أوضاع مزرية نعيشها نحن المصريين، رغم أننا منهكون في دفع رسوم خدمات لانحصل عليها أبدا.. خدمات من دون جودة ، وإذا حصلنا عليها فنحصل عليها بشق الأنفس، ولا يوجد هناك متابعة من آي مسؤول أو متخصص.. تقع المعاناة في نطاق اختصاصه.. أصبحت المعاناة حالة مستديمة.. لا يعالجها سيستم إنترنت.. "فالسيستم دايما واقع .. ولا يعالجها فكر، لأن الأفكار غالبا عتيقة وتنبع من ماضي سحيق، أصبح الناس فيه معتادون على التصرفات القديمة.. لا أفكار جديدة تتحقق من خارج الصندوق الذي تنحشر عقول المسؤولين فيه، وإن وجدت ، فهي لا تعدو كونها شق وتشييد مونوريل في صحراء مصر الشاسعة وليس في ميدان العتبة (ميدان الحشر حاليا) وشوارع بورسعيد وبولاق الدكرور وأزقة ودروب فيصل المكتظة بالملايين (شوارع من نار حاليا)!
غريب عجيب ما يجرى في هذا البلد من عقم أفكار المسؤولين.. مسئول يعالج الدَيّن بمزيد من الاقتراض.. ويكافح الازدحام بشق جزء من الشارع، ليخصصه لراكبي الدراجات الهوائية، ثم بعد أن يكلف الدولة ملايينا من الدولارات يأتي هو نفسه فيلغيه! محافظ يقيل مسؤول حي بالقليوبية، فيأتي محافظ عاصمة آخر فيعيد تعيينه مسؤولا عن حي آخر فيها في نفس الشهر! هل عرفنا سبب الإقالة في القليوبية؟ وهل عرفنا سبب التعيين في المقطم بالقاهرة.. لا .. أبدا .. ومن نحن حتى نعرف أو نسأل من الأساس!
بلد الأعاجيب، لا تعرف فيها معلومة مؤكدة، وتُتَهم فيها بنشر الشائعات والتحريض لمجرد أنك تنفست رأيا! إمسك صاحب رأي.. هاتوه من قفاه .. خذوه فغلوه ثم في الجحيم صلوه! بلد تحرمك تداول - و الحق في الحصول - على المعلومات، ثم تعاقبك قوانينها إذا حاولت تعقب هذه المعلومات واقتفاء أثرها من مصادرها!
كنت أتحدث في الجزء الأول من مقالي هذا عن بعض هذه السمات، على ضوء مشاهداتي في الشوارع والطرق والمستشفيات والسنترالات والشهر العقاري والسجل المدني.. وتعقبت بعضا من المعاناة والمعارك اليومية التي يخوضها الناس.. للأسف ما يحدث في الشارع أسخن من لغة الكلمات .. اللهم افتح علينا فتوح العارفين بحكمتك وانشر علينا رحمتك ونجنا مما نخاف!
وصلت في حديثي عن معارك المهزومين في بر مصر، إلى رحلتي الأخيرة لـ "واحة سيوة"، وكانت عبر باصات شركة غرب (وشرق) الدلتا.. هي أتوبيسات مكيفة.. نعم لكنها غير مناسبة لأجساد وقوام المصريين، فنحن ننحشر فيها حشرا، لاسيما ذوي السيقان الطويلة.. الحركة في المكان ومحاولات استجلاب الراحة مستحيلة، لأن الشركة بالغت في استغلال مساحة الباص، فأتخمته بأعداد الكراسي، من زواية استغلالية مالية فقط.. كان الهدف وضع أكبر عدد ممكن من المقاعد في الباص لاستدرار المزيد من المال.. على حساب راحة الركاب، على مدى رحلة صعبة وطويلة جدا بهذا الشكل! يحدث هذا على الخطين اللذين تعمل عليهما الشركة (شرق الدلتا التي استقللتها ذاهبا في رحلة معاناة سابقة إلى مدينة رأس البر، وغرب الدلتا التي تعثرت فيها أيضا وأنا بطريقي ذهابا وإيابا إلى سيوة)!
على طريق السفر استشعرت أنها تحولت إلى رحلة ألم وليس استجماما قبل أن تبدأ! من المثير للدهشة أنه رغم ارتفاع أسعار التذاكر بهذا الشكل الجنوني، فإن التعامل المروري والأمني لم يتغير، حتى العقليات تتعامل بنفس الطريقة العقيمة القديمة! الكمائن تجبر الركاب على النزول وتفتيش حقائبهم عند العودة؟ عند السفر آيضا (من موقف الترجمان لم يكن كافيا أن توضع الحقائب على جهاز الكشف عن المخدرات أو الأسلحة أو المتفجرات لمرة واحدة فقط، فمثل هذا الجهاز موجود في الموقف الرئيسي، أما موقف الباصات في سيوه فهو موقف لقيط.. يتواجد في العراء.. بشكل يجبر الكمائن الأمنية بعد ذلك على اجراء التفتيش على الأمتعة في الطريق، وهو إجراء مرعب لأنه مرهق، ولأنه يأتي في ختام رحلة لا يستطيع معها الناس بذل أي مجهود لم يكونوا من الأساس سببا فيه، ولايتحملون أوزار معاناته أبدا.. حيث تفرض عليهم القوة الأمنية إجراء تفتيش! الشركة بالأساس والمسؤولون عن البلد هم المسؤولون، فلماذا يحملون الركاب هذه المحنة وتلك المعاناة ؟ لا يتكبدون أي أموال من أجل خدمة الركاب.. حتى استئجار مكان لإقامة موقف باصات فيه جهاز كشف متفجرات ومخدرات وغيرها لا يفكرون فيه مجرد تفكير، بل ولا تقديم أي خدمات للواحة العريقة التي يمكن أن تدر ذهبا!
