23 - 08 - 2026

الشرق الأوسط على أهبة الانفجار قراءة في سيناريوهات المواجهة والتحولات الإقليمية

الشرق الأوسط على أهبة الانفجار قراءة في سيناريوهات المواجهة والتحولات الإقليمية

يعيش الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية تقف فيها المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على أكثر من مسار في ظل هشاشة التفاهمات والتهدئات بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان والتوتر المتصاعد حول الممرات المائية الحيوية ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب.

ولم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المنطقة ستشهد جولة جديدة من التصعيد بل ما حجم هذه الجولة وأين تبدأ وأين تنتهي وهل تبقى محصورة في جبهات محددة أم تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة تعيد رسم موازين القوى؟

فالمشهد الراهن لا يبدو مجرد أزمة عابرة أو خلاف تفاوضي حول الملف النووي الإيراني، بل هو صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل وعلى موقع إيران ومحور المقاومة فيه وعلى مستقبل لبنان ومستقبل القضية الفلسطينية وطبيعة الدور الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.

*واشنطن بين التفاوض وإعادة ترتيب المسرح

من الواضح أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول الجمع بين مسارين متناقضين ظاهرياً: التفاوض من جهة والإبقاء على الخيار العسكري من جهة أخرى. وقد أعلن ترامب في وقت سابق أن توقف العمليات العسكرية مرتبط بإعطاء المفاوضات فرصة مع إبقاء التهديد بالعودة إلى عمل عسكري قوي إذا فشلت المحادثات.

وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية فالتفاوض بالنسبة لواشنطن لا يعني بالضرورة التخلي عن الضغط وإنما قد يكون وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق وقياس ردود الفعل واستكمال الاستعدادات السياسية والعسكرية لأي جولة مقبلة وفي المقابل تبدو إيران أمام اختبار تاريخي: إما أن تقبل بتسوية تحد من قدرتها على المناورة الإقليمية أو أن تتمسك بأوراق قوتها وفي مقدمتها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية وشبكة حلفائها في المنطقة.

*لبنان... الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال

لا يمكن فصل الملف اللبناني عن الصراع الأميركي ـ الإيراني فلبنان بحكم موقعه ووجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية رئيسية أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، وتكشف التطورات الأخيرة أن قضية سلاح حزب الله باتت في قلب المقاربة الأميركية والإسرائيلية للملف اللبناني في وقت تستمر فيه القوات الإسرائيلية في الوجود داخل مناطق عازلة وتنفذ عمليات وهجمات في الجنوب اللبناني رغم التهدئة.

ومن هنا فإن أحد أخطر السيناريوهات يتمثل في محاولة تحويل الضغط الخارجي إلى ضغط داخلي لبناني بحيث يصبح سلاح المقاومة عنواناً لصراع سياسي وأمني داخلي، بدلاً من أن يبقى جزءاً من معادلة الصراع مع الاحتلال.

وهذا السيناريو إذا تطور قد يكون أخطر من مجرد مواجهة عسكرية محدودة لأن الهدف يصبح إعادة صياغة المعادلة اللبنانية من الداخل وإحداث تغيير في ميزان القوى يسمح لاحقاً بفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة على لبنان.

*هل تتوسع المواجهة إلى الخليج؟

السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال المواجهة من إيران ولبنان إلى الخليج

فمضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة تهديد نظرية فقد تراجعت حركة الملاحة فيه بصورة حادة خلال الأيام الأخيرة بعد هجمات على ناقلات نفط وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتشير بيانات الملاحة إلى أن عدد السفن التي عبرت المضيق وصل إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بالمعدلات السابقة.

وهنا تظهر معادلة شديدة الخطورة: كلما اتسعت الحرب أصبحت الجغرافيا الاقتصادية للعالم جزءاً من ميدان المعركة، فهرمز ليس ممراً إيرانياً أو خليجياً فحسب، وإنما أحد أهم شرايين الطاقة العالمية وأي تعطيل طويل الأمد له ستكون له تداعيات مباشرة على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

وإذا توسعت العمليات لتشمل قواعد أو منشآت في دول الخليج تستخدمها الولايات المتحدة فإن طهران قد تعتبر تلك المنشآت جزءاً من البنية العسكرية التي تستهدفها، الأمر الذي يمكن أن يدفع دولاً خليجية إلى قلب المواجهة رغماً عنها و هنا يصبح خطر الحرب الإقليمية أكثر واقعية.

