السردية الكبرى والصورة النمطية الجاهزة عند الآخر، الذي يريد أن ينتقي ما يناسبها فقط دون سواه. وتتمدد الأزمة في أن مسارات الدبلوماسية الثقافية الغربية استثمرت في حالة الهشاشة العربية، واستقطبت العديد من الأسماء التي انتظمت في تمثلات أدبية وثقافية، ومارست بعض أنواع الترجمة والنقل عن العربية بما يؤكد الصورة النمطية للذات العربية عن الآخر الغربي. وقال صاحب كتاب "دفاعا عن القدس وهوية الذات العربية" إنه يمكن التحدث عن بعض الإجراءات التي قد تحسن من حضور الأدب العربي عالمياً، "لكن جوهر الأمر هو أننا في حاجة لسردية ثقافية كبرى تعيد إنتاج الذات العربية وتقديمها للعالم، وفق "مشترك ثقافي" وحد أدنى تجتمع عليه الشعوب العربية دون مزايدات سياسية. وأضاف: "إذا استطعت أن تخلق هذا المثال/ السردية الجديدة والنموذج الجديد سوف يسعى العالم إلى التعلم منك، والرغبة في التعرف الحقيقي عليك، وسوف تستطيع أن تقيم شراكات وتبادلات ثقافية حقيقة تنتج فعلاً جاداً للمثاقفة وبناء عالم متعدد الثقافات بالفعل، لا عالم يقوم على وجود ثقافة مركزية واحدة تريد الهيمنة على كل الجغرافيا والسرديات". وذكر في هذا الإطار أن هناك  مشاريع أدبية عربية فردية جيدة، لكنها لا تلبي مواصفات الصورة النمطية الغربية ووكلائها، فيتم تهميشها ولا تظهر، "نجاحك ليس في مجرد الحضور بل في الحضور النوعي، عبر أدب يحمل صورة حقيقة للذات العربية، ليست صورة مصمتة ووردية، لكن صورة حقيقية لتدافعات الحلم والأمل والانكسار، والإصرار على الحياة رغم كل التحديات". واختتم بالقول: "نحن في حاجة إلى سياسة ثقافية وسردية أو نظرية ثقافية جديدة، تيسر من ضمن ما تيسر ترجمة الأدب العربي للآخر. ليست سياسة ثقافية مستقلة للترجمة للآخر، بقدر ما هي سياسة ثقافية عامة تعيد إنتاج الذات العربية وتجددها، وفي هذا السياق تحمل معها عملية ترجمة الأدب العربي للآخر".

أما الشاعر والروائي الكردي السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي فرأى أن  مبادرات كالتي أطلقتها دار «العربي» يفترض بها أن تولي القيمة الأدبيّة العالية للعمل المعروض للترجمة، وأن تكون بعيدة عن فيروسات العلاقات الشخصيّة والعامّة التي من شأنها تمرير عمل متواضع أو رديء على حساب أعمال مهمّة أخرى. وأعتقد أن دار «العربي» ومديرها حريصان على تقديم أعمال جيّدة وتستحقّ الترجمة. وعليه، فإن ترجمة عمل أدبي لا تعني بالضرورة الوصول إلى العالميّة؛  وربّما تكون السلّمة أو الخطوة الأولى في هذا المسعى. وأضاف: "في مطلق الأحوال، مبادرة «دار العربي» في غاية الأهميّة. وعلى دور النشر الأخرى أيضًا البحث عن منافذ وموارد دعم مشاريع الترجمة لديها". 

عقدة الخواجة

وقال الروائي والإعلامي الجزائري عبد الرزاق بوكبة: كنا أمة وثقافة محدودتين، فلم يعرفنا العالم ولم نعرفه إلا بعد أن وضعنا آلياتٍ لترجمة خيراتنا الفكرية والأدبية للآخر، وترجمة خيراته إلينا، فانتعش وجودنا الحضاري بترجمتنا له. الفلسفة اليونانية نموذجاً، في مطالع نهضتنا. وانتعش وجوده لاحقاً بترجمته لفكرنا، ابن رشد نموذجاً. 

وأضاف: "أي أن الترجمة بصفتها فعلَ تبادلٍ وحوار وتسويق، كانت هي مفتاح انتقالنا من مقام "المحلي" إلى مقام "الكوني"، فكلما رعيناها واهتممنا بها، صارت لنا أقدام وعيون، في مضمار شركائنا في الفضاء والعطاء، وكلما غفلنا عنها انحسر حضورنا وتأثيرنا. بل إن المركزية الغربية، مهَّدت لاحتلال البلاد العربية، في القرن التاسع عشر، بأن عملت على ترجمة كثير مما يتعلق بمدونتنا الفكرية والأدبية، من خلال حركة "الاستشراق"، فاستمرت الترجمة في التعريف بنا، بغض النظر عن النوايا" ولاحظ بوكبة أن الخطأ الذي اقترفناه، بعد الاستقلالات الوطنية العربية، في النصف الثاني من القرن العشرين، هو أننا لم نستغل تعلم أجيالنا الجديدة للغات الغربية، الفرنسية والإنكليزية تحديداً، واعتمادها بصفتها لغات تعليم، في خلق حركة ترجمة لمدوناتنا الفكرية والإبداعية إلى هذه اللغات، حتى نعرّف بأنفسنا، بعد حركة طمس وتشويه لملامحنا الحضارية، واكتفينا بتعاطي هذه اللغات لذاتها، فكانت أدوات استلاب لا أدوات تسويق، استمراراً لعقدة الخواجة التي ورثناها عن الاحتلالات المختلفة. وقال مختتماً حديثه معي: "لقد غرقنا كثيرا في بحيرة الاستهلاك لكل ما هو غربي، بفعل عقدة نقصنا وعقدة تفوفهم، ومن ثمار ذلك غفلتنا عن ترجمة ما نكتب إلى اللغات الغربية. إن الأمر لا يتعلق فقط بتقصيرنا في مجال التوجه إلى الفضاء الغربي، من خلال الترجمة، بل يشمل أيضا حضورنا الإعلامي، فعدد القنوات الفضائية والمجلات والجرائد والمواقع العربية الناطقة باللغات الغربية قليل جداً، ومعظم ما هو موجود قليل الجودة والقدرة على التأثير".
-----------------------------
بقلم: علي عطا