18 - 08 - 2026

ضوء | الحب بين زمنين

ضوء | الحب بين زمنين

عند المقارنة بين الماضي والحاضر، في مسألة غاية في الجمال والعاطفية، ألا وهي الحب، لأعطي صورًا من الحب كانت سائدة منذ الخمسينيات وحتى الثمانينات في البحرين، وربما في الوطن العربي كله، في ذلك الزمن الجميل، زمن الرومانسية، زمن البراءة، زمن أفلام الأبيض والأسود، كما وأعطي أيضًا صورًا واقعية عن شكل العلاقات العاطفية في زمننا الحالي.

كم جميلة نظرة الفتاة المُطلّة من النافذة بانتظار الحبيب أن يُلقي السلام بعينيه، كم حلوة وجنتيها تلك حين تتورد خجلًا عندما يرفع العاشق طرف عينيه صوب النافذة، وكم رشيقة تلك الخطوات التي تتبع الحبيبة كل صباح وهي متوجهة إلى المدرسة أو العمل، فهو الحارس السري لملاكه الأثيري.

وكم رائعة تلك النظرة التي ينظر العاشق لحبيبته، فلا يمكن لحظة أن تمر على قلبه هفوة النظر إلى الحبيبة بشكل يخدش الحياء، فهي التي اصطفاها قلبه من دون البشر، وهي التي يرى الكون في عينيها، وهي التي يقدّس التراب الذي تخطو عليه.

وهي التي يتمنى أن يلثم أطراف ثوبها قبل شفتيها، وهي التي لا تبارح خياله وذهنه حين يترنم عبدالصمد أمين (يا سدرة الأشواق)، وتحرك أوتار القلب أغنية أحمد الجميري وهو يغني بصوته الشجي (يا سرب طيور)، أو حين يصدح مصطفى أحمد أو عبد الكريم عبد القادر بأغاني الحب والغزل، أما ليالي الغرام فهي تمرّ والعاشق يتمرغ على فراش السهد والهيام برفقة أنغام فريد الأطرش وآهاته في الغفو والصحو والمنام.

وكم نادر ذلك الإخلاص للحبيب، فلا يمكن أن ترى عينيها من هو أكثر وسامة منه، ولا من هو أكثر وفاءً وإخلاصًا ورومانسية، وبالطبع كل أهل الحي يعرفون قصة الحب ويشعرون بها لكنهم يكتمون، كلهم يشيحون بنظراتهم حين يمر العاشق من أمام بيت الحبيبة، إلا والدها الذي يأكله قلبه خوفًا عليها، كلهم يعرفون إنها من نصيبه وهو من نصيبها، ويباركون لهما بقلوبهم، فهي التي كتبها القدر له، هكذا كان الحب.

أما الحب منذ التسعينات وحتى الآن، الفتاة تلاحق الشاب بعينيها في كل مكان، وتتبعه بلسانها عن طريق الهاتف، وبرسائلها عن طريق الواتساب والتويتر والفيس بوك والنت وبكلّ طرق التواصل الاجتماعي، الفتاة تنصب الفخاخ إلى شباب ثلاثة في الوقت نفسه علّ أحدهم يقع في الشبك، الفتاة تضع قائمة بكل ما يملكه الشاب هو وعائلته من أملاك وأموال، بل وتضع احتمالات مستقبله على ضوء مكانة عائلته الاجتماعية والمادية، ثم تفكر في مؤهلاته العلمية إن كانت تسمح له بالوصول إلى مراتب عليا في الوظيفة التي يمكن أن يحصل عليها.

والشاب يضع التسكع في المجمعات ضمن جدوله الأسبوعي علّه يصطاد حمامة، وينصب الشباك لأكبر عدد من الحمام والغزلان، علّ واحدة منهن تقع في الفخ، وكلما وقع في الشبك عدد أكبر كان أفضل، فهذا يعني أن الصيد وفير، كل همّ الشاب أن يصل إلى مراده ويحقق رغباته الحسية على حساب أي شيء آخر، فمثلًا يمكن أن يُقدم على الهروب من المدرسة أو التملص من العمل، أو الكذب أو التباهي أو التأنق الزائد عن حده، أو التظاهر بأنه يملك أموال قارون وبأن عائلته تغدق عليه بلا حساب لكي يظهر بمظهر المقتدر، يمكن أن يُقدم الشاب على تأجير سيارات فارهة للتباهي بها من أجل أن تلاحقه الفتيات.

ويحسب الشاب بدقة المكاسب التي يمكن أن يجنيها من وراء هذه العلاقة، والفتاة بالمثل، ليتحول الحب إلى مصلحة بحتة، وعندما يشبع الشاب منها يرميها كالجيفة ويتوجه الذئب إلى ضحية أخرى، وحينما يريد أن يتزوج فعلًا فهو لا يفكر إلا بالزواج لمن تختارها له أمه!

وبالطبع لكل قاعدة شواذ، ولو خليت لخربت، فلابد وأن توجد حالات جميلة ورومانسية حتى في زمننا الأغبر هذا، وكلما زادت هذه الحالات كان المجتمع أكثر صحة، وأكثر استقرارًا، وأكثر جمالًا، وأكثر عفوية وبراءة، ليصبح مجتمعًا متآلفًا متقاربًا، لا مجتمعًا غريبًا متباعدًا. وعسى أن يعود الزمن الجميل وعسى أن تكون أيامكم كلها حبّ وهناء وأفراح.
---------------------------------------
بقلم: 
د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | الحب بين زمنين