كثرت الأقاويل حول دخول أو عدم دخول مصر "حلف مكة"، الذي يتكون من كل من السعودية وتركيا وباكستان. خاصة بعد اتضاح العجز الأمريكي الفاضح عن حماية قواعده فضلا عن حماية حلفائه.
وغالب الظن أنه لم يتم توجيه الدعوة لمصر منذ بداية التكوين. وأرجح أن ذلك لم يتم نظرا للحساسية التي ينطوي عليها الموقف السعودي تجاه مصر. وهو موقف ملتبس بين الصداقة والتنافس، واتفاق المصالح في قضايا وتعارضها في أخرى. خاصة ان المصريين لم يبدوا حماسا كبيرا لمناصبة إيران العداء إرضاء لأحد.
بالمقابل يمكن ان نلمح في الموقف المصري نوعا من التملص الناعم، خاصة بعد إبداء وزير الخارجية التركي حرصه على وجود مصر بينهم.. "بعد حل بعض المسائل الفنية"، على حد قوله.
ونظرة واحدة للصراع الجيوسياسي في منطقة باب المندب والقرن الأفريقي والخليج يمكنها توضيح مقدار الأزمة الإقليمية الخانقة والتي تؤثر على طبيعة هذا الحلف وعلى قرار التحاق مصر به. وأظن أن القراءة الاستراتيجية المصرية لهذا الوضع قد جعلت تقديرها مبنيا على أن هذا الحلف قد كتبت شهادة موته قبل أن يولد، وذلك للأسباب التالية:
أولا: من المفروغ منه القول بأنه ليس من مصلحة مصر هزيمة ايران. ولقد تبدى هذا بوضوح لزعماء الخليج. وربما لذلك تحديدا، لم تتم دعوة مصر إلى هذا الحلف، كما قلت. بيد أن الجديد أنه ليس من مصلحة مصر القضاء على الحوثيين الذين يناصبون السعودية والإمارات العداء. خاصة في ظل الصراع المشترك الذي يخوضه المصريون والحوثيون، معا، لعدم سقوط مضيق باب المندب في أيدي قوى مدعومة من إسرائيل وأمريكا والامارات. كما أن الموقفين: المصري، والحوثي، متوافقان في رفض الوجود العسكري الإسرائيلي الأمريكي الإماراتي في إقليم أرض الصومال. ليس فقط بسبب عداء الحوثيين مع هذه الأطراف الثلاثة، وصراعهم المصيري معها، ولكن أيضا لحاجة الحوثيين إلى الوجود المصري بمنطقة باب المندب والقرن الأفريقي لحماية ظهورهم من نقاط المراقبة والاستهداف المزمع تواجدها في المنطقة.
ثانيا: كذلك فإن الموقف الحوثي الصلب تجاه هذه الأطراف يقوي الموقف المصري في مواجهة تعنت أثيوبيا في موضوع مياه النيل ويمنحها فرصة أكبر لحصار أثيوبيا وإضعافها، على أمل إجبارها على توقيع اتفاق منصف بخصوص مشاريعها المائية المهددة للأمن المائي المصري. كما أنه يضعف الموقف الأمريكي الإسرائيلي المدعوم إماراتيا في السيطرة على المنطقة. وهذه الأطراف الأخيرة تعد القوى الرئيسية الداعمة لإثيوبيا في موقفها المائي المتعنت مع مصر. وهي القوى الداعمة لقوات الدعم السريع المنشقة في السودان. وهي التي تشعل النيران حول مصر من كل اتجاه.
وبالتالي فإن الوجود القوي للحوثيين في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة لمصر ودول أخرى، إنما يمثل إضافة للجهود المصرية الرامية إلى تأمين مصالحها الاستراتيبجية في باب المندب ومنطقة القرن الأفريقي. ويمثل هذا الوجود نقطة توافق والتقاء للمصالح بين الطرفين المصري والحوثي، على الرغم من تضرر الاقتصاد المصري من توتير الأوضاع من قبل الحوثيين في تلك المنطقة وتأثيره على المداخيل المالية لقناة السويس.
وإذا اعترفنا بأن الحوثيين ذراع ايران في باب المندب، وأن الوجود الحوثي يعمل في تواؤم وتناغم مع المصالح المصرية، وأن مصر لا تريد تدمير ايران، إذن فمصر وإيران على وفاق ملموس من الناحية الاستراتيجية. وليس من مصلحة مصر الدخول في عداء معها أو مع الحوثيين.