عند السفر من الترجمان يحدث العجب العجاب.. شخصيا تعرضت في موقف الترجمان لعاصفة من الجدل.. بطلها موظف صغير لديه تعليمات بعدم تمرير الحقائب التي بها ما يشبه زجاجات الخمور! لا أعرف سببا لذلك! أوقفني مسؤول الجهاز وطلب مني فتح حقيبتي.. لان فيها مايشبه زجاجات الخمر! أفهم أن تمنع المخدرات وتحارب المتفجرات، لكن ماعلاقة شركة الأتوبيسات بمنع الخمور؟ محلية أو اجنبية! فهذا بلد يسمح ببيع الخمور.. تنتشر محالها في جميع أرجاء القطر المصري، فتبيع المنتجات المحلية لمحال تملأ السوق المصري .. وتقوم بدورها بالبيع علنا وبالتوصيل إلى المنازل! وتستقبل مصر سياحا يدفعون بالدولار والاسترليني قيمة مشترواتهم منها من السوق الحرة.. فكيف يشترى الأجنبي خمورا من السوق المصري، ثم يهرقها لأن شركة الأتوبيس ترفض نقلها على متنها! لم يكن معي خمور.. بالمعني الحقيقي للكلمة.. لكن الموظف أصر على عمل "هليلة " ، والهليلة اقتضت تحدثه مع عنصر امني، فطلب منى فتح حقيبتي.. رفضت، فحدث عنصرا أمنيا آخر.. اشفقت عليه من تباطؤ حركته، واعتلال صحته، فلما طلب مني فتح الحقيبة كررت رفضي، وأصررت على مقابلة المدير المسؤول.. كنت أريد أن افهم هذا التناقض، ومدى صحة التعليمات الصادرة إليهم.. وانتظرت حتى أتي شادي بيه كما فهمت من ندائهم له، فقال لي: معاك خمور؟ قلت له: البلد كلها بتبيع خمور، فما علاقة الجهاز الأمني بذلك هل تبيعها الدولة وتحرمها الشرطة أو تمنعها! فاجأني الرجل بكل دماثته: "إن كان علينا معندناش مانع.. الوزارة لا تمنع.. لكن نحن ننفذ تعليمات الشركة"!! هم الذين يمنعون ونحن ننفذ التعليمات! شركة اتوبيس غرب الدلتا تمنع وتفرض على وزارة الداخلية منع نقل الخمور على متن أتوبيساتها! مصر كلها تبيح الخمور بيعا ونقلا وتوصيلا وشركة أتوبيس تأخذ مقابلا ماديا ضخما لتتحكم بما يحمله الركاب؟! قال لي شادي بيه: هل الزجاجات معك مفتوحة أم مغلقة؟ وهل هي مستوردة أم محلية؟! ثم سألني: هيه نوعها إيه؟ قلت ببساطة : "دول إزازتين نبيت أول عن آخر ياشادي بيه!!
قزازتين " نبيذ" (نطقها هكذا ويبدو لي أنها المرة الأولى في حياته التي يتعرض فيهما لموقف يفرض عليه نطق اسمها، فقد نطقها نبيذ باللغة الفصحى وليس "نبيت" بلغتي العادية)! وكأن الرجل وجد الصعداء التي يبحث عنها حتى يتنفسها.. فعاد ليخاطب عناصره بشكل فيه حس البهجة والسعادة: النبيذ ده (مش اللي هوه أحمر.. سألني فأجبته بسرعه: أيوه.. فقال لهم: ده مشهيات مع الأكل ياجماعة.. أتفضل ياباشا مصحوبا بالسلامة!
انتهى الموقف عند جهاز كشف المتفجرات والمخدرات وانفجر شلال التساؤلات السابقة بداخلي: ما علاقة الشركة الناقلة للركاب بمنع الخمور؟ ولماذا يتعرض الراكب لمثل هذا الأمر أمام من يشاركونه الرحلة؟ هذا ليس دفاعا عن الخمور ولا حديثا عن شرعيتها ولا تحريمها وحلها أبدا، أنا أتحدث عن دولة أفعالها تناقض توجهاتها كليا! وللحديث بقية
-----------------------------
بقلم: محمود الشربيني






