17 - 08 - 2026

ضوء | المرأة بين الأسرة والعمل

ضوء | المرأة بين الأسرة والعمل

ونحن في القرن الواحد والعشرين، لا يخفى على أحد، وجود فئة من الناس ترفض عمل المرأة، وتعارض خروجها إلى العمل، ونتساءل: هل من الممكن تخيّل مجتمع ليس به امرأة واحدة تعمل خارج المنزل؟ لا طبيبة ولا معلمة لا موظفة ولا عاملة، كل النساء فيه ربات بيوت فقط، ماذا سيصبح مصير هذا المجتمع؟

ولن نناقش هنا أن كانت أغلب ربات البيوت في هذا المجتمع نساء أميات، فهذا بحد ذاته مأساة من مآسي العالم الثالث عامة والوطن العربي خاصة، لكن سنفترض وضعية أفضل بقليل، وهي إن كانت أغلب ربات البيوت في هذا المجتمع نساء غير أميات، ماذا سيكون مصير عقل ربة البيت غير الأمية هذه؟  والذي ينعكس على مصير المجتمع بأسره، ماذا نتوقع أن تكون اهتماماتها؟

هناك احتمالان: فإن كانت هذا المرأة منتمية إلى مجتمع استهلاكي كغالبية الأسر في مجتمعاتنا الخليجية، فكل الأعمال المنزلية يحلها الخدم والتكنولوجيا، وكل مشاكل الأبناء الدراسية تحلها الدروس الخصوصية – أما (هي) فاهتماماتها تتوجه إلى الأسواق ومتابعة آخر صيحات الموضة في الملابس والعطور والمكياج أو لجلسات النميمة وتقصي الأخبار، كي تصبح في النهاية زينة، دمية لا عقل لها، كما ولا ننسى الفراغ وعوامل كثيرة أخرى تدفعها لتكون كذلك.

أما إن كانت ربة البيت هذه منتمية إلى مجتمع فقير، مثل بعض الأسر في الخليج، ومثل أغلبية الأسر في الدول العربية الأخرى، فإن كانت من أسرة فقيرة يعمل زوجها ليل نهار ليسد أفواه أطفاله، فسيطحنها العمل المنزلي، ليحولها إلى آلة تفوح منها رائحة العرق، ولتعيش في دوامة العمل المنزلي الرتيب الشاق الذي لا ينتهي، وربما أيضًا تدفعها الظروف إلى  البحث عن لقمة العيش الضنينة،  ليظهر بشكل جليّ النقص في قدرتها على تربية أطفالها، فهل سيكون لهذه المرأة وقت للقراءة عن التربية وعلم النفس، لمعرفة متطلبات مراحل النمو المختلفة من عمر الإنسان وكيفية التعامل مع جميع مراحل العمر من طفولة ومراهقة وشباب؟  بل هل سيكون لهذه المرأة وقت لمجالسة أطفالها ومتابعتهم وإرشادهم؟ بل هل سيكون لديها وعي بأهمية ذلك؟

النتيجة واحدة، ربة بيت غير الأمية (فقيرة أو غنية) لكنها جاهلة، ونحن نتكلم هنا عن الأغلبية لا الأقلية التي لا نراها إلا في القصص والأفلام، نتكلم عما يرينا إياه واقع المرأة في الوطن العربي.

النتيجة واحدة، نصف المجتمع مشلول، أطفال مُهملُون، مجتمع غير منتج لا يعرف الإبداع.

نحن لا نعارض أبداً تفرغ الأم لتربية أطفالها، إذا جاء برغبتها الشخصية، خاصة في المراحل الأولى من عمر الطفل، لكننا نطالبها بتطوير نفسها وقدراتها العقلية والفكرية، كما ونطالب المجتمع عامة (أفراداً ومؤسسات)، والرجل خاصة، بدفعها إلى الأمام ومساعدتها على تغيير نفسها ونمط تفكيرها، وبالتالي دورها في المجتمع، لأن هذا التغيير سيعود على المجتمع كله بالنفع والفائدة الاقتصادية الإنتاجية والاجتماعية النفسية والتربوية الأخلاقية، وآنذاك تستطيع هذه الأم القيام بدورها الحقيقي الشامل، تجاه وطنها ومجتمعها وزوجها وأطفالها، ليعمل الجميع معاً من أجل غدٍ أفضل.

لذا تصبح المجتمعات التي تغلب فيها الطبقة الوسطى في مقدمة المجتمعات النامية، لأن وعي المرأة يقارب وعي الرجل، وبالتالي يُصبح دورها في أغلب الأسر يوازي دور الرجل وأحيانًا يضاهيه.

لذلك نؤكد على ضرورة سعي الدولة إلى العمل على زيادة الطبقة الوسطى، لكونها تشجع فتياتها على الانخراط في العمل، وفي الوقت نفسه تحافظ على القيم الاجتماعية والاخلاقية التي يؤكد عليها ديننا الإسلامي، دين الوسطية والعقل واليسر.
--------------------------------
بقلم: 
د. أنيسة فخرو


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | المرأة بين الأسرة والعمل