ثالثا: لم يوضح البيان الصادر عن الحلف الجديد العدو المشترك الذي من أجل مواجهته قام الحلف. كما لم يصرح أي من قادته بطبيعة هذا العدو. ونستطيع القول أنه، بكل تأكيد، لن يكون ضد إسرائيل وأمريكا، رغم امتعاض إسرائيل وتوجسها من إقامته. لكن من الواضح أن العدو غير متفق عليه، وهذا يفرغ الحلف من جوهره. وإن كان المقطوع به، بالطبع، أن العدو بالنسبة للسعوديين هو الحوثي وإيران. ولكن بالنسبة لباكستان وتركيا فإن كلا منهما يمتلك حزمة من التشابكات والتقاطعات في المصالح بين كل منهما وإيران. فباكستان ليس لها مصلحة في العداء مع إيران، نظرا لوجود أقلية البلوش على الحدود بين البلدين، وهي أقلية تستهدف الاستقلال عن البلدين، معا، وتحركها المخابرات البريطانية والأمريكية، ضد رغبة وإرادة الباكستانيين (والإيرانيين بالطبع). إلى جانب وجود أقلية شيعية قوية في باكستان لن تكون سعيدة إذا ساهمت باكستان في الجهد العسكري ضد إيران. وأيضا لأن النفط الإيراني والممرات اللوجستية الإيرانية عبر الأراضي الباكستانية مهمة جدا للاقتصاد الباكستاني. ثم إن العدو الأول بالنسبة لباكستان هو الهند وليس إيران. بل إن إيران القوية يمكن أن تمثل مصدر قوة للموقف الباكستاني.
وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا، فوجود الكرد على الحدود بين البلدين يهدد بقيام كيانات كردية في حال ضعف الدولة الإيرانية، أو انهيارها. وهو ما يهدد وحدة التراب التركي، ولن تسمح به الدولة التركية، أيا ما كان الثمن.الى جانب وجود أقليات شيعية وعلوية وازنة داخل تركيا، ولن توافق بالطبع على أي عداء مكشوف مع ايران. فضلا عن أن هزيمة ايران ستكون لحساب زيادة النفوذ الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وهذا ما لا تريده تركيا وباكستان بكل تأكيد. بل إن انهيار القوة الإيرانية سيكون كارثيا، بكل معنى الكلمة على جميع الأطراف، بما فيها الخليجيين (ولكنهم يتعامون عن ذلك لأسباب تخصهم)، ما عدا أمريكا واسرائيل.
رابعا: من هنا يمكن أن نستبعد أن يكون العدو هو إيران، بالنسبة إلى باكستان وتركيا. وهذا يجعلهما على خلاف مع الموقف السعودي. وإذا كان الحلف قد تمت إقامته لمواجهة الحوثيين، فقط، فإن قوة الحوثيين لا تستوجب وجود حلف بهذا الحجم. كما أن مهاجمة الحوثيين من قبل أي من تركيا أو باكستان قد تدخلهما الحرب ضد إيران، وهذا ما لا يريدانه.
ناهيك، بالطبع، عن أن السعودية لا يمكنها الانخراط في أي حرب تخص إحدى الدولتين، فلن تنخرط في حرب ضد الهند مثلا، لحساب باكستان، فمصالحها مع الهند أكبر بكثير من أن تتم التضحية بها. وبالمثل، فانها لن تدخل حربا مع اليونانيين أو الروس لحساب تركيا.
لذلك فانني أعتبر أن هذا التحالف قد تم تكوينه، فقط، من أجل إرضاء السعوديين وطمأنتهم. ولا بأس من الاستفادة من بعض أموالهم. ولا شك أنه يمثل، من ناحية أخرى، محاولة لملء الفراغ العسكري ويعوض بعضا من "خيبة الأمل" التي تركها التراجع الأمريكي في منطقة الخليج. ولكنه لن يكون موجها بأي حال ضد ايران أو أحد حلفائها.
وأظن أن مصر قد جرى استبعادها من قبل السعوديين، نظرا لعدم رغبتهم في إعطائها وضعا أقوى مما هي عليه، في الإقليم. بينما تخوض السعودية معها حرب تنافس وامتعاض صامتة، نظرا لعدم انصياع مصر لرغباتها المتكررة في الحرب نيابة عنها ضد الحوثيين أو ضد ايران. وأظن أن هذا الاستبعاد لمصر كان على غير رغبة الباكستانيين والترك، فعلاقة مصر مع الدولتين أكثر من قوية وبخاصة في الآونة الأخيرة. كما أن الدخول المصري سيمنح غطاء شرعيا قويا بالنسبة لهما، وسيضفي قدرا من المتانة المعنوية والمادية على الحلف.
من هنا فإنني أعتقد أن الموقف المصري المتحفظ من الدخول في هذا الحلف كان صائبا. سواء بالنسبة لتأكيد استقلالية القرار المصري والرؤية الاستراتيجية للمصالح المصرية، أو بالنسبة لسلامة الموقف مع إيران أو مع حلفائهم الحوثيين.
وعلى الرغم من الأضرار التي وقعت، بسبب صواريخ الحوثيين، لبعض المصالح الاقتصادية المصرية المتعلقة بدخل قناة السويس، فإن هذه الصواريخ يمكن اعتبارها نيرانا صديقة، يعتمد عليها في مواجهة المطامع الإسرائيلية الإماراتية الأثيوبية الأمريكية في مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. وبالتأكيد يقوي من الموقف المصري في مواجهة العجرفة والتعنت الأثيوبي.
--------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