*هرمز وباب المندب... سلاح الضغط الاستراتيجي

لا تقتصر أهمية المعركة البحرية على مضيق هرمز. فباب المندب يمثل الجهة الأخرى من المعادلة ولا سيما مع استمرار التوتر في البحر الأحمر.

وقد شهدت حركة الملاحة في المضيقين اضطرابات متزايدة الأمر الذي يوضح أن السيطرة على الممرات البحرية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط استراتيجية تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة.

أما الحديث عن استهداف كابلات الاتصالات البحرية فيجب التعامل معه باعتباره سيناريو بالغ الخطورة وليس حقيقة قائمة بالضرورة، لأن ضرب البنية التحتية الرقمية العالمية يمكن أن يتجاوز بكثير حدود الصراع العسكري التقليدي ويمس الاتصالات والقطاع المالي وحركة البيانات.

وهذا تحديداً ما يجعل الحرب البحرية والاقتصادية أخطر من مجرد إغلاق مضيق أو استهداف ناقلة.

*تركيا وباكستان والسعودية... أين تقف الدول الإقليمية؟

إن اتساع الحرب سيضع الدول الإقليمية أمام خيارات صعبة، فالسعودية التي تقع في قلب المعادلة الخليجية ستجد نفسها أمام ضرورة الموازنة بين تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وبين مصالحها الاقتصادية والسياسية التي تتطلب تجنب حرب شاملة مع إيران.

أما باكستان وتركيا، فهما أمام معادلة أكثر تعقيداً فكلتاهما تملكان علاقات ومصالح مع إيران وفي الوقت نفسه ترتبطان بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة، وقد تؤدي المصالح الاقتصادية والجغرافية إلى منع الانخراط العسكري المباشر، إلا إذا تطورت الحرب إلى مستوى يفرض على هذه الدول إعادة حساباتها الأمنية.

وفي هذا السياق تبرز أهمية التحالفات الجديدة في المنطقة إذ تشير التطورات الأخيرة إلى سعي واشنطن لإعادة ترتيب شبكة الشراكات الأمنية بالتزامن مع حديث ترامب عن ترتيبات دفاعية تجمع السعودية وتركيا وباكستان.

*كوريا الشمالية... هل تعيد واشنطن توزيع أولوياتها؟

من المؤشرات اللافتة في هذا السياق قرار ترامب في 16 آب خفض المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية بصورة كبيرة، وربطه ذلك من بين أسباب أخرى بعدم مشاركة سيول في الجهود الأميركية المتعلقة بإيران إضافة إلى علاقته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

ولا يمكن الجزم بأن القرار جاء حصراً بسبب الحرب على إيران لكن توقيته يطرح سؤالاً استراتيجياً مهماً: هل تعيد واشنطن توزيع أولوياتها العسكرية بين آسيا والشرق الأوسط؟.

إذا كان الأمر كذلك فإن تقليص الضغط على الجبهة الكورية قد يكون جزءاً من محاولة تركيز الموارد السياسية والعسكرية الأميركية على الشرق الأوسط مع إبقاء باب التفاوض مع بيونغ يانغ مفتوحاً، وهذا يعني أن واشنطن لا تنظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها ملفاً منفصلاً بل ضمن لوحة جيوسياسية أوسع تشمل الصين وروسيا وكوريا الشمالية والتحالفات الدولية الجديدة.

*إيران... من إدارة الأزمة إلى إدارة الحرب؟

في المقابل فإن التغييرات داخل البنية القيادية الإيرانية إذا ما استمرت يمكن قراءتها باعتبارها استعداداً لإدارة مرحلة طويلة من الصراع وليس مجرد التعامل مع جولة عسكرية قصيرة، فإيران تدرك أن ميزان القوة لا يقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى قوة استراتيجية وربط الخليج بالعراق واليمن ولبنان وإبقاء الخصم أمام عدة جبهات وحسابات في وقت واحد.

ومن هنا فإن الرهان الأميركي على إنهاك إيران بالضغط الاقتصادي والعسكري قد يصطدم برهان إيراني معاكس يقوم على جعل تكلفة الحرب مرتفعة إلى درجة تدفع واشنطن في النهاية إلى تسوية سياسية.

*فلسطين... الخاسر الذي لا يغيب عن المشهد

وسط هذه المعركة الإقليمية تبقى القضية الفلسطينية في قلب الخطر، فكلما اتسع الانشغال الدولي والإقليمي بالملف الإيراني واللبناني ازدادت قدرة الاحتلال الإسرائيلي على استثمار حالة الفوضى لتنفيذ مخططاته في الأراضي الفلسطينية.

- في قطاع غزة: قد تحاول إسرائيل استغلال الانشغال الإقليمي لتكريس الحصار وتوسيع المناطق العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة وصولاً إلى إعادة إنتاج مشاريع التهجير تحت عناوين أمنية وإنسانية مختلفة.

- في الضفة الغربية: يبقى خطر الاستيطان والضم الزاحف وتوسيع السيطرة العسكرية قائماً في محاولة لتحويل الضفة إلى مناطق معزولة وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة،

- في الشتات الفلسطيني ولبنان: وهنا تكمن إحدى أخطر الحلقات، فالمخيمات الفلسطينية في لبنان ليست خارج الصراع السياسي والأمني وأي تصعيد إقليمي قد يفتح الباب أمام زيادة الضغوط على اللاجئين والمخيمات أو محاولة إدخالها في التجاذبات اللبنانية الداخلية بما يضعف الموقف الفلسطيني ويهدد إحدى أهم ركائز القضية الفلسطينية وهي حق العودة، ومن هنا فإن حماية المخيمات الفلسطينية من التوريط في الصراعات الداخلية والإقليمية يجب أن تكون جزءاً من حماية القضية الفلسطينية نفسها.

*المنطقة أمام مفترق طرق

إن الشرق الأوسط اليوم أمام ثلاثة مسارات رئيسية:

- الأول: العودة إلى مفاوضات تنتج تسوية مؤقتة تسمح بخفض التصعيد دون معالجة جذور الصراع.

- الثاني: استمرار حرب الاستنزاف بحيث تبقى الجبهات مفتوحة بدرجات متفاوتة من دون الوصول إلى حرب إقليمية شاملة.

- الثالث والأخطر: انهيار التهدئات وانتقال المواجهة إلى مرحلة إقليمية مفتوحة تشمل إيران ولبنان والخليج والبحر الأحمر وما يرافق ذلك من أزمة طاقة واقتصاد عالمية.

والراجح، في تقديري أن واشنطن لا تزال تحاول تجنب الانفجار الشامل، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى الضغط إلى الحد الذي يجعل الخصوم أمام خيارين: *القبول بتغيير قواعد اللعبة....أو تحمل كلفة مواجهة واسعة.

أما إسرائيل فتبدو أكثر ميلاً إلى استثمار الفوضى الإقليمية لتحقيق أهدافها في لبنان وغزة والضفة وهو ما يجعل خطر الانفلات قائماً حتى لو نجحت واشنطن وطهران في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

*الخلاصة:

المعركة الدائرة ليست فقط معركة بين الولايات المتحدة وإيران ولا هي مجرد مواجهة إسرائيلية مع حزب الله أو صراع على مضيق هرمز. إنها في جوهرها معركة على شكل الشرق الأوسط المقبل

فإما أن تنجح واشنطن وتل أبيب في فرض معادلة إقليمية جديدة تقوم على تفكيك مصادر القوة لدى خصومهما وإعادة ترتيب المنطقة وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية وإما أن تنجح إيران وحلفاؤها في فرض توازن ردع يجعل كلفة الهيمنة العسكرية أعلى من قدرة واشنطن على تحملها، وفي الحالتين تبقى فلسطين هي القضية التي لا يجوز السماح بأن تتحول إلى هامش في الصراع.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع حرب جديدة بل في أن تتحول الحرب والفوضى الإقليمية إلى أداة لإعادة صياغة المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية وتفكيك عناصر القوة التي تحمي حق العودة والمقاومة.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أعلى درجات اليقظة السياسية ليس فقط لمراقبة حركة الجيوش والصواريخ وإنما لمراقبة المشاريع السياسية التي تُطبخ خلف دخان المعارك لأن الخرائط لا تتغير دائماً على طاولة الحرب بل كثيراً ما تتغير على طاولة المفاوضات بعد انتهاء الحرب.
------------------------------------
بقلم: يوسف أبو سامر موسى
* باحث وكاتب سياسي / فلسطين

مقالات اخرى للكاتب

الانتخابات الفلسطينية: تجديد الشرعية أم إعادة إنتاج الأزمة؟