18 - 08 - 2026

رشقة أفكار | المهزومون.. في بر مصر! (١)

رشقة أفكار | المهزومون.. في بر مصر! (١)

هل يظهر كامل الوزير وزير النقل الآن في هذه اللحظة؟

قلت لنفسي: "عالصبح كده؟  كنت استيقظت لتوي والساعة بحدود العاشرة تقريبا.. مضيت في تساؤلاتي:  أي خيال رومانسي هذا الذي يداهمني؟ أهو إمعان في خصوبة الخيال أم هو خيال فقير بزيادة" .. وما الذي سيأتي بالوزير الوزير هنا والآن؟

اعتدت على هذه الخيالات وأسوأ منها كلما حطت برأسها مصيبة ما: في المستشفى عندما أرى مريضا مسحوقا يحاول أن يدخل على طبيب ما ولكن لا يتمكن من ذلك لأسباب بيروقراطية.. إجراء ما يحول دون ذلك .. كمنطقة سكنه التى لا تتبع المستشفى.. الممرضة او الممرض الذي يكره نفسه وبالتالي يكره عمله. في السنترال أشاهد مواطنا يحاول عبثا أن يصحح وضع الخط الهاتفي الذي يملكه، ويستبعد خطوطا أخرى حصل عليها بحكم تغيير موقع سكنه.. يؤكد  للموظف أن خطا لم يعد بحوزته مازال يتلقى بشأنه إشعارات، على انه ملك له وهو  لم يعد كذلك دون جدوى! في السجل المدني أو الشهر العقاري وأنا أعاني  من سوء حال المكان.. لا أعرف من هو صاحب الاقتراح على مستوى الدولة وفي أي عصر، الذي قرر أن تكون مقار  الشهر العقاري والسجل المدني عبارة عن شقة ضيقة، من غرفتين وصالة بمنافعهم (ههههه)، ينحشر فيها كم من الموظفين "اللي مش طايقين نفسهم والمراجعين وأصحاب المعاملات اللي برضه مش طايقين نفسهم أكتر وأكتر".. حيث يختلط الحابل بالنابل، فالممرات التي توصلهم  إلى الموظفين ضيقة جدا، والمرور بين الناس المنتظرين لدورهم صعب جدا، خصوصا وكثيرهم  من ذوي الكروش الضخمة، والأفخاذ السمينة المتخمة بالدهون المتراكمة.. لا فروق كبيرة بين الجنسين في هذه المعاناة. يحدث هذا ايضاً وأنا اشاهد مصارف الترع التي تم  تبطينها حديثا، حيث تلال "الزبالة" عالقة عند بعض مصبات تصريف المياه إلى الاتجاهات المحددة.. أو الفروع الأخرى لترع وقناطر تجري فيها مياه تأتيها من رياحات بعيدة أو فروع لترع كبرى شهيرة.. حيث تطفو - بكل أسف - جثث الحيوانات النافقة، حميرا وكلابا وغير ذلك، وتراها بكل بشاعة على سطح المياة، فتحيل جريان المياه البديع قبرا ترتعد منه القلوب .. وتزول السكينة من الأفئدة، بفعل روائح كريهة تعبق الجو، ومناظر بشعة تسد النفس.. مشهد مخزي تتعانق فيه  أطنان من القاذورات لتسد مجري الترعة وتحول دون تدفق المياه بطول المجرى إلى أماكن  أخرى…

في تلك الأماكن يهرب خيالي الخصب إلى المسؤول الأول عن هذه المرافق، فأتخيل الوزير أو المدير وقد جاء فجأة ليشهد معي ماشاهدته ويتخذ في التو واللحظة قراراته التي تصحح المسارات، خاصة ان كل هذه المرافق التي تقدم خدمات الآن للمواطنين مدفوعة تماما.. الناس يدفعون دم قلوبهم ولكن الخدمات سيئة.. في البنوك.. في محطات المواصلات العامة.. في الشهر العقاري والسجل المدني والمرور.. حياة كلها معاناة وعذاب ولا يوجد أحد يرفع المعاناة عن الناس.. ليس هذا من باب التحريض طبعا، ولكن من باب سؤال المسؤولين: هل أنتم واخدين بالكم أننا بندفع تمن خدمات، لا نحصل عليها إلا بشق الأنفس؟ لماذا ندفع رسوما باهظة ولا نحصل على الخدمة؟ والى متى تستمر هذه المعاناة؟

من الغريب أن نرى طرقا فخيمة في مناطق جديدة، عليها لوحات رخامية تشير إلى العهد الذي شُقَت فيه، تتفاخر بها الدولة لكنها - بخلاف أن بعضها طرق للموت مثل  الإسماعيلية والمنوفية  وطريق الصعيد إلى آخره - فأن هناك طرقا قديمة وشوارع أخرى أقيمت في عصور سابقة، لم تحظ بأي رعاية أو إصلاح أو تجديد رغم تخريبها وعدم صلاحيتها وأهليتها للسير؟ لماذا؟ هل لأنه من الصعب وضع لوحات رخامية جديدة تقول انه في عهد السيد الدكتور الوزير المحافظ اللواء فلان تمت إعادة رصف الطريق؟ هل يريد ان يكون له قصب السبق في كل الشارع؟ فلماذا لا يزيله كله ويعيد بناءه مثلا؟

قبل أيام ذهبت إلى واحة "سيوه"، ومن جنسيات ركاب أتوبيس شركة غرب الدلتا عرفت أنها لاتزال مقصدا سياحيا وعلاجيا، رغم أن الذي يتحدث عن هذه الواحة صحفي صديق اسمه حمدي حمادة وليس إعلام المحافظة ولا السيد المحافظ الذي تقع الواحة في نطاقه! حمدي حمادة هو كتيبة إعلام تروج لـ سيوه كأنه ورثها عن أسرته، واستغرب كيف تعاقب بهذا الإهمال البشع! سيوة المعاقبة المنكوبة بالإهمال والموظفين المتراخين، وشركة غرب الدلتا للنقل، لاتزال مقصدا مهما ليس للمصريين فقط، وإنما يأتيها زوار من كل بلدان العالم. كان ركاب آسيويون يملأون الاتوبيس.. معروف ان إحجامهم ضئيلة وقاماتهم قصيرة، بعكس المصريين البدناء (كنت احدهم حتى عام مضى قبل أن ينقرض جسدي) فكرتي عنها كانت محدودة، فأنا من عشاق مناطق أخرى مثل الإسكندرية ومطروح والغردقة وخليج مكادي ولا أحب الساحل شريره أو طيبه) حتى شاهدت جمال الطبيعة السيوية الساحرة، وما رواه لي "حمدي" المبشر بمحبة سيوة وأهميتها للشباب والحيوية! رأيت هناك بحيرات للمعالجات الطبيعية بالأملاح الكبريتية والمعدنية، وعشت تجربة الدفن في الرمال المرعبة "الملهلبة" شديدة السخونة، وفي كهوف الملح.. لكن المفاجأة كانت تكمن في ازدراء واحتقار سيوة كمقصد بهذه القيمة والأهمية! فوجئت بان الطريق - الذي تقطعه من القاهرة إلى سيوة ويكاد يبلغ حوالي ٨٠٠ كيلو أو اكثر - تتعامل معه شركة النقل بشكل غريب عجيب .. فهي تحظر على السائقين التوقف أو التعاون إلا مع استراحتين فقط (إحداهما والأكثر شهرة هي استراحة غزالة، والأخرى نسيت اسمها!) طريق بهذا الطول لا يمكن التوقف فيه ومراعاة المرضي والمتعبين إلا في هاتين الاستراحتين فقط! فماذا عن مرضى السكر؟ ماذا عن الصحة البدنية التي تستدعي من الناس الحركة كل نصف ساعة على الأقل.. ومساحة الفراغات في الباصات لا تسمح بذلك مطلقا؟! أسعار التذاكر كانت في السابق معقولة، كانت تبدأ ب ٤٠ جنيها، ارتفعت بشكل جنوني إلى ٥٥٠ جنيها من دون أن يصاحب ذلك أي خدمات إضافية! والأنكى من هذا أن الشركة تفرض عليك دفع رسم قدرة ٣٠ جنيها عن كل كرتونة تحملها.. اعتبرها جمارك على المشتروات، تحصلها الشركة لحسابها، ولا تعلم عنها الدولة شيئا.. مادامت كرتونة وليس حقيبة لازم تدفع!

معارك يومية حياتية.. يخوضها الناس وحدهم في الشارع ويدفعون ثمنها.. يدفعون الثمن فادحا كل يوم، ومع هذا يعانون أشد المعاناة بفلوسهم وبالأثمان الباهظة التي يدفعونها! هزائم يومية يتعرض لها المصريون، والأشد مرارة أنهم يدفعون ثمنها من حر مالهم الذي يكابدون لكسبه بشق الأنفس! مهازل أخرى كثيرة رصدتها في رحلتي الأخيرة إلى واحة "سيوة".. وبدلا من أن أتنفس متعة وبهجة وسرورا، بلغ الألم والتعب والإرهاق في نفسي مبلغا كبيرا!

(لطفا انتظر الجزء الثاني من  أنيني ومقالي غدا).
--------------------------------
بقلم: محمود الشربيني

مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | المهزومون.. في بر مصر! (١)