بداية إنه الفكر الدينى وليس الخطاب الدينى. فالخطاب هو الأسلوب والطريقة والإخراج الذى يتم عن طريقه بث الفكر. أما الفكر فهو الذى يحمل رؤية ومنهج الطائفة أو المذهب أو الجماعة التى من خلال بث هذا الفكر تريد تشكيل الفكر والوعى الدينى. ذلك الفكر والوعى الذى يختلف من طائفة لأخرى ومن جماعة عن جماعة أخرى، فيصبح هذا الفكر هو صحيح العقيدة دون أى فكر آخر. مع العلم أن هذه التعددية الفكرية تعتمد على وحدانية النص فى كل الأديان! فنجد الفكر الدينى السنى غير الشيعى والأرثوذكسى غير الكاثوليكى والبروتستانتى، بالرغم من أن القرآن واحد والإنجيل واحد! كما أن ما أقصده من الفكر الدينى هو الفكر الدينى الاسلامى والمسيحي على اعتبار أن كلا منهما يشكل وعي وعقل ووجدان وعواطف كل منتمي للإسلام أو المسيحية وكلاهما هما الشعب المصرى أى المجتمع المصرى بكل مكوناته، أى أن هذا الفكر وذلك الفكر هما المؤثرات الرئيسيان فى تشكيل الفكر الدينى المصرى، ذلك الفكر الذى يؤثر ويقود مجمل نواحى الحياة المصرية نتيجة لفائض العاطفة الدينية لدى كل المصريين. فعندما يكون المكون الرئيسى للفكر الدينى هنا وهنا يعتمد ليس على تأكيد صحيح العقيدة للمسلم والمسيحي، بل يعتمد على رفض الآخر وتكفيره فيتحول هذا الفكر إلى تكريس وتأكيد الصراع الدينى والفرقة الاجتماعية والتفكك الوطنى!
هنا يصبح الفكر الدينى الصحيح عاملا مهما فى تشكيل عقول تدرك وتعى المقاصد العليا للأديان التى تعلى الإنسان والقيم الإنسانية وتقبل الآخر وتعتمد على العقل لا النقل وتتبنى المنهج العلمى فى التفكير. فيتقدم الوطن وطن كل المصريين. ولكن الإشكالية بكل وضوح هى إصرار المؤسسات الدينية على الحماية وعلى الحفاظ على الموروث ليس الدينى فقط بل هناك موروثات اجتماعية وثقافية وعادات وتقاليد تم خلطها بصحيح الدين، فأسقط على هذا الموروث تلك القداسة التى هى للدين وللنص الدينى!
وذلك الاصرار على التمسك بكل الموروث وليس ماهو صحيح فيه وكل ما يتناسب مع الواقع المعاش، تصورا منهم أن هذا التمسك هو الحفاظ على تلك المؤسسات وتخيلا أن أى تصحيح لهذا الموروث سيهز كيان المؤسسة ورجالاتها! أى الحفاظ على المؤسسة هو الأهم! أما الإشكالية الأهم هى الوصول إلى تشكيل الفكر والوعى الجمعى الدينى هنا وهنا الى التسليم المطلق بأتباع المنهج النقلى الذى اعتمد على تقديس كل ما يقال ويعلن من المؤسسة بأنه الحق المطلق الذى لا يحتاج إلى نقاش أو الى تفعيل العقل فلا تفعيل العقل مع المقدس تصورا ان هذا الفكر الموروث هو قمة العقل وأبو الحقيقية المطلقة. فهل فى صالح الفكر الصحيح الرجوع الى أقوال وأحكام وفتاوى ترجع إلى مئات وآلاف السنين من اقوال الفقهاء والقديسين الأوائل للكنيسة؟ مع العلم أن هذا لا يعنى التقليل من هؤلاء أو أقوالهم أو فتاواهم ولكن هذه الأقوال والفتاوى كانت بنت زمانها ومكانها وظروفها المرتبطة بالمعطيات الحياتية والاجتماعية والتاريخية التى لا علاقة لها الآن بالواقع المعاش. وهذا ايضا لا علاقة له بثوابت الدين الأساسية التى هى صلب أى عقيدة دينية. هنا لانجد دورا لا للتعليم ولا للإعلام ولا للمنظمات الأهلية فى هذا المجال. ولكن نجد أن سلاح التكفير والهرطقة يشهر فورا أمام أى رؤية أو فكر يناقش أو يفعل العقل!! وهذا لا يصب فى صالح صحيح الدين ولا ينتج فكرا دينيا صحيحا يتوافق مع المقاصد العليا للأديان وليس فى صالح الوطن. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.
----------------------------
بقلم: جمال أسعد